مقامات.. إدوارد سعيد الذي أصر على سرد الحكاية

((((( ملاحظة: الصور المهم، صورة الكاتبة، صورة ادوارد سعيد، وغلاف كتاب القلم والسيف )))))
فاطمة الشيدي

والقضية الفلسطينية تفرض نفسها بقوة بين الشعوب العربية في قضية رفض التطبيع (حتى وإن كان الأمر لن يتعدى الثرثرة في مواقع التواصل الاجتماعي لفترة وجيزة لأن ذاكرة الشعوب العربية قصيرة كما نعرف جميعا وكما يعرف أكثر أهل السياسة).
إذن والقضية الفلسطينية حاضرة بيننا برموزها غسان كنفاني ومحمود درويش وسميح القاسم وغيرهم استحضرت بدوري أبرز المدافعين عنها “إدوارد سعيد” لأتشبث به تشبث العقل والوعي والروح، وكنت للتو قد أنهيت له كتاب “السيف والقلم”، بعد أن عشت معه ردحا من الزمن استعدت فيه القضية العادلة التي لم تفارقني يوما بوصفها قضية إنسانية في البدء والخاتمة، بعيدا عن أي شيء وعن كل شيء.
إدوارد سعيد الذي يعلمك معنى الإيمان بقضية ما، والعقلانية الواعية في طرحها، وكيفية الدفاع عنها بتحليلها وتفكيكها من جميع جوانبها، ومحاورة الخصم ومساءلة الوعي الإنساني والضمير في ذات الآن.
الكتاب الصغير الذي يقع في ١٥٥ صفحة من القطع المتوسط بترجمة توفيق الأسدي عبارة عن حوارات الصحفي والإعلامي دافيد بارساميان مع المفكر الكبير الذي أصر على سرد الحكاية الفلسطينية بمنهجية ومنطق يشعرك بالتقدير له أمام الهرج والمرج المنتشر.
“هل عندك أسئلة جيدة” هو السؤال الذي بادر به سعيد بارساميان ليمتد الحوار بينهما بسلاسة لفترات زمنية، وبرؤية واضحة أجاب إدوارد سعيد عن الأسئلة المطروحة بكل إشكالاتها ومناطقها القريبة والبعيدة منه كإنسان ومفكر وباحث وعن القضية التي شغلته واخلص لها؛ ليتعرف المتلقي لاحقا عليه وعلى أفكاره المتوزعة في كتبه من “الاستشراق”، ف”قضية فلسطين”، و”شرح الإسلام” و”بعد السماء الأخيرة”، وغيرها بشكل جيد، ولكنه يتعرفها من زاوية أكثر قربا وحميمية زاوية سعيد الإنسان قبل الباحث والمحلل والمفكر والأكاديمي. حيث يقدم “السيف والقلم” إدوارد سعيد بشكل كلي وجامع وقريب عبر مناقشة أفكاره ورؤاه التي كرس صوته بل وعمره وبحثه للدفاع عنها. وعبر ثيمات أو فصول محددة جرى الحوار منسابا بعد مقدمة لصديقه الباحث الباكستاني أحمد إقبال مثل “السياسة والثقافة في المنفى الفلسطيني” و”الاستشراق مجددا” ، و”الثقافة والإمبريالية” الخ.
وبالرغم من طبيعة الحوار البعيد عن العلمية والرصانة جاء صوت سعيد واضحا ليخبرنا عن فلسطين أولا وأخيرا، وعن الصهيونية التي لم توفر جهدا في تشويه القضية وسلب الأرض وقتل الإنسان، وعن دور السلطة الفلسطينية في خفوت الضوء في آخر النفق، وعن الإمبريالية وما بعد الكولونيالية والاستشراق والإسلام كهوية ثقافية وغيرها من الموضوعات التي كتب عنها وحاضر فيها وتحدث بها سعيد، فناقشها في هذا الكتاب بهدوء وإنسانية ولكن كما دائما بثبات ويقينية مطلقة.
كما استعدت ادوارد سعيد عبر كتابه “خارج المكان” وقد مضيت معه طويلا في وجوده الراشح  بالحضور الإنساني البسيط والمتناقض من القدس للقاهرة لأمريكا.
مشيت معه بهدوء المحب من بداياته الطفلية المتسمة بالمشاكسة العاشقة للأم، والمحتفّظة على دور الأب التاجر الرياضي المحب للعب الورق، والمتفرد بالقرارات البيتية. الأب الذي رأى في الصغير ادوارد صورة أقل مما كان يحلم، مع أنه كان منتبها كثيرا لممكناته العقلية والموسيقية.
وذهبت معه للأمكنة حيث الوجود الفيزيقي المكاني والإنساني، حيث العائلة الكبيرة والأصدقاء والحب لاحقا. القدس ثم القاهرة ثم الظهور المكان الصيفي في لبنان، ثم بيروت حين تهاوت صحة الأب.  ثم أمريكا حيث درس وأقام لاحقا.
والوجود الداخلي حيث اعتمالات التفكير، وتاريخ التكوّن الإنساني الشخصي المتباين من فرد لآخر، وحيث والتكوين المعرفي في المدرسة وفي الكتب وفي الموسيقى.
وفي هذه السيرة لن تجد ادوارد سعيد المثقف الكبير صاحب المناظرات النقدية، الحاد في وعيه ونقده، بل ستجد محاولة تذكر قصوى، محاولة انتماء للمكان السابق، وتجذير للروح فيها خوفا من الانمحاء والغياب القهري والقسري المفروض بحكم ظروف خارجية وأيدٍ خفية يواجهها بالتوثيق والكتابة لتأصيل علاقته بالمكان تحديدا.
استحضار دبيب خطواته الأولى أفكاره وأوهامه، لذائذ المعرفة البدائية بالروح والجسد، بدايات التفكر ومصائد الوعي المبكر بالأمبريالية والكولونيالية العنصرية البغيضة، البداية التي كانت تتشكل ضمن رفض لا واعي، وضمن اغتراب وجودي بين مكان فيزيقي وحياة خارجه تماما. ولا يعرف أيهما ظل للآخر. ادوارد العربي، أم ادوارد الأمريكي الذي عاش وترعرع في مدارس غربية بلغة أخرى وثقافة مختلفة تماما عن المكان الذي يعيش فيه وينتمي له ويحبه. الأمر الذي أربك هذا الطفل ورفع معه سؤال الهوية. من أنا؟ ولمن أنتمي؟ للمكان والإنسان أم للثقافة التي يعيش ويدرس ضمنها.
لن تجد مديحا للذات في هذه السيرة، بل ستجد العكس من ذلك تماما. لقد وثّق ادوارد سعيد كل الارتباكات والفشل وصغّر صورة الابن في كل عين تقريبا بدءا من الأسرة وليس نهاية بالمدرسين.
فامتداح الذات نقيصة فعلية في السيرة الذاتية العربية، صورة البطل الجاهزة التي يضع الكاتب نفسه فيها مراوغا أو واضحا.
بينما ستجد في (خارج المكان) البعد الحقيقي أو الطبيعي للفرد أو الطفل الذي يكبر في الكتابة بهواجسه وأحلامه وارتباكاته الأولى مع حضور الجسد ومتطلباته المراهقة، صورة الأب والأم بسلبياتها وإيجابياتها. الحضور الهامشي للأخوات في الداخل كما في الخارج، الأصدقاء، وزملاء المدرسة، العائلة الكبيرة العمات والعمومة والخالات والأخوال وأبنائهم. وعلاقة العائلة بهم. المدارس التي درس فيها، والأساتذة الذين رضى عن بعضهم، وكره أغلبيتهم. الصيفيات في لبنان، تفاصيل الحياة والمكان، التنقل في الأزمنة والأمكنة، الجامعة والحياة خارج (مصر). مصر التي ظلت المكان الأهم والذي شعر بالهزة العميقة حين حرم منه لزمن طويل ليعيش بعدها كل الوقت خارج المكان فعليا.
السيرة التي بدأ ادوارد سعيد في كتابتها عندما علم بإصابته بسرطان الدم. في مواجهة واعية وعميقة للسرطان الذي قضى على الأب ثم الأم، وتسليما بالنهاية التي ستأتي مهما طالت كتب ادوارد سعيد (خارج المكان).
“أذكر أنني وقد تقدمت في السن أي عند بلوغي الحادية عشر أو الثانية عشرة على وجه التأكيد-صرت أضيق ذرعا بطقس تكرار المشاهد ذاتها، المرة تلو المرة أمام كاميرا أبي. وقد ترافق ذلك الشعور مع رغبتي في أن أتحرر من جسدي بشكل أو بآخر ومن تخييلاتي المتكررة في هذا المضمار وهي أيضا موضوع إنشاء مدرسي كتبته عندما كنت في الثانية عشرة، أني تخيلتني وقد أضحيت كتابا ظنا مني أن الكتاب ذو مصير سعيد لانعتاقه من التغيرات غير المستحبة. ومن التشويهات في الشكل ومن النقد لمظهره. وكان الكلام المطبوع يتكون في رأيي من مزيج من التعبير، من حيث أسلوبه ومضامينه، ومن الثبات المطلق والكمال من حيث المظهر. وإذ يتنقل من يد إلى يد ومن مكان لمكان، ومن زمان إلى زمان. أستطيع المحافظة على كياني الذاتي الحقيقي (بما أنا كتاب) على الرغم من احتمال أن يرميني أحدهم من السيارة أو أن ينساني في قعر درج من الأدراج.”  ص 109-108
هل نبحث في السيرة عما يقولنا، عما يمثلنا، أو يشبهنا في التفاصيل لنشعر بوحدة الإنسانية؟ نعم نفعل ذلك كثيرا، نفعل ذلك ونحن نشعر بحقيقة هذا التشابه والوعي به بلا تخييل أو تداعيات مخيلة إنسانية، إنه مثلنا إنسان عبر هذه الأرض، وتلطّخ  بترابها وانغمس في أوجاعها وأفراحها.
“عندما أسافر أصطحب معي دائما كمية لا حاجة لي بها من الأمتعة.  وحتى لو كانت رحلتي لا تتعدى وسط المدينة، فإنها تتطلب حقيبة يدوية محشوة بأغراض أكبر حجما وأكثر عددا مما يتطلبه زمن الرحلة الفعلي. وفي تحليلي لذلك استنتجت أني مدفوع بخوف سرّي لا فكاك منه، هو خوفي من عدم العودة.
وقد اكتشفت منذ ذلك الحين أنني على الرغم من ذلك الخوف، اخترع المناسبات اختراعا لكي أغادر. فأستثير ذلك الخوف بملء إرادتي.
بات هذا وذاك من ضرورات وتيرة حياتي، وقد تفاقما على نحو درامي خلال فترة مرضي. أقول لنفسي إذا أنت لم تعتزم هذه الرحلة ولم تثبت قدرتك على الحركة، ولم تنغمس في خوفك من الضياع، ولم تتجاوز الوتائر العادية للحياة المنزلية الآن. فالمؤكد أن لن تقدم على ذلك في المستقبل القريب”
الفكرة والحادثة هما الأكثر أهمية عند ادوارد سعيد، لذا تجده يراوح في الزمن بين الاستباقي والارتدادي أحيانا كثيرة لتوضيح فكرة ما أو شخصية ما وكذلك بالنسبة للمكان. فلا يلتزم بسياق زمني أو مكاني، بل يقطعهما ماضيا وحاضرا حسب الفكرة أو الذاكرة.
في حين كانت نزعته تجاه الغرب الإمبريالي بفوقيته العنصرية والاستعمارية الاستعبادية للثقافة والمكان والإنسان  تظهر استعدادا للمواجهة والرفض (حين ضربه المعلم البريطاني)، وظلت هذه النزعة تكبر داخله ولم ينسجم مع ذلك الآخر الذي ظل آخر، حتى ضمن انتماء مفروض عليه بالجنسية، وظل متحديا له، لا يظهر له التقبّل والتقدير.
“وكنت أشعر بأن الأمريكيين يفتقرون إلى العمق أو راحة البال، وأنهم لا يملكون غير روح نكتة سطحية، ورواية النوادر المضحكة عن أعضاء الفرق الرياضية، وهو ما لم يرضني قط. وكان يساورني شعور دائم بأن ما أفتقد في صحبة مجايليّ الأمريكيين هو استخدام لغات أخرى، والعربية خصوصا، تلك اللغة التي أعيش وأفكر وأحس فيها، جنبا إلى جنب مع الإنجليزية. ثم أن الأميركيين بدوا لي أقل شغفا وحماسا عند تعبيرهم عن مواقفهم وردود أفعالهم. وهذه جميعها وليدة طاقة المجانسة الاستثنائئة التي تملكها الحياة الأمريكية حيث تتماثل البرامج التلفزيونية، والملابس وتسود الوحدانية الأيدلوجية في الأفلام والصحف ومسلسلات الكومكس، وغيرها، فتحدّ من التفاعل المركب للحياة اليومية وتحط بها إلى حدها الأدنى الطائش حيث ينعدم دور الذاكرة”.
ستخرج من “خارج المكان” وأنت أكثر اقترابا من ادوارد سعيد، الطفل والإنسان، كأنك عشت معه، أو شاركته في حيز مكاني ما، لقد أصبحت تعرفه وتعرف أمه وأبيه وأسرته وشركة والده، وستتيقن أن السيرة مشاركة في العبور الإنساني أكثر من أي نص آخر شعري أو سردي أو فكري تقرأه، إنها مشاركة حياة كلية من لحم ودم وتاريخ ومكان وزمان.
إن السيرة الذاتية بما فيها “أدب الحوارات” هي نص يقدم لك خلاصة حياة شخص ما عبَر هذه البسيطة، يقدمها لك وقد اكتملت غالبا، ولذا يمكنك استخلاص رحيقها الممتع بلذة الوعي المعرفي، والالتذاذ بجماليات الكتابة، والتمتع بخلاصة الحكمة والاستفادة من الخبرة والتجربة كدروس حياة مكتملة، بل وتجعلك في مواجهة ذاتك، عتابا ومسامحة، أو تقبلا ورضى. تجعلك تشعر بالقرب والامتنان لهذا الكاتب الذي عرفّك عليه، أو على زمنه، أو مساحة من حياته الباهظة العبور والمعرفة، وهذا ما فعله إدوارد بي، وبكل من يصر على قراءة الحكاية الشخصية له أو حكاية فلسطين التي تمثله في دفاعه عنها وتمثل الإنسان في إيمانه بالحق والعدالة وتمثل الإنسانية في معانيها الكبرى وغاياتها السامية.