حكومة تكنوقراط

آن بنت سعيد الكندية
Twitter : @AnnAlkindi

لأول مرة يتم تعيين مختص في الاقتصاد لإدارة وزارة الاقتصاد، ويعين أكاديميين في مجال تخصصهم منهم على سبيل المثال وكيل التقنية، ووزير النقل من خلفية هندسية متخصصة وباع ليس ببسيط في العملية اللوجستية بترؤسه الحوض الجاف. وتعيين مختص في التخطيط العمراني على رأس وزارة الإسكان والتخطيط العمراني. تسمى هذه الطريقة في التعيينات بحكومة تكنوقراط إذا ما اتبعنا أسلوب الطرح العلمي والموضوعي لفهم المشهد. والتكنوقراطية كلمة من اصل يوناني تتكون من جزئيين الأول تكنو وهي (المعرفة) والثانية قراطية (وهي نظام الحكم وأسلوب الحوكمة المتبع). فالحكومة التكنوقراطية تعني اختيار صانعي القرار على أساس خبرتهم المعرفية في مجال معين.
تعتمد بعض الدول هذا الأسلوب في التعيينات عند مرورها بمراحل محددة في عملية الإصلاح. إذ نخطئ حين نعتقد أن بمجرد التغيير نكون قد حققنا آمالنا، فالتغيير عملية مستمرة. نتعلم فيها من الأخطاء والقصور ونعمد إلى تصحيحها بعد فترة، وبالتالي فهي عملية تراكمية مستمرة. وعلى سبيل المثال فحكومة الصين في وقت من أوقات ثورتها الصناعية أعطت بعض الملفات لمختصين كالمهندسين وبعض الأكاديميين. حيث تحاول بعض الدول إيجاد حل وسط بإبعاد السياسيين عن الملفات المتخصصة التي تحتاج إلى معارف قد يفتقدونها.
نحن هنا في السلطنة لنا تجربتنا الخاصة بناءً على الظروف الداخلية والإقليمية والعالمية. وقد كتبت الصحف العالمية ومراكز الفكر بعض تحليلاتها عن التغيرات التي أجراها صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق في أول تشكيلة وزارية منذ توليه مقاليد الحكم، إلا أن بعضها يفتقد إلى عمق المعرفة بالشأن الداخلي. وما يهمنا هنا أن علينا أن نفتح أعيننا حول تجارب الدول التي مرت بمراحل مشابهة شرقا وغربا للاستفادة منها وعدم الوقوع في نفس أخطائها. فالمملكة المغربية تاريخها مليء بالدروس التي يمكن الاستفادة منها، على اعتبار أن هناك أوجه شبه في الأنظمة الملكية. وكذلك في ناحية الشرق يمكن الاستفادة من تجارب كثيرة في سنغافورة والصين وماليزيا. فلكل من هذه الدول الآسيوية نظام حكم يختلف عن الآخر إلا أنها نجحت في تحقيق تنمية استثنائية قامت على التعليم أولا وأخيرا. ولست هنا للدخول بنقاش حول جدوى الأنظمة الديموقراطية، إلا أنني سأذكر أن التكنوقراطية ما هي إلا مرحلة من مراحل الإصلاح التي سيكون لها وعليها، وستفضي بعون الله إلى مرحلة أخرى أتمنى أن تصل إلى استحقاقراطية Meritocracy أو ما يسمى حكم الجدارة. وهو نظام يعتمد في أسس اختياره لصانعي القرار على الأداء والمؤهلات والمهارات. يتطلب ذلك تغييرا في الفكر المجتمعي، ومساندة شعبية في الاختيار بعيدا عن الشهادة التخصصية فحسب.
وليس هناك نظام أفضل من آخر فذلك يعتمد على المرحلة التاريخية والظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها بلد ما. يعتمد النجاح خلال هذه الفترة على القدرة لبناء فريق عمل متمكن حول الوزراء بحيث تتخطى العملية التعينية العراقيل المعتادة مثل فروق الرواتب بين الوزرات وهي المعنية بوضع السياسات، وبين الرواتب في الشركات المملوكة للحكومة وهي المنفذة لهذه السياسات. ثانيا يعتمد النجاح خلال هذه الفترة على القدرة على وضع الأسس الصحيحة من أقسام إدارية وتحول رقمي سريع لابد منه.
وكحل مقترح لهذا التحدي فإن المؤسسات الحكومية يمكنها الاستعانة بموظفي الشركات الحكومية خاصة تلك التي شملها الدمج تحت رئاسة جهاز الاستثمار العماني. وعملية التعيين هذه ينبغي أن لا تكون سدا للفراغ أو الاحتياج إنما تنطلق من استراتيجية للموارد البشرية. فالسلطنة لا تنقصها الخبرات البشرية إنما بحاجة إلى كفاءة في عملية التوزيع والتعين، تضمن بناء الخبرات المعرفية التراكمية البشرية. فالاقتصادي، وخبير الموازنة، وخبير المناهج، وخبير الطقس والبيئة لا يتم بناؤهم في يوم وليلة. ومن هنا فإن المحافظة على الثروات البشرية هي الأساس بتوفير بيئة عمل مهنية قبل أن نتكلم عن بيئة تحفيزية.
سبقت هذه التغييرات الكبيرة تهيئة بتقاعد الكثير في مختلف الأجهزة الحكومية مما سيعطي الوزراء مرونة كبيرة لبناء القدرات الداخلية أو يسمى في علم الإدارة In house capabilities ، وهي بلا شك عنوان لهذه المرحلة. وما لم تستطع الحكومات استقطاب افضل الكفاءات فإنها ستظل في دوامة لا تنتهي من الاستعانة بالشركات الاستشارية.