البنوك والجائحة – أكبر اختبار منذ الأزمة المالية

ستيفن موريس وآخرون – الفاينانشال تايمز
ترجمة: قاسم مكي

أثناء احتدام أزمة فيروس كورونا في أوروبا أواخر مارس، يتذكر الرئيس التنفيذي لبنك يو بي إس سيرجيو إرموتي أنه كان يجلس في بيته بمدينة لوجانو جنوب سويسرا ويفكر في أحدث انهيار مالي أحاط بمساره المهني كصيرفي .
يقول إرموتي (60 عاما) “إذا استعرضت في بالي آخر ثماني سنوات قضيتها ( في مهنتي) . سأجد أننا واجهنا الكثير من الزلازل الصغيرة لكن ليس إطلاقا بحجم ما نراه الآن. هذه أزمة يحركها الخوف بطريقة مختلفة. هذه المرة لا تتعلق بأناس يخسرون أصولهم أو مدخراتهم. بل بحياتهم، بعائلاتهم. إنها ضخمة ومختلفة.” يتعامل مصرف يو بي إس، أكبر بنوك سويسرا، بطريقة جيدة نسبيا مع الأزمة. فسعر سهمه انخفض بنسبة 10% فقط هذا العام. وهذا هبوط أكثر تواضعا قياسا بأي بنك إقراض عالمي باستثناء مورغان ستانلي في وول ستريت. لم يحدث ذلك من باب المصادفة. فكلا البنكين أنشآ أذرع إدارة أصول زبائن تزيد قيمتها عن تريليوني دولار وتتولَّد عنها رسومٌ مصرفية منتظمة من الأثرياء وفائقي الثراء الذين يبحثون بشدة عن استشارات حول كيفية التداول في أثناء الجائحة.
أما باقي الصناعة، خصوصا البنوك التي تركز على “تدبير معيشتها” بإقراض الشركات الصغيرة والمستهلكين، فتجد نفسها أمام أقسى اختبار لها منذ الأزمة المالية في عام 2008 . وتواجه أعدادٌ لا حصر لها من الشركات الإفلاس وسط إغلاقات وإجراءات حظرٍ للسفر لم يشهد لها العالم مثيلا من قبل.
من جانبها، اتخذت الحكومات والجهات التنظيمية إجراءات دعمٍ بتريليونات الدولارات لإسناد النظام الاقتصادي وضمان تدفق الائتمان وأداء الأسواق لوظيفتها ومساعدة العائلات على تدبير نفقاتها بدعم الرواتب وتجميد سداد القروض. لكن من المقرر أن يتم سحب العديد من هذه البرامج الإسعافية.
في الأثناء، تم تقليص أسعار الفائدة التي كانت سلبية أصلا في منطقة اليورو إلى الصفر في الولايات المتحدة وإلى 0.1% في المملكة المتحدة مما زاد من الضغوط على الهوامش الربحية الشحيحة التي تتحصل عليها البنوك من عمليات إقراضها.
ومن الممكن أن يقضي فيروس كورونا على البنوك الأصغر والأضعف والتي لاتزال تصارع للتعافي من الكارثة المالية التي ألمَّت بها قبل 12 عاما. أما البنوك الكبيرة فهو نذير لها بمرحلة قادمة تتسم بضعف الأرباح وانعدام توزيعها وقلة أو انعدام المكافآت واقتصار عملها على مقابلة نفقات بقائها. وكما هي الحال دائما، عانت بنوك أوروبا بقدر كبير جدا قياسا بمنافساتها الأمريكية والتي لديها أرباح أكثر “سمنة” تمكنها من الصمود خلال فترة السنين “العجاف”. وما زاد من صعوبة التغلب على عرقلة الجائحة لنشاط البنوك أن أكثر من 90% من موظفيها ظلوا على مدى شهور يعملون عن بُعد (من بيوتهم).
يتساءل بوب داياموند الذي كان يتولى إدارة بنك باركليز إبان الأزمة الأخيرة بقوله ” كيف يمكن الاطمئنان إلى وضع البنوك الوطنية الكبيرة التي تواجه أسعار فائدة صفرية في المستقبل المنظور وانكشاف ائتماني كبير . أرجوكم أن تشرحوا لي من أين ستأتي العائدات؟” امتصاص ضربة “العجز عن السداد” تشكل الخسائر الائتمانية الضخمة الهمَّ الأول للبنوك. فالأرقام بعد مرور 6 أشهر من بداية كوفيد -19 تصيب المرء بالدوار. خصص 15 بنكا في الولايات المتحدة 76بليون دولار لتغطية الديون المتعثرة المتوقعة. ووضعت نظيراتها الأوروبية (أكبر 32 بنكا) جانبا 56 بليون يورو لهذا الغرض، بحسب بيانات المجموعة المصرفية سيتي جروب.
ويشكل إجمالي مخصصات تغطية خسائر القروض(139 بليون دولار) أعلى رقم منذ تخصيص 186 بليون دولار لهذا الغرض في النصف الثاني من عام 2009 في نهايات الأزمة المالية العالمية التي أودت بمصرفي بير ستيرنس وليمان بروذرز. وحذر المستشارون بشركة أكسينتشر من أن الخسائر المقدرة من الديون الهالكة قد ترتفع إلى 880 بليون دولار بنهاية عام 2022 بعدما استخدموا عيِّنات واسعة النطاق من البنوك.
وأدت قواعد المحاسبة الدولية الجديدة التي نتجت عن الأزمة المالية إلى زيادة مخصصات خسائر القروض مما أجبر المقرضين على بناء احتياطيات قبل وقت كاف من وقوع الإعسار خصوصا في الولايات المتحدة حيث يلزمهم الآن تخصيص أموال لمقابلة الخسائر المتراكمة على أساس أحدث التوقعات الاقتصادية.
يرى فيكرام بانديت، الرئيس التنفيذي لمجموعة سيتي جروب في الفترة بين 2007 و2012 ، وجوب أن تكون الخسائر “المتماثلة” أقل لأن المستهلكين تعلموا من ” الأوقات الصعبة” التي مروا بها قبل 12 عاما مضت.
يقول “إنهم حصيفون جدا. فهم يستخدمون بعض هذا المال الذي يحصلون عليه من الحكومة لسداد الدين وتقليص موازناتهم. إنهم أقل إنفاقا بعض الشيء.” لن تتحمل البنوك كامل وطأة الإعسارات المتصاعدة. فالبرنامج الحكومي الطارئ لإقراض الشركات الصغيرة بالمملكة المتحدة (حيث لا يُتَوقع سداد ما يصل إلى نصف “قروض التعافي” والتي يبلغ إجماليها 34 بليون دولار على الأقل) تحمِّل دافعي الضرائب الخسائر.
كما يحجب التجميدُ المؤقت لسداد سحوبات بطاقات الائتمان وقروض الرهونات والإيجارات مشهدَ الضغطِ الحالي على دفاتر القروض.
شطب بنك جيه بي مورغان قروضا بقيمة 1.6 بليون دولار فقط من جملة محفظته الإقراضية التي يبلغ حجمها 998 بليون دولار في نتائج الربع الثاني لسنته المالية. وحتى الآن شطب بنك لويدز، وهو أكبر مقرض رهونات عقارية في المملكة المتحدة، 10.5 مليون جنيه استرليني من جملة دفتر قروضه للشركات الصغيرة والبالغة 38.4 بليون جنيه. (وهذا مبلغ أقل بكثير من متوسط الديون المشطوبة خلال الأعوام الثلاثة الماضية). فعل لويدز ذلك على الرغم من أن مسؤولي البنك يقولون إن القروض المتعثرة قد تصل إلى 5.5 بليون دولار من جملة قروضه التي تبلغ 440 بليون دولار هذا العام.
يقول جايمي راموس مارتن، وهو مدير صندوق استثمار بشركة أفيفا انفسترز التي تدير استثمارات بقيمة 356 بليون دولار وتعتبر مساهما رئيسيا في البنوك البريطانية، “من العبث محاولة التنبؤ بخسائر الائتمان من هذه الأزمة. المهم، الآن أكثر من أي وقت مضى، اختيار نماذج العمل الملائمة للمستقبل والالتزام بها.” بالنسبة للبنوك التي لديها عمليات مصرفية استثمارية كبيرة، خفف الصدمةَ عنها ارتفاعُ إيرادات التداول المتحصلة من أسواق متقلبة تاريخيا بجانب رسوم الإصدار القياسي لديون وأسهم الشركات.
حقق بنك مورغان ستانلي أعلى إيرادات على الإطلاق لربع عام واحد بما في ذلك أكبر زيادة بلغت 168% في تداول الأوراق المالية ذات الدخل الثابت بالسوق. وعلى الرغم من المخصصات الكبيرة لخسائر الديون وتكاليف التقاضي المستقبلية، حافظ بنك جولدمان ساكس على صافي أرباحه لنفس السبب إلى أن قضت على تلك المكاسب مخصصاتٌ إضافية بقيمة 2 بليون لتسوية قضية صندوق ماليزيا 1 للتنمية بيرهارد.
لكن ازدهار التداول لن يدوم. حذر جيمي ديمون، رئيس بنك جي بي مورجان، من أن إيرادات الأسواق قد تتقلص إلى النصف خلال باقي العام. ورغم استبعاد جون بروزان، المدير المالي لبنك مورغان ستانلي المتفائل جدا، تكرار ازدهار التداول الذي شهده النصف الأول من العام الحالي، إلا أنه يعتقد أن نهاية هذا العام لن تكون سيئة. فنشاط الزبائن، في نظره، لايزال أعلى من المعتاد .
المستثمرون يلتزمون الحذر
لايزال المستثمرون في شك وارتياب. فعدم التثبت من موضوع خسائر الديون والمخاوف المتعلقة بالإيرادات في أوضاع سعر فائدة فائق التدني وحظر توزيع الأرباح وإعادة شراء الأسهم كلها عوامل قادت إلى عمليات بيع واسعة لأسهم القطاع.
تراجعت أسهم البنوك الأوروبية بنسبة 39% هذا العام مقارنة بهبوط بلغ حوالى 13% في مؤشر “إس تي أو إكس إكس يوروب 600 القياسي (مؤشر لأداء 600 شركة كبيرة ومتوسطة وصغيرة في 17 بلدا أوروبيا- المترجم). وفي الولايات المتحدة هبط مؤشر ناسداك للبنوك بأكثر من الثلث في حين ظل مؤشر ستاندراد آند بورز 500 على حاله خلال العام. وكل ذلك قضى على إجمالي 987 بليون دولار من أموال المساهمين، بحسب بيانات مجموعة سيتي جروب.
يقول فيليب هيلدبراند، المسؤول عن رئيس الاستقرار المالي بالبنك الوطني السويسري في عام 2008 والنائب الحالي لرئيس مجلس إدارة شركة بلاكروك التي تدير أصولا بقيمة 7.3 تريليون دولار، أن البنوك ” أوفت بدورها في الاقتصاد الكلي هذه المرة.” لكنه يقول إنها “في أوروبا على الأقل لم تُؤدِّ ما يجب عليها أداؤه من وجهة نظر حملة الأسهم.” وحتى البنوك الأكثر مرونة لم تنج من النقد. يقرُّ توماس جوتشتاين، الرئيس التنفيذي لبنك كريدت سويس، بأنه يشعر بشيء من السخط إزاء هبوط سعر أسهم البنك “”بعد كل هذه الأرقام” التي حققها. وهو يشير بذلك إلى رد الفعل السلبي تجاه أرباح كريدت سويس في الربع الثاني من السنة والتي بلغت 1.8 بليون دولار، مرتفعة بذلك بنسبة 19% على أساس سنوي.
يرى جوتشتاين أن المستثمرين ما عادوا”يفرقون بين البنوك السويسرية والأوروبية الأخرى والبنوك والأمريكية”. ويضيف قائلا ” هنالك قلق كبير من قدوم موجة جديدة لفيروس كورونا ومن تعافٍ يعقبه تراجع وإغلاقٌ آخر للاقتصاد. هنالك قدر كبير من التشاؤم”.
يتم تداول أسهم البنوك الأوروبية عند 48% في المتوسط من القيمة الدفترية لصافي أصولها مقارنة بنسبة 89% في الولايات المتحدة.
فإجمالي قيمة أسهم البنوك التي يعود تأسيسها إلى قرون خلت مثل باركليز (17.4 بليون يورو) ودويتشه بانك (15.6 بليون) ويونيكريدت الإيطالي (17.2 بليون يورو) أقل من القيمة الرأسمالية لشركة مؤتمرات الفيديو زووم، 72 بليون دولار(61 بليون يورو) والتي تأسست عام 2011.
أما بنك سوسيتيه جنرال الفرنسي الذي تبلغ موازنته 1.5 تريليون يورو وحقق أرباحا بقيمة 3.2 بليون يورو في العام الماضي فقد شهد هبوطا في قيمة أسهمه بنسبة 60% عام 2020. وقيمته الآن حوالي 11 بليون يورو. وهي أقل من قيمة تطبيق “سلاك” للتواصل داخل مقار العمل (14 بليون يورو).
يقول ديفيد هيرو، نائب رئيس مجلس إدارة شركة إدارة الأصول هاريس أسوشيتس (90 بليون دولار) والتي تملك أكبر خمس حصص في بنوك لويدز وكريديت سويس وبي إن بي باريباس أن”الأمور غير معقولة بعض الشيء. الاقتصادات تتجه نحو التعافي وأوضاع رأس المال والسيولة متينة جدا. لكن تقييم رؤوس أموال المصارف، رغما عن ذلك، أسوأ الآن منها في عام 2009. هذا شيء لا يصدق.” ويضيف قائلا ” ينبغي لي الاعتقاد بأننا قد بلغنا أو أوشكنا على بلوغ الحضيض ( في تقييم البنوك)…. لكن هذا الفيروس سيذهب مثل كل الفيروسات التي سبقته.” لا يشارك الجميع هيرو في اعتقاده هذا. لقد حل التشاؤم محل تفاؤل مسؤولي البنوك السابق بأن الجائحة ستتخذ شكلَ صدمةٍ اقتصادية حادة يعقبها تعافٍ بذات السرعة.
في مارس الماضي، ذكرت آنا بوتِن، نائبة رئيس مجلس إدارة بنك سانتاندير الإسباني، أن إيرادات مصرفها وهو أكبر مقرض في منطقة اليورو، ربما تهبط إلى 5% هذا العام في أعقاب الجائحة. وبعد أربعة أشهر من ذلك خصص سانتاندير 7 بليون يورو لتغطية خسائر القروض وشطَبَ جزءا كبيرا من عملياته في المملكة المتحدة وواجه بذلك أول خسارة ربع سنوية طوال تاريخه الذي يمتد إلى 163 عاما.
وهبط صافي دخل مصرفي باركليز وإتش إس بي سي في ربع السنة الثاني (أبريل مايو يونيو) بنسبة 91% و96% على التوالي. أما في الولايات المتحدة فقد تسببت رسوم بطاقات الائتمان بما في ذلك مخصصات خسائر القروض في خسارة بنك ويلز فارجو مبلغ 2.4 بليون دولار فيما هبطت الأرباح بأكثر من 50% في مجموعة سيتي وبنك أوف أمريكا وجيه بي مورجان.
ومع استبعاد احتمال تعزيز الإيرادات، على مسؤولي البنوك خفض التكاليف لحماية الأرباح الشحيحة أصلا، خصوصا في أوروبا. لقد جمَّد مصرفا إتش إس بي سي ودويتشه بانك إجراءات الفصل عن الخدمة التي سبق الإعلان عنها في مارس. لكن بعد أقل من شهرين لاحقا استؤنفت ووعد المصرفان بتخفيضات أكبر في النفقات.
يقول ستيوارت جراهام، مؤسس شركة الأبحاث المالية أوتونوموس ريسيرش، إن إدارات البنوك تركز على البقاء حتى الآن مع تجنب ارتكاب الحماقات. وتطرح نفسها بصفتها مفيدة اجتماعيا. فعلت البنوك ذلك على نحو جيد جدا. لكن حين تتطلع إلى العامين القادمين ستجد أن هنالك ضغوطا كثيرة ستدفعها لإعادة ضبط قاعدة تكاليفها جذريا إما عضويا أو من خلال الإندماج أو الاستحواذ. وإذا لم تكن هذه الأزمة هي المحفز النهائي للقيام بذلك فماذا تكون؟”
المتطلبات الرأسمالية تمتص الضربة
بلغت الخشية على النظام المالي العالمي ذروتها في منتصف مارس عندما توقف سوق الدين الحكومي الأمريكي الذي تبلغ قيمته 20 تريليون دولار مما قاد البعض إلى تصور تكرار انهيارات البنوك التي حدثت في عامي 2008 و2009. لكن ترتيباتها الخاصة باستيعاب الخسائر صمدت هذه المرة.
يقول بانديت الذي يدير الآن مجموعة الاستثمار في التقنية المالية أوروجين ” تخيلوا لو كان كوفيد-19 معنا وقتها. من الصعب تصور ما كان سيترتب عنه على النظام المالي”.
من جانبه، يقول دافيدا سيرَّا، أحد مؤسسي شركة إدارة الأصول ألجيبريس (13 بليون دولار) والتي تستثمر في ديون وأسهم البنوك، ” رأس المال الآن أكبر بخمسة أضعاف قياسا بحجمه في عام 2008. وإذا لم تفرض الجهات التنظيمية (هذه الزيادة) على النظام المصرفي لَكُنَّا الآن قد تعرضنا لصدمة حقيقية.” ويقول الاعتقاد إن مصرف دويتشه بانك على سبيل المثال يمكنه تحقيق أرباح تشغيلية في الربع الثاني من سنةٍ اجتاحتها جائحة في حين أنه كان أحد البنوك التي حققت اكبر خسارة في التاريخ يوضح إلى أي حد تغيرت الصناعة المصرفية.
ورغم أن الأزمات مؤلمة لحظة وقوعها إلا أنها غالبا ما تعجل بتغييرات هيكلية “تأخرت كثيرا” في الأنظمة العالمية الراكدة.
تقول بوتِن، التي استلمت راية الجيل الرابع في عائلة مصرفية أسبانية تعود إلى عام 1909 عندما خلفت والدها قبل 6 سنوات، أن صندوق التعافي الأوروبي الذي أجيز مؤخرا بمبلغ 750 بليون يورو سيكون” خطة مفتاحية” تعزز من احتمال إنشاء اتحاد مصرفي. وتضيف “بدوره سيفتح (الصندوق) البابَ لإمكانية التوحيد المصرفي (بالإندماجات والاستحواذات) عبر الحدود في أوروبا”.
تعهد البنك المركزي الأوروبي مؤخرا بإزالة بعض العوائق القديمة أمام الإندماجات الكبيرة (بين البنوك). وفي يوليو نجح بنك إنتيسا سانباولو، وهو أكبر مقرض تجزئة في إيطاليا، في الاستحواذ العدائي على منافسه المحلي يو بي آي بانكا ( بقيمة 4.2 بليون يورو). شكَّل هذا الاستحواذ أكبر صفقة مصرفية أوروبية منذ الأزمة المالية.
هنالك آخرون أقل تفاؤلا بقدوم موجة من الصفقات التي من شأنها إنقاذ القطاع المصرفي المتشظى. يقول رونيت قوش، رئيس قسم الأبحاث المصرفية بمجموعة سيتي، ” انتظار تحقق الإندماجات والاستحواذات مثل انتظار جودو. فهو لا يأتي. (في إشارة إلى مسرحية صمويل بيكيت الشهيرة عن جودو الذي لا يأتي أبدا- المترجم). لذلك من المحزن أننا بدلا عن ذلك نواجه المزيد من خفض التكاليف”.
بذات القدر، يحثُّ من كانوا أكثر تأثيرا في إيجاد نظام الإجراءات التنظيمية في فترة ما بعد الأزمة على الحذر مع توقع استمرار تداعيات الجائحة لعدة سنوات.
يقول بيل كوين وهو رئيس سابق للجنة بازل لتنظيم العمل المصرفي الدولي أن المرحلة الأولى لكوفيد-19 أديرت بشكل جيد. وما فعله القطاع (المصرفي) الرسمي كان رائعا. لكننا الآن نقترب من الموجة الثانية للإجهاد. إنها موجة ضخمة من قضايا الائتمان. لذلك لايزال الوقت مبكرا جدا لادعاء الانتصار”.
مع سحب برامج الدعم الحكومي وبداية تعثر المقترضين في الوفاء بسداد قروضهم قد يلزم البنوك التضحية بدورها الثمين والخَيِّر. فهي حتى الآن مستعدة لتمرير “تريليونات” الدعمِ الحكومي ومتعاطفة إلى حد كبير مع الزمان في ضائقتهم. لكن ذلك سيتغير.
يقول الرئيس التنفيذي لبنك كبير في المملكة المتحدة طلب عدم ذكر اسمه ” لايزال الإحساس قائما بفداحة الإثم تجاه الأزمة (المالية العالمية) الأخيرة. كنا في السابق أعمدة المجتمع ثم شَنَّعُوا بنا. الآن نريد أن نكون الأبطال وأن ننقذ الاقتصاد ونتقلَّد شارةَ الفروسية بعد انتهاء الأزمة.” يضيف المسؤول المصرفي الكبير قائلا “على أية حال سنبلغ اللحظة التي يجب فيها تحصيل الدين. ثم ستبدأ الخيارات الصعبة. الكثير من هذه الشركات ستُفلِس. وسيلزمنا شطب الدَّين. وسيكون ذلك مؤلما. حينها من الصعب أن نكون أبطالا”.