الحاجة المُلحّة إلى مكتبة عمانية عامّة

محمود الرحبي
حين يصل الطالب الباحث إلى المراحل الحاسمة في أبحاثه سيُرغم على دخول “متاهة” لامنتهية، فحتى يحصل على ما يحتاج من مَراجع ومصادرَ عليه أن يشدّ الرّحال صوب مكتبات العواصم العربية.. فحتى الآن ليست لنا مكتبة بالمعنى الشّمولي، مثل مكتبة الإسكندرية أو المكتبة الوطنية في الرباط أو نظيرتها في الجزائر وفي تونس… وغيرها كثير. حتى الآن ليست لنا مكتبة توفّر مختلف المراجع. والأنكى أنه حتى المكتبات التجارية تبقى تصوّراتها “فقيرة” في هذا الجانب، بما فيها المكتبات “الطليعية” التي تُوفر إصدارات حديثة.
تعجز إذن مكتبات السلطنة عن توفير هذه الكتب المرجعية، لأنّ معظمها يُطبع في مجلّدات “ضخمة”، خاصة منها كتب التراث، ولأنّ أسعارها مرتفعة.. وفي ظلّ هذا الواقع المربك، يجد الباحث نفسه في قلب المتاهة التي أشرنا إليها أعلاه.. فمن بين “الخيارات” المطروحة أن يستعين، مثلا، بكُتب الـ”بي دي إف” المُقرصَنة، بما ينطوي عليه ذلك من إكراهات لا تُساعد الباحث في شيء. فهو يحتاج إلى فضاء مُجهَّز بوسائطَ ووسائلَ حديثة وبأهمّ المَراجع العلمية والمطبوعات والمؤلفات.. مكتبة بمئات الآلاف من الكتب تكفي الباحثين مشقّة التشتّت وتضييع وقتهم في تنقيب عبثيّ طويل عن كتب ومصادرَ وإحالات غير متوفّرة.
إنّ وجود مكتبة سيخدم كثيرا البحث ويُسهم في تطويره. كما ستساعد في تجويد العطاء العلميّ، كمّا وكيفا. وسيظهر باحثون في كافة المجالات والتخصّصات العلمية. في خضمّ ذلك، وطالما نتوفّر، في كافة ربوع السّلطنة وولاياتها على جامعات، مع استحداث جامعة حكومية جديدة، فإنّ طلبتها الباحثين يحتاجون، خاصة في المراحل المتقدمة من مسارهم التعليمي، إلى البحث والتقصّي كي يُنجزوا بحوثهم.. وحتى يُنجزوا بحوثهم يحتاجون مراجع ومصادر.. والمراجع والمصادر توجد في مكتبة عامّة.. وليس لنا، حتى الآن، مكتبة عامّة بالمعنى الشمولي.. ودَعُونا نختار، من بين كلّ الكلّيات التي تتلألأ في ربوع السّلطنة، على سبيل المثال، كليات اللغة العربية وآدابها فقط.. فمن جامعة السّلطان قابوس تصير لنا كليات في كل من نزوى وصحار وصور وصلالة. وقد فتحت أخيرا أبواب الدراسات العليا.. فهل ستتواصل فيها أزمة الطلبة، بحرمانهم من مكتبة عامة توفّر لهم ما يحتاجون من أسفار في درب شاقّ اسمه البحث الجامعي!؟
وحديثي عن مكتبة عامّة هو حديثٌ عن مشروع وطنيّ كبير يليق بما تحفل به عمان من إرث حضاريّ وثقافي علينا المحافظة عليه، بتحقيقه وتدقيقه وأرشفته، ولمَ لا رقمَنَتِه؟.. فليس حديثُنا، إذن، عن مكتبة عامّة عادية، بل عن مكتبة تحتوي على صنوف المؤلّفات والمراجع والمجلات والأقراص المُدمَجة ومراجع بكل اللّغات الحية.. مكتبة تكون مدينة أو “متاهة لإنبات حُقول المعرفة”، كما تحدّث عنها بورخيس. مكتبة -محجّ، يقصدها الباحثون من كلّ مدن البلاد وجهاتها. ولنضرب مثلا، مُجدّدا، بمكتبة الإسكندرية والمكتبةَ الوطنية في الرّباط وغيرهما..
إن مشروع مكتبة وطنية ليس “ترفا” فكريا، بل تقتضيه الضّرورة الحضارية والعلمية. فطالما كانت لنا كليات في مختلف ربوع البلاد لا بدّ أن تكون في العاصمة مكتبة كبيرة يجد فيها الباحثون ما يُشبع فضولهم العلمي وتوفّر لهم ما يحتاجون من مراجع للإجابة عن أسئلة وتساؤلات موضوعات بحوثهم ودراساتهم. وطبعا، يتمّ “تحيينُ” المكتبة باستمرار، بتزويدها بآخر الإصدارات، وطنياً وعربيا ودوليا.
وما دمت قد انتهيت، في ختام “متاهة” الباحث، التي بدأتُ بها ، إلى “متاهة” بورخيس، يوجعني أن أستحضر بشأن مكتبات العواصم العالمية أنه ليس في العالم بلد ليست فيه مكتبة كبيرة… ففي بوينس إيرس، مثلا، مكتبة عظيمة عمل فيها بورخيس مديرا عامّا وكانت حاضرة في أحاديثه وقصصه. وهناك مكتبات (عظمى )في كل الولايات الأمريكية، ومكتبة لينين بموسكو ومكتبة بترسبورغ.. في كلّ بلدان العالم، إذن، مكتبة “عامرة”. بل إنّ في بعضها مكتبة عامّة كبيرة في كل مقاطعة. وفي هذا السياق، أتذكر أنني بحثت، خلال زيارة لي لمقاطعة “كريستن شيرش” في نيوزيلندا، عن مكتبها العامة، رغم أن بها قرابة عشر مكتبات موزّعة على أرجائها. وعلمتُ أن مكتبة المقاطعة العامة توجد في مكان بعيد. وحين بلغتُها، بالحافلة، كانت أولى مفاجآتي أنها تقع في موقع آسِر، قبالة البحر مباشرة. وكانت مكتبة كبيرة للغاية، وقسم كبير منها مبني بالزّجاج. وفي الداخل، كان أول ما أثارني هندستها البديعة، التي تفتح شهية القراءة، بحيث أن كل جالس يُطلّ على مشهد البحر من خلال زجاج المبنى، وفي الجوار طيور من عدّة أنواع وأصناف.. أي أنك تطالع أو تبحث وأنت في فضاء مريح ومؤنس تودّ لو أنك لا تفارقه أبدا، حيث شعرت حينها وكأنما المكتبة صممت على منوال جنة بورخيس!.. وإذا كان حديثي هذا عن مكتبة في غير العاصمة، فلكم أن تتصوّروا ما سيكون مُتوفّرا في مكتبة العاصمة!..
ودعوني أختم هذه الورقة عن ضرورة وجود مكتبة وطنية في عمان بهذا الخبر من بلد قريب.. ففي السعودية قرّرت السلطات الوصية على الشأن الثقافي توسعة مكتبة الملك فهد في العاصمة الرياض. وتبعا لذلك، ستضاف إلى المكتبة مبان وفضاءات جديدة إلى المبنى القائم على مساحة 42.2 ألف متر مربع، والذي ستصير مساحته بعد اكتمال أشغال التوسعة 87 ألف متر مربّع، ما سيسمح بزيادة سعة المكتبة من 600 ألف كتاب إلى 2.4 مليون كتاب ووثيقة.. فمتى تكون لنا مكتبة وطنية يا سادة ياكرام؟