قانون الزجاج والألمنيوم

مصباح قطب
تحدثت الأنباء في الأيام الماضية عن أزمة زجاج وألمنيوم حادة في بيروت، جراء ارتفاع الطلب بشدة، لإصلاح الأضرار التي لحقت البيوت والمنشآت والمتاجر، بعد الانفجار المروع بالميناء.، كما تحدثت عن مغالاة شديدة من الورش والمعامل المختصة، في الأسعار وتدخل حكومي للحد منها، ومحاولات استيراد كميات كبيرة بأي طريقة لتلبية الطلب الملح. قد يضع كثيرون ذلك تحت القاعدة الدارجة “مصائب قوم عند قوم فوائد”، ولهم الحق فذلك قانون أزلي، وأوضح صوره هي تلك التي ينتفع فيها القائمون على صناعة دفن الموتى، من رحيل الأهل والخلان، بيد أن المنظور الذي أعالج منه مسألة الزجاج والألمنيوم يختلف، ففي عالم ما بعد الحداثة عموما بإيقاعه السريع أصبح لا مفر أمام أي دولة أو شركة أو حتى فرد من اكتساب مهارات سرعة التقاط الفرصة والتجاوب معها، ويكاد يكون المثل الشعبي الدارج بمثابة حتمية حاكمة لهذه الجاهزية، إلا وهو “انتظر من لا ينتظرك”، أي كن جاهزا ومتيقظا، لأن الفرص تمر كالبرق وما يذهب منها قد لا يعود ثانية، ثم إن قانون الانتظار والاقتناص أصبح ذا ديمومة وشاملا، أي أنه مستمر وليس وليد أزمة مرفأ أو جائحة فيروس، وشامل بمعنى أنه ينطبق تقريبا على كل القطاعات وكل الأنشطة، وأنه لأمر مرهق للغاية أن تعيش الكيانات الاعتبارية أو الطبيعية في هذه الوضعية ومع ذلك القلق، لكن لا مفر ولا توجد ساحة أخرى للعب، أو تضيق يوما بعد يوم الساحات الأخرى التي يمكن فيها أن يكون الاستهلاك أقل كثافة، والوقت أقل سرعة، والحياة أكثر رخاوة، والرضا يتحقق بالقليل، مع نسبية كل الأمور بالطبع.
في بيروت مثلا فإن معامل تصنيع وتشكيل الزجاج أو استيراد وتقطيع وتشكيل وطلاء الألمنيوم وتجهيز الاثنين بما يلزم من أكسسوارات الخ، لم تحقق كلها نفس العوائد أو الأرباح ولم تكن كلها جاهزة للحظة كتلك، وقد لا يعاب على الأغلب منها ذلك إنما العيب يبدأ حين تعجز عن مجارة الفرصة والتعاطي معها بفاعلية، وتوظيف كل شبكة العلاقات التي أقامتها من قبل أو حتى اكتساب مهارات تشبيكية جديدة للحصول على أعلى نصيب من القيمة.
كان شاعر سويدى يطالب ذات يوم بـ “إرهاق أقل” وأصبح مطلبه وقتها شعارا قوميا، في بلد نتصوره بين الأهدأ بالا في العالم، لكن كيانات البزنس العامة أو الخاصة في العالم الحالي لا تملك رفاهية الحلم بذلك، فالإرهاق قدر الجميع، على الأقل إلى أن يعلو فوق النموذج الاقتصادي الاجتماعي الحالي الشرس نظام بديل أكثر رأفة بالناس والطبيعة.
البعد الآخر في تلك القضية هو بعد المشاريع الحكومية والمؤسسات والجهات التي تتحكم في قرار الاستثمار داخل الدولة ومتطلباته، فهي بطبيعتها في العموم ثقيلة الخطى ، بطيئة التفكير، غير مستعدة لهذا النوع من السباقات اللهم إلا في دول عربية قليلة تطورت فيها مؤشرات مناخ الأعمال تطورا مثيرا وجيدا. النقطة هنا أن لا أحد يحاسب البيروقراطية على الفرص الاستثمارية التي تضيعها ، والبيروقراطية بدورها معنية بأن تكون أوراقها سليمة وكفى، أو بحسب التعبير الشعبي، “متستفة” ، قبل أي أمر آخر في العالم، ولا يبكي أحد فيها على إن فرصة أو فرصا ضاعت وأطاحت معها بفرص عمل وضرائب للخزانة وإمكانيات للتصدير وجلب عملة أجنبية ، فبالها مستريح ما دامت نفذت اللوائح، أو ما تتصوره انه هو اللوائح بمعنى أدق، مع عدم استبعاد سوء النية في حالات كثيرة يتم فيها تعقيد الأمور أمام المستثمر، بغية الحصول على منفعة غير مشروعة. معضلة لا مفر أمام أي دولة من التصدي لها وإيجاد آلية تعاقب البيروقراطية على ضياع الفرص مثلما تعاقبها على عدم تطبيق القانون، وتقدم لها أيضا المرتبات والحوافز المناسبة والإمكانيات.
التحولات العاصفة في الإقليم ستجعل مثل هذا الأمر ضرورة وجود للدول.