رؤية واضحة لحكومة تستوعب «الطموحات العظيمة» لمستقبل أكثر ازدهارا ونماء

باتجاه مرحلة مهمة من مراحل التنمية والبناء في عُمان –
رسم التطلعات والإسهام في وضع التوجهات والأهداف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية –

كتب – عماد البليك –

في الثالث والعشرين من فبراير الماضي وعد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – باستمرار إرث التطوير والتحديث في الدولة العصرية التي بزغ فجرها مطلع السبعينيات من القرن العشرين بتولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – مقاليد الحكم في البلاد عام 1970. ولابد أن طريق النهضة ومسيرتها هي غاية بعيدة ليس لها من حد أقصى، إلا التطلع والأمل المنشود الذي يقف على الرؤية والطموح.
في الخطاب السامي كان جلالته – أيده الله – قد أكد على عدد من الأمور أبرزها قضية تجدد النهضة ومن ثم ثيمة الإنسان وكونه ثروة المستقبل وعماد التنمية الشاملة والمستدامة، أما النقطة الثالثة والمحورية فهي موضوع تطوير الأداء الحكومي والإعلاء من قيمة العمل بشكل عام وتعزيز كل ما يتعلق بهذه الثقافة بما يخدم فرص المستقبل الأفضل ويرتبط ذلك بإعادة زرع القيم ومسألة الهيكلة التي تشكل أساسا للمرحلة المقبلة، بالإضافة إلى النقطة الرابعة التي تتآزر مع هذه النقاط الثلاث والمتعلقة بإعلاء قيمة دولة القانون والمؤسسات بما يحفظ ويدفع إلى الغد المشرق البعد الحضاري لعُمان ذات الإرث والتاريخ العظيم.

تشكل هذه القراءة مدخلا لفهم التغيير الكبير الذي تم الإعلان عنه أمس من خلال 28 مرسوما ساميا، تحدد آفاق المرحلة المقبلة من العمل الوطني والسير إلى الأمام باتجاه بناء عمان المستقبل باستشراف يقوم على مشروع الرؤية المستقبلية «عُمان 2040» التي كان جلالة السلطان المعظم رئيسا للجنة الرئيسية لها، ولابد أن هذه المرحلة ومن خلال هذه المراسيم السامية تستصحب التصورات الشاملة التي تنطلق منها الأهداف بعيدة المدى لهذه الرؤية من خلال تعزيز العديد من المعاني والمفاهيم ورسم التطبيقات على أرض الواقع العملي، التي تشكل إقامة نظام حكومي رشيق يراعي المتطلبات العصرية ويسعى إلى ترسيخ قيم الحداثة والابتكار وكافة معطيات العصر الحديث بالاستفادة من الأدوات المعرفية وقيم الإبداعية والابتكار وغيرها من المشروعات التي تصب في هذا الإطار، بالإضافة إلى ذلك يبرز العنصر الأهم في الروح الشبابية والملهمة التي يعول عليها في تحريك دفة ودولاب الحكومة في المرحلة المقبلة، وكان جلالة السلطان قد أكد مسبقا على هذا الجانب من حيث الدور الذي من المفترض أن يلعبه الشباب في كافة خطوات النماء المستدام، حيث ورد في الخطاب السامي: «إن الشباب هم ثروة الأمم وموردها الذي لا ينضب، وسواعدها التي تبني، هم حاضر الأمة ومستقبلها، وسوف نحرص على الاستماع لهم وتلمُّس احتياجاتهم واهتماماتهم وتطلعاتهم، ولا شك أنها ستجد العناية التي تستحقها».
متغيرات القرن والراهن
من المدرك أن العالم اليوم يعيش مرحلة جديدة منذ بداية هذا القرن الحادي والعشرين، حيث الاتجاه نحو تعزيز كافة الأدوات الحديثة وكان لثورة التقنيات الكبيرة والشبكات الافتراضية الواسعة والانترنت، أن تغير من قيم العمل وثقافته، كذلك حدث أن شهد العالم بشكل عام تغييرات كبيرة في مفاهيم الإدارة والقيادة وغيرها من أدوات التخطيط واتخاذ القرار، كل ذلك لابد أنه يوضع في الاعتبار في حال اتخاذ أي قرار يتعلق بتحريك وإعادة تشكيل منظومات الحكم والإدارة في الدولة الحديثة.
فالظروف والمعطيات اليوم لاشك أنها تختلف عما كان عليه الوضع قبل عدة عقود، كما أن السلطنة وهي تتجه الآن إلى خطة تمتد لعشرين سنة مقبلة تبدأ في العام المقبل لابد أن كل ذلك يوضع في الاعتبار ويتضافر مع العوامل والمعطيات السابقة في عالمنا المعاصر، كذلك مجمل المتغيرات على المستوى المحلي.
لابد من الإشارة كذلك إلى أن ظروف جائحة كورونا «كوفيد 19» الراهنة كان لها أيضا أن تنعكس على كل العالم في دفع التفكير نحو تقييم الرؤى والمكتسبات، من ثم إعادة بناء المفاهيم ومن ثم فإن ذلك ينعكس على المؤسسات وأدوات العصر من حيث نظم الإدارة والتحديث، وهي أمور نجد أنها قد تم أخذها في الاعتبار بشكل أو بآخر في مجمل التشكيل الوزاري الجديد بالإضافة إلى مشروع الهيكلة التي تمت في الجهاز الإداري للدولة بشكل عام.
وقد أشار جلالة السلطان في خطابه السامي إلى أن المرحلة الجديدة التي وصفها جلالته بـ «مرحلة مهمة من مراحل التنمية والبناء في عمان»، مضيفا: «مرحلة شاركتم في رسم تطلعاتها، في الرؤية المستقبلية عمان2040، وأسهمتم في وضع توجهاتها وأهدافها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يجسد الرؤية الواضحة، والطموحات العظيمة لمستقبل أكثر ازدهارا ونماء».
رؤية جديدة للحكومة
يقوم فكر الحكومات على أن الحكومة هي أداة تنفيذية، وهي جزء من منظومة الدولة التي تضم الأجهزة التشريعية والتنفيذية والقضائية، ولابد أن هذا الفكر يتغير وفقا للتحولات على مستوى الدولة محليا أو العالم بمنظور أوسع، كذلك يجب أن نضع مسألة التحولات في الفكر والمعرفة والثقافة على مستوى العالم ومدى الارتباط أو التباعد بين الأنساق الكلية للحياة، بحيث يمكن القول بأنه قد تشكل منظور كلي للمعارف ومختلف الاهتمامات البشرية في رؤية واحدة عمادها الإنسان وخدمة مستقبله ورفاهيته ودوره في هذا العالم.
فعلى سبيل المثال فإن فكر الثقافة والرياضة والشباب تبدو أنساقا كلية في ظل ربط بين هذه الأبعاد الثلاثية، بحسب القاعدة البسيطة «العقل السليم في الجسم السليم»، لكن هذا المعطى يأخذ دلالة أكثر سعة مع التغير العصري والراهن.
أيضا فإن ربط التراث بالسياحة يظل من القيم العصرية ذات البعد الفلسفي العميق، خاصة في بلد كعُمان له هذا النسق التراثي العريق، الذي يقدم الهوية السياحية في تكامله مع ما تزخر به الطبيعة نفسها وتنوعها وغيرها من الأسباب في هذا الباب.
أيضا يأتي ربط قطاعي الطاقة والمعادن في ظل مفهوم أوسع يُعنى بهذا الجانب، كما يتجلى الربط العصري والمنطقي في ربط العدل بالشؤون القانونية حيث نجد أننا أمام منصة واحدة تتعلق بالموضوعات التشريعية وإحقاق العدالة في الدولة، كذلك في ربط الإسكان بالتخطيط العمراني الذي يشكل ملمحا مهما في الأبعاد الأساسية لصناعة التنمية الشاملة خاصة بالرجوع إلى ما تؤسس له الرؤية المستقبلية «عمان 2040»، أيضا قضايا الزراعة والأسماك والمياه.
كذلك يمكن الانتباه إلى الربط الذي تم ما بين موضوعات التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، وهي من صميم مسائل العصر والرؤية المستقبلية، ولابد أن ربط البحث بالابتكار يعتبر من القضايا المركزية في صناعة المستقبل وهي تتقاطع مع الروح الشبابية وصناعة الاقتصاد الجديد من فئة رواد الأعمال وغيرهم من أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. أيضا سوف نلحظ ربط الاستثمار وترويجه بقطاع التجارة والصناعة.
أيضا يمكن نلاحظ الدمج في مفاهيم العمل والخدمة المدنية ومجمل قضايا التوظيف والتدريب والتشغيل وكل هذه الجوانب في إطار وزارة العمل، هذا يعني أن هناك وزارات لم تعد موجودة بشكل السابق حيث انطوت أو تكاملت مع وزارات أخرى، أو توزعت الاختصاصات، كما عادت وزارة الاقتصاد التي سبق أن ألغيت في عام 2011 وفق المرسوم السلطاني رقم 38 /‏ 2011 بعد أن تم إلغاء المجلس الأعلى للتخطيط وأمانته العامة.
الهكيلة والرؤية
يتكامل مشروع إعادة الهكيلة في الدولة الذي أعلن عنه وفق المراسيم التي صدرت أمس كما سبقت الإشارة مع الرؤية المستقبلية لعمان، التي تقوم على محاور ثلاثة هي «الإنسان والمجتمع»، ثم محور «الاقتصاد والتنمية»، فالمحور الثالث وهو «الحوكمة والأداء المؤسسي»، ومن هنا فإن إدراك هذه المحاور بشكل جيد وربطها بالتغييرات الأخيرة يكشف بشكل جلي المسارات المستقبلية في إطار تعزيز الأولويات الوطنية ومن ثم موجهات المستقبل لاسيما في قضايا التنويع الاقتصادي وقضايا البحث العلمي والابتكار وتوسيع الفرص للشباب والأجيال الصاعدة، حيث يتكامل كل ذلك مع التصورات الأبعد لموضع عمان المرتجى بين مصاف الأمم من حيث توظيفها الفاعل للموقع الجيوسياسي ودفع الاستثمارات والشراكات مع العالم في كافة المحاور الاقتصادية والإنتاجية، بما في ذلك تعزيز فكر التعاون الدولي، بما يخدم بشكل كلي قضايا التنمية البعيدة المدى المستدامة، الشاملة والإنسانية.
هنا يمكن التوقف مع المرسوم السلطاني رقم 2020/‏100 بإنشاء وحدة متابعة تنفيذ رؤية عمان 2040 وتحديد اختصاصاتها واعتماد هيكلها التنظيمي، حيث أن هذه الوحدة تتكامل مع الوزارات والهيئات الأخرى في سبيل صياغة الغد من خلال البرامج والخطط كافة معطيات التطور وصناعة المستقبل.
كذلك فإن الهيئات المستحدثة مثل الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة وهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وغيرها من عمليات الحذف والإضافة والإلغاء، كما في إلغاء مجلس التعليم أو مجلس الشؤون المالية وموارد الطاقة ومجلس البحث العلمي، كل ذلك يتكامل مع المحور الأساسي والمركزي في بلورة الأفق التنموي الجديد الذي يصب في مشاريع استراتيجية لها صفة التطلع والرغبة الأكيدة في بناء الغد الأفضل مع اعتماد جانب الرشاقة وتجميع الاختصاصات في قالب واحد بعيدا عن اللامركزية.
أيضا يجب الإشارة في هذا الإطار إلى المرسوم السلطاني رقم 2020/‏101 بإصدار نظام المحافظات والشؤون البلدية، حيث يمكن أن نضع رؤية شاملة تجمع مقومات الجغرافية بالموارد لكل محافظة وكيفية تلبية التطلعات والقدرة على إدارة الموارد وكافة الفرص المستقبلية. يبقى ما يجب التأكيد عليه في نهاية الأمر أن كل هذه التغيير والطريق من إعادة رسم الدولاب الحكومي ونظام الإدارة الرشيد يهدف إلى دخول مرحلة جديدة من التطلعات في عهد صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق- حفظه الله ورعاه – ليكون المهم وراء كل ذلك التضافر الوطني والعمل الجماعي لأجل أن ترى الأهداف النور وتستطيع عمان أن تواصل مسيرتها المتجددة من نهضة مستمرة باتجاه الغايات والآمال المنشودة.