افحص نفسك

أحمد بن سالم الفلاحي
مع أول خطوة تخطوها خارج منزلك، تبدأ حسابات الربح والخسارة تتراكم عليك بصورة تلقائية، فمشاويرك ليست مجانية، ولا هي هدية يقدمها لك الآخرون، حتى وإن كانت هناك عزومة ما مدعو إليها من قبل صديق، فحسابات التكلفة حاضرة وبقوة، وعليك أن تمسك بورقة وقلم؛ أول ما تعود إلى منزلك؛ لتبدأ احتساب الخسارات، والمكاسب، خلال مشوارك الذي قطعت، وفي كل مشاويرك اليومية، ربما المطمئن هنا أنه ليست عليك خسارات فقط، بالمطلق، كما ليس لك مكاسب فقط، بالمطلق، وإنما هي مراوحة بين مكسب وخسارة، والشاطر؛ كما يقال؛ من يعلي سهم مكاسبه، ويقلل من مستوى خساراته، وإن حدث العكس، فقد خسر “المال والحال” وهل بمقدور أحدنا أن يحدث الفارق في كل منهما بإرادت ؟ أقولها نعم؛ وبكل ثقة، لأننا نبقى الجديرون بصناعة أنفسنا، وإلا لما كان هناك مبدأ التكليف من لدن خالقنا علينا. وفي كلا الأمرين؛ نحن من يحدد المكسب؟ ومن يحدد الخسارة؟ فالمسألة ليست مصادفة أو مبنية على الحظ، وإنما خاضعة لمقاييس كثيرة، يأتي في مقدمتها عقد العزم على الدخول في معترك الربح، أو الخسارة، وتبييت النية للعمل المراد تنفيذه وإلى أي الهدفين يذهب، لأن كل الطرق المراد تحقيق هدف منها تكون حاضرة، وواضحة عند كل واحد منا، وإلا لما سلك هذا الطريق أو ذاك من الأصل، واكتفى بالجلوس في المنزل، وبقدر هذا الوضوح تأتي مفارقة الفعل لتوقع النتائج، فالذي يذهب إلى ظلم الآخر، والإساءة إلى الثاني، وأكل مال الثالث، ظانا بذلك أن في النتائج المتحصلة مكاسب، فهذه الصورة تحمل مفارقة عجيبة، لا تعكس عقلا راجحا يفكربصدق، ولا قلبا راحما يعطف بمودة، حيث يتحرر صاحبه من مظان الود، والقربى، ويذهب إلى حيث تجاذبات النفس نحو الاستحواذ على كل شيء، ولو على حساب الآخر، وبالتالي فالأفعال من هذا النوع، ليس بمستغرب في نعوتها إن وصفت بالفساد، أو الإجرام، أو بالتسلط، أو بالأطماع، فكلها قابلة لذات التأويلات في المسميات، ولكن في المقابل؛ هل يستسيغ من يقوم بأي عمل من هذا النوع أي نعت من هذه النعوت؟ الإجابة بالمطلق؛ فهذا أمر مفروغ، فكلنا تغرينا الدشداشة البيضاء، ونقيسها على بياض أنفسنا، ولا نرضى لها أية بقعة سوداء، ولذا نقيم أفعالنا على أنها بيضاء هي الأخرى، ولا نتنازل عن هذا التصنيف مهما كان فعل الإساءة صعب على الطرف الآخر، هذه فطرة، وليست تدليسا للمعاني. (إفحص نفسك) لا تفرق كثيرا عن (حاسب نفسك) فالمراد من كلا المعنيين إعادة هذه النفس الجانحة بقوة الوسيلة التي تستخدمها؛ أحيانا؛ للوصول إلى مآربها، وطلب الأمر هذا بهذا الإسلوب؛ الذي يفيض “لينا وترج” هو للمحاولة في أن تظل هذه النفس فطرية المنشأ والتوجه، دون تكلف، فكلفة الخطأ كبيرة، وخاصة عندما يكون هذا الخطأ “مع سبق الإصرار والترصد” لأن النتائج ستكون مزدوجة على الطرفين: المخطئ؛ ومن يقع الخطأ في حقه، فالبحث عن طرق للنجاة؛ وهي الوسيلة، خير من البحث عن نجاة للطرق؛ وهي الغاية، لأن الغايات تكون دائما مغلقة المنافذ والحدود، أي لا حل، إلا الاستسلام لواقع الحال. قرأت؛ عبر ما يتوارد على صفحة الـ “واتس أب” مرة النص التالي: “يقول المتخصّصون في علم الإجتماع: إذا كنت تتجاوز إرشادات المرور، و لم يكن لديك أي اعتبار لإشارات المرور، فإن لديك استعدادا لكل التجاوزات ولو سقط فيها أبرياء” – انتهى النص – ووفقا لهذا النص، فلنكن صادقين مع أنفسنا؛ كم مرة حدث عندنا مثل هذا الموقف، من دون دواعي حقيقية؟ إذن؛ نحتاج إلى عملية تطهير لهذه النفوس التي ران عليها الكثير من الدرن، فأضحت تسابق في ارتكاب الخطأ، أملا في اكتساب الربح .