مقامات .. رحلة خاصة مع جوته

فاطمة الشيدية

باسم الذي أوجد نفسه
ويعيش مهنة الخلق منذ الأزل
باسمه هو الذي يبدع الإيمان
والثقة والحب والنشاط والقوة
باسم ذلك الذي غالبا ما يذكر
لكن جوهره يظل غامضا أبدا
جوته

لا يمكن للمرء الذي يدعي التماس مع الثقافة أن يعبر هذه البسيطة دون اتصال حقيقي وعميق مع جوته، ودون مكوث طويل بين كتبه وأوراقه وأشعاره وسردياته ومسرحياته.
جوته المثقف الذي أخذ من كل علم بطرف، ونهل من الآداب والفنون والعلوم ما جعله موسوعيًا في الفكر والموسيقى والرياضة والأدب والتصوير والطب والهندسة والسياسة وعلوم النبات، وألمّ بمعظم اللغات الحية القريبة والبعيدة ومنها العربية فكان على علاقة خاصة بها شعرًا وأدبًا ونحوًا وبلاغةً كما تعمّق في الفكر الإسلامي تعمقًا نتج عن حب وإعجاب.
جوته الكاتب العظيم والشاعر المرهف والإنسان النبيل الذي يعلّمك أن الشعر فلسفة، وأن الحياة موقف، وأن السرد ذاكرة إنسانية تعبر الأزمنة والأمكنة، والقارئ لأعمال جوته الشعرية والسردية والمسرحية لن يخرج إلا ممتلئًا به، متشبعا بوعيه وفكره الواسع وإنسانيته المحضة، حيث يتجلى جوته الإنسان في كل ما ترك من إرث ضخم ومتنوع.
ومنذ فترة ليست بالبعيدة قررت إعادة التعرف على هذا الكاتب العظيم في رحلة معرفية بدأتها مع الكبار الذين أسسوا وعيي المبكر، وأناروا طريق الغواية والمعرفة فأصبحوا أصدقاء في الحياة وفي اللغة، وهكذا وعبر أربعة من كتبه مضيت معه في رحلة عميقة عبرت بها سهوب المخيلة وأحراش الذاكرة ومدنها وآفاقها الواسعة.
فكان الكتاب الأول هو “يوهان فلوفغانغ فون جوته مختارات شعرية ونثرية” ترجمة أو البعيد دودو ، الذي صدر عن دار الجمل 1999، ويقع في 252 صفحة من القطع المتوسط، ويقدم الكتاب بعض أشعار جوته في عناوين فرعية تمثلت “أشعار في الحب”، “بين الأزهار” ، “مع الطبيعة” ، “نجوم البشرية” ، “مفارقات” ، “قصائد قصصية”، “مواصلة”. ورسائله؛ إلى: “شارلوته فون شتاين”، و”كرستينة فولبيوس” و”يوهان كاسابار لفاتر”، و”يوهان غوتفريد هيردر”، و”إلى الأمير كارل أوغوست”، و”إلى فريدريش شيلر”، وتأملاته ونصوصه مثل: “حديث عن الطبيعة”، و”حكمة النفس”. وهي جميعها تحليق لغوي في الروح والطبيعة والإنسان، وقد كتبتها جوته بلغته العذبة الرفيعة، لغته التي تشبه زمنها وتشبه روح جوته العظيمة.. من ذلك قوله:
اشرب السعادة المقدسة من نظرة الحبيبة اليوم كله يا فتى
ونم مساء على هدهدة صورتها
ما من عاشق أحسن منك
وستظل سعادتك دومًا أكبر
بالبعد عن حبيبتك
القوى الخالدة وزمن البعد تهز دمك خفية
كقوى النجوم لينعم بالهدوء
ويزداد شعوري رقة مطردة
ويصبح قلبي يوميًا أخف
بينما تكبر سعادتي على الدوام”
ثم مسرحية “تاسو” ترجمة عبد الغفار مكاوي، وقد صدرت عن المركز القومي للترجمة 2009، وهي تدور حول الشاعر الإيطالي توركواتوتاسو وقد كتب أغلبها في إيطاليا، وينقل لنا فيها روح الشاعر الحساس الذي يشك في كل شيء، ويتألم من كل شيء، ويعيش حياته محلقًا هائمًا قلقًا بعد أن اصطفاه الأمير لنفسه وأغدق عليه من التقدير والمحبة والمال نظير إيمانه بشاعريته الفذة، وانتظارا لإبداعه الذي سيخلدهما معا، ولكن نفس الشاعر المضطربة وروحه التي يضطرم فيها الشك والريبة لا تهدأ ولا تثق في أحد؛ فكل من يعبره يتربص به، ويحقد عليه، ويتلمس موضع زلته، في حين يمثل الحب والحنان الجنة التي يحلم بها والأمان الذي لا يعرف له طريقا، ولكنه يسعى إليه حتى يقضى عليه، وهكذا حتى يسقط في مغبة الألم فالجنون. وجوته عبر هذه المسرحية يقدم نموذجًا إنسانيًا لروح الفنان القلقة ونفسه المضطربة حتى يومنا.
أما الكتاب الثالث فهو رواية “آلام فيرتر” التي ترجمها أحمد حسن الزيات ونشرتها دار القلم في بيروت، مع تقديم عظيم لعميد الأدب العربي طه حسين للمؤلف وللمترجم وللكتاب، والنص يمثل صبوة العاشق الذي لا يستطيع كبح نفسه بعد أن سقط في هاوية العشق السحيقة، وبعد أن أرهقه ما يعتمل في صدره من أشواق وآهات؛ حتى قرر الموت منتحرا؛ ليدرأ عن نفسه آلام الغيرة وقسوة الهجر من المحبوبة التي لم تبادله الحب يومًا، بل كان يدرك منذ البدء أن قلبها معلق بغيره، ولكنه لم يستطع لنفسه شيئًا، وهو العمل الذي يمثل “سيرة مواربة” لجوته كما يرى معظم النقاد وقد اختار لها شكل اليوميات، كما اختار لها نهاية مختلفة وهو الموت ليجعلها مغايرة قليلا عن سيرته الشخصية.
أما الكتاب الرابع فهو رائعته الخالدة “فاوست” بترجمة محمد عوض محمد مع تقديم طه حسين أيضا، ومسرحية فاوست تقدم صورة الإنسان والطبيب المحب الخيّر الذي أخذه الشيطان لدربه بعد أن سأم من كل شيء، وبعد محاولات شيطانية مستمرة لإغرائه، فقرر أن يمتثل له عبر اتفاق سري يحقق له الشيطان له كل ما يريد مقابل أن يسلمه روحه، وهذا ما حدث فعلا، فحقق له الشيطان كل ما يطمح إليه، فأعاد له شبابه فارتكب فظائع الأمور ليتفهم طبيعة الشر، بعد أن فهم روح الخير ومارسه طويلا وقدمه. لقد أعاد جوته تقديم فلسفة الخير والشر في “فاوست” في معنى جديد لهما معا، فهما ليسا نقيضين بل هما وجهان لعملة واحدة هي الإنسان، وعبر جزئين يعالج جوته في الأول روح الإنسان ووعيه وفكره منهوبا ومنكسرا في الشر عبر الشراب والإغواء والجسد، بينما يعالج في الجزء الثاني الظواهر الاجتماعية والفكرية والسياسية في فلسفة خاصة ورؤى عميقة وسابرة.
وهكذا خرجت من هذه الكتب وقد اطلعت (جزئيًا) على حياة جوته وأدبه وعالمه الذي دخلته بحب وشغف لأستعيد علاقتي به، وأفهم نفسي عبره. خرجت منها ومنه أكثر انبهارًا وإعجابًا، وقد عرفت جوته أكثر، ولكن كان لابد وأخيرًا من الاستعانة بصديق مشترك أو أكثر ليشاركني هذه المحبة وهذا الشغف، فكان عميد الأدب العربي طه حسين أولا، فما أن تقرأ مقدمته حول جوته أو جيته في ترجمة أحمد حسن الزيات لكتاب آلام فيرتر، أو ترجمة محمد عوض محمد لمسرحية “فاوست” حتى تشعر بالنشوة المعرفية والوعي التشاركي عبر ذلك الانبهار الذي كتبه عنه، وذلك التحليل المعمق للنص.
ثم كان لابد من الاطلاع على مقدمة عبدالرحمن بدوى في ترجمته الأولى لفاوست أو دراسته العظيمة لها بالأحرى؛ فهي قراءة جادة وعميقة ومطولة للعمل، وتتبع منهجي وعلمي للحكاية الحقيقية والأسطورة وتحليلها في الأدب، وهكذا تجد نفسك ملتذًا بالولوج في هذا العالم العظيم، ومكتفيًا من هذه الرحلة المعرفية لدرجة ما أو حتى حين، وليس إلا أن تضعها في مقال قصير على الورق يسجّل للزمن حدود الرحلة، وأثرها في وعيك وروحك وفكرك، وبعدها يحق لك أن تأخذ نفسًا عميقًا وتعود وأنت تردد معه.
“أيها الخافق يا قلبي، ما نهاية كل هذا
ترى ماذا يحزنك؟
وأي حياة جديدة غريبة
إني لم أعد أعرفك
فها قد ذهب كل ما أحببته
وما حزنت من أجله
وذهب عنك جهدك وراحتك
ترى كيف وصلت إلى ذلك؟!”