التكافل الاجتماعي .. من المبدأ إلى القانون

عاصم الشيدي

كشفت التداعيات الاقتصادية لأزمة كورونا أهمية مبدأ التكافل الاجتماعي المنبثق في الأساس من التعاليم الإسلامية، والمتأصل في الثقافة العامة للشعب العماني. وعلى مدى الأشهر الماضية للجائحة رأينا الكثير من صور التكافل التي استطاعت أن تخفف، ولو قليلا، من تداعيات الأزمة على المواطنين والمقيمين على أرض عُمان رغم عظم الأزمة.
وإذا كانت بعض تلك الصور قد ظهرت للعيان لأسباب تنفيذية فإن الكثير منها قد مرّ دون أن يلاحظه أحد لأسباب تتعلق بالتعاليم الإسلامية والقيم العربية الأصيلة، وتلك الصور ما ظهر منها وما بطن تعطي مؤشرا مهما على قوة المجتمع، وتماسكه وتمسكه بالمبادئ الأصيلة التي بقي متكئا عليها دون تفريط.
ولا مبالغة إذا قلنا إن مبدأ التكافل الاجتماعي كان وما زال ركنًا أصيلًا من الأركان التي يقوم عليها المجتمع. ولو أمعنا النظر قليلا لعرفنا، على سبيل المثال فقط، أن فكرة «الأوقاف» السائدة لدى العمانيين ما هي إلا إحدى صور التكافل، حيث تُوقف الأموال الكثيرة للفقراء واليتامى والمحتاجين وعابري السبيل ولتدريس من لا يستطيع الدراسة وللخدمات الاجتماعية الكثيرة المتمثلة في عمارة المساجد والأفلاج وتجهيز الموتى وغيرها من الأمور التي يعرفها العمانيون جميعًا في أعلى ملمح من ملامح التكافل الاجتماعي بين أبناء المجتمع.
وخلال كوارث طبيعية مضت، كما في الأعاصير المدارية التي تضرب السواحل العمانية كل عام تقريبا بدءًا من 2007 أظهر العمانيون صورًا مشرقة من التكافل الاجتماعي.
وجاء النظام الأساسي للدولة في مادته الثانية عشرة وكرّس الفكرة وحولها إلى نظام يترابط به المجتمع ومؤسساته وجاء في تلك المادة ما نصه «وتعمل (أي دولة) على تضامن المجتمع في تحمل الأعباء الناجمة عن الكوارث والمحن العامة».
وإذا كان للمبادئ والقيم الاجتماعية أن تتحول مع الوقت ومع تطور الحياة وتعقد مدخلاتها إلى قوانين تبقى علامة بارزة من علامات تطور المجتمعات فإن قيمة التضامن الاجتماعية تستحق أن تكون قانونًا ونظامًا من أنظمة الدولة العمانية.
والمشهد الحالي الذي يمر به العالم وما فيه من تداعيات قد تطول يدعونا للتفكير عميقًا في هذا الأمر. ولا يمكن أن تمر قضية المسرحين من وظائفهم بسبب تداعيات جائحة كورونا دون أن نقف للتفكير في تحويل التكافل من قيمة اجتماعية إلى نظام من أنظمة الدولة يحمي الموظف من أن يصبح، نتيجة الجوائح والكوارث الصحية أو الطبيعية المتمثلة في تقلبات المناخ، في مهب الريح.
وأثبتت هذه الجائحة أن لا أحد في مأمن أبدا سواء كان موظفًا بسيطًا أم صاحب شركة عابرة للقارات، والأدلة واضحة والدرس عميق ولا بدّ أن نستوعبه بكل ما فيه من عمق.
وكان حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – أعزه الله – مؤمنًا بمبدأ التكافل الاجتماعي وحريصًا على تكريسه في المجتمع ولذلك رأيناه في أول اجتماع يترأسه لمجلس الوزراء بعد أن آل إليه عرش عمان يأمر بإنشاء صندوق «الأمان الوظيفي»، وكان – حفظه الله – أول المساهمين فيه بمبلغ قدره 10 ملايين ريال عماني.
وأنظمة الأمان الوظيفي بشكلها الجديد المتطور من قيم المجتمع إلى أنظمة دولة وقوانين، موجودة في الكثير من دول العالم منذ ما يزيد عن قرن، وأثبتت نجاحها مع الزمن ومع ظهور الأزمات.. وليس آخر نجاحاتها أنها تشعر الموظف بالكثير من الأمان، فلا يجد نفسه في ظرف لا دخل له به وخارج عن إرادته غير قادر على القيام بأعباء الحياة ومتطلباتها.
وأنظمة الأمان الوظيفي في العالم لا تُعنى فقط بالمسرحين من أعمالهم أو الفاقدين لعقود عملهم فقط وإنما تشمل، أيضا، تقديم معونات للباحثين عن عمل حتى يجدوا عملًا مناسبًا لهم.
وتتشابه آلية عمل هذه الأنظمة مع أنظمة التقاعد أو التأمينات الاجتماعية المعمول بها حاليا، حيث يساهم كل موظف بنسبة بسيطة جدًا من راتبه الشهري وكذلك تفعل المؤسسة التي يعمل بها سواء كانت حكومية أو خاصة بالنسبة نفسها ويذهب المبلغ إلى صندوق خاص يُعنى بتوفير الأمان الوظيفي لعموم المجتمع وفق نظام تقره الدولة، وبطريقة تضامنية.
ورغم بساطة النسبة المستقطعة إلا أنها تتحول إلى قيمة كبيرة في المجتمع، وتزيد من المحبة والألفة بين أفراده وتزيد من قوته وتماسكه.
وبالنظر إلى ما يمر به الاقتصاد في العالم، بما في ذلك السلطنة، من تراجع كبير وانكماش وفي بعض الأماكن من ركود، اضطرت معه بعض المؤسسات إلى تسريح موظفيها أو بعض منهم أو تقليص رواتبهم ما جعلهم أمام تحديات اقتصادية كبيرة، بالنظر إلى كل ذلك فإن وجود نظام للأمان الوظيفي في السلطنة بات ضرورة ملحة، ومطلبًا شعبيًا، ينسجم مع مبادئ المجتمع العماني في التكافل والتراحم والتعاضد، وما أجمل أن تتحول المبادئ والقيم إلى قوانين ترسخ وجودها في المجتمع جيلًا بعد جيل.