عن زمن الذكاء الاصطناعي

إميل أمين –

ولدت أزمة تفشي وباء «كوفيد-19» المستجد عدة تساؤلات جدية وجذرية عن حال ومآل العالم مع أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة، والتي لم يكن لأحد أن يتخيل أنه يمكنها أن تقوم مقام الكثير من الوظائف التي اضطلع بها البشر على نحو عام خلال العقود الماضية.
حين اضطر البشر إلى الاختباء وراء الجدران في عزلة إجبارية، قامت تلك العقول الإلكترونية بدور مثير للتفكر في التأمل في الوصل بين البشر، لا سيما ما خص مسألتي التعليم والإعلام، فالأولى جرت بها المقادير من خلال الفضاء السيبراني، وبذلك تغلبت على فكرة حتمية هي التواصل البشري في المدارس والجامعات داخل الفصل الدراسي الواحد.
أما الإعلام فقد كان المحرك الرئيس للحياة سواء من خلال أدواته التقليدية المتمثلة في التلفزة والإذاعات، أو المحدثة منها كوسائط التواصل الاجتماعي التي تعتمد الشبكة العنكبوتية مدخلا لها وتتكاثر يوما تلو الآخر رغبة الأجيال الصاعدة في أن يكون سندها وعكازها في الحياة دون غيرها من أدوات الوصل.
يلفت الانتباه في أزمة «كوفيد-19» والتي لا يدرك المرء ما إذا كانت قد حطت رحالها، أم أنها تستعد لموجة ثانية أشرس من سابقتها، وإن كان المرء يستمطر المراحم الإلهية في أن لا تكون التوقعات هكذا بالفعل، نقول يلفت النظر أن أصحاب شركات البيع والشراء عن بعد، مثل الشركة العالمية أمازون، وشركات المعلومات مثل فيس بوك وتويتر، ومن لف لفهم، قد ضاعفوا ثرواتهم بصورة هيولية غير طبيعية، ولا يمكن للمرء أن يتصورها.
في هذا الإطار يطرح سؤال: هل كانت هناك أيادٍ خفية وراء تفشي الوباء، كي تجد تلك المنظومة الحديثة من الذكاء الاصطناعي طريقها للسيطرة على عالمنا المعاصر، برًا وبحرًا وجوًا؟
حكما سيرى الكثيرون من أنضار نظرية المؤامرة أن ذلك كذلك، لكن الحقيقة غير المعروفة عن هذا الفيروس الشائع، تجعل من الصعب بمكان أن يعتقد المرء في أن المسألة تمضي على هذا النحو.
هنا يمكن القول إن السيناريو الأقرب للتصديق هو أن هناك من استغل الجائحة واستطاع بالفعل تطويعها لتحقيق أغراض تتسق وتحقيق أرباح عالية، لم يكن أحد يتخيلها من قبل.
وربما هناك ما هو أكثر من ذلك، أي التخطيط المستقبلي لكي يكون الذكاء الاصطناعي وأدواته المختلفة الأشكال والألوان، هو المهيمن والمسيطر على مقدرات الإنسانية، الأمر الذي يطرح العديد من علامات الاستفهام وفي المقدمة منها: هل هذا توجه بناء وخلاق، أم أنه على العكس من ذلك يمكن أن يمثل كارثة ووبالا على البشرية برمتها في قادم الأيام؟
لعل من أوائل الأصوات التي تحدثت عن تشابك العلاقة بين الإنسانية وبين الذكاء الاصطناعي، يأتي العالم البريطاني الشهير «ستيفن هوكنج » والذي كان قد أعرب عن مخاوفه من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل البشر نتيجة للتطور السريع والمتلاحق للأبحاث في هذا السياق، الأمر الذي يفتح الباب لوجه مختلف من أوجه الحياة.
الكارثة التي توقف عندها العالم البريطاني الكبير الذي رحل عن دنيانا مؤخرا، هي أنه إذا كان البشر يصممون فيروسات الحواسيب، فإنه بالإمكان أيضا تصميم ذكاء اصطناعي قادر على تطوير ونسخ نفسه، وحذر بالتالي من ظهور شكل جديد في الحياة يفوق بني البشر.
كان ذلك الحديث في بدايات عام 2007، ولم تكن أزمة «كوفيد-19» قد انفلتت على النحو الذي نراه في حاضرات أيامنا، ويومها حذّر الرجل من التعامل مع التكنولوجيا لتفادي تدميرها للبشرية، ودعا سكان المعمورة إلى تحديد التهديدات المحتملة للتكنولوجيا والتعامل معها قبل أن تتفاقم الأمور إلى خطر على الحضارة الإنسانية.
هل تبينت البشرية وجها جديدا من أوجه الذكاء الاصطناعي خلال أزمة «كوفيد-19»، وجها يختلف عن ما أشرنا إليه من دوائر التعليم والإعلام؟
هو كذلك بالفعل، وشأنه موصول بالحريات، وتقييدها، والمراقبة وتشديدها، فقد اكتشفت كثير من شعوب العالم أن البشر برمتهم يمكن أن يكونوا تحت المراقبة الوثيقة واللصيقة، وأن تحركاتهم مرصودة من قبل كاميرات المراقبة التي باتت منتشرة في كل بقاع وأصقاع العالم.
يحاجج المسؤولون بأن المراقبة هنا هدفها الرئيس الكشف المبكر عن حاملي الفيروس، وهذه حجة لها وجاهتها، غير أن الوجه الآخر لها، موصول بانتهاك الحرية الشخصية، فما تقوم به الكاميرات وأجهزة المراقبة الحديثة يتجاوز التقاط الصورة، ذلك أنها تقيس مدى عمل الوظائف الحيوية للجسم البشري، وتكشف عما هو أكثر من الحاجة لمقاومة فيروس كورونا.
هل الذكاء الاصطناعي هو أحد أسباب المعارك الدائرة بين الغرب والشرق، بين الصين من جهة وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية؟
يمكن النظر إلى قضيتين مشتعلتين في الوقت الحاضر بين بكين وواشنطن على نحو خاص، الأولى متعلقة بأجهزة هواتف المحمول هوواوي وتبعاتها، والثانية خاصة بالبرنامج المعروفك باسم «تيك توك».
الأزمة أكبر من مجرد العنصر الاقتصادي، أنها أزمة ذكاء اصطناعي، بات يستخلص معلومات، وهذه هي العملة الأهم في القرن الحادي والعشرين، والأكثر مصداقية من البنكنوت، عطفا على أن تلك الأدوات باتت تشكل العقول، وعليه فإنه من تتوافر له المعلومات ومن يخترق العقول، سيضحى قادرا على ترتيب أوراق القرن بأكمله لصالحه وتحقيق مصالحه.
للذين يودون المزيد من المعلومات المثيرة جدا عن الذكاء الاصطناعي، أن يطالعوا كتاب «القوى العظمى: الصين ووادي السليكون والنظام العالمي الجديد»، لمؤلفه رجل الاعمال الصيني «كاي فو لي»، وهو أيضا خبير في مجال الذكاء الاصطناعي.
في صفحات الكتاب يمكننا أن نكتشف كيف أن الصين سوف تستفيد من مردودات أجهزة الذكاء الاصطناعي التي تنتجها بضعف ما سيعود على الولايات المتحدة الأمريكية في السياق عينه، إذ ستكون حصة الصين تقريبا حوالي 7 تريليونات دولار، فيما نصيب الولايات المتحدة الأمريكية 3.7 تريليون فقط.
السؤال الخطير والذي لا يجب أن نغفله في هذه السطور المتواضعة: هل يمكن للعقول الاصطناعية والذكاء الاصطناعي أن تتمرد على البشر، كما رأينا في أحد أفلام الخيال العلمي الأمريكي، والتي هي عادة تتحول إلى حقيقة بعد فترة زمنية قد تطول أو تقصر؟
عند الفيلسوف البريطاني من جامعة أكسفورد «نيك بوستروم»، أن البشرية ربما تكون على موعد مع نوع من أنواع الذكاء الاصطناعي الخارق، أي صاحب الفكر الذي يتجاوز الأداء المعرفي للبشر، وذلك في جميع الجوانب من الإبداع إلى الحكمة إلى حل المشكلات، وسنرى آلات قادرة على إظهار ذكاءات تقلق الناس، فيما أيلون ماسك الولد العجيب يجزم بأن هذا التطور سيجعل الجنس البشري ينقرض.
إلى أين يذهب بنا الذكاء الاصطناعي؟
الجواب معقود برقبة الغد فانظر ماذا ترى؟