مسرح العرائس.. فن شعبي قديم يخشى ممارسوه أن يترك وحيدا

  • الدمية ومقص التكنولوجيا
  • ختام السيد: فن مسرح العرائس يمكنه العودة وبقوة كشكل من أشكال الفرجة “التراثية” القابلة للتطوير
استطلاع : بشاير السليمية
تجتهد فرقة المسرح الشعبي العمانية المتخصصة في مجال فنون الدمى والفرجة في أن تؤسس لمسرح الدمى والعرائس في عمان أرضية صلبة، يستطيع من خلالها الوصول لشريحة أكبر من مختلف الفئات وليس الأطفال فحسب، خاصة في ظل البدائل التكنولوجية التي قد تزيح البساط من تحت أقدام الدمى وتصرف الجمهور لوجهات وشاشات أخرى.
في السطور القادمة تتحدث إلى (عمان الثقافي) مجموعة من ممارسي هذا الفن والمهتمين به حول ما إذا كان هذا الفن المسرحي لا يزال قادرا على الوصول للجمهور الذي ابتعد، وإذا كانت الدمية تقاوم مقص التكنولوجيا، إضافة إلى تجارب بعض أعضاء الفرقة في التحريك والأداء الصوتي وصنع الدمى؟

فنون الفرجة.. تعبير عن الهوية والثقافة


تقول الكاتبة ختام السيد رئيسة فرقة المسرح الشعبي حول قدرة مسرح العرائس على التكيف مع أي وقت من جهة، وابتعاد الناس عنه من جهة أخرى: “لا بد من تقييم فهمنا – لفنون الفرجة الشعبية – والتي وجدت بتمثلات وأشكال مختلفة في المجتمعات العربية و(الجزيرة العربية)، ليست استثناءً؛ مروراً بمرحلة الجاهلية ثم الإسلام وتكوّن مجتمعات مدنية وحواضر عربية وصولاً إلى “ابن دانيال” إلى وقتنا الحاضر. فقد كانت تلك المجتمعات تمارس فنونها الفرجوية المعبرة عن هويتها وثقافتها بأشكال وصور مختلفة كفن – الحكواتي والقوال والمخايلاتي وفن العرائس أو الكراكيز، إضافة إلى الفنون الحركية الإيقاعية الرّاقصة، التي تعتمد على جوقة الغناء وضاربي الطبول والإيماء الجسدي. ضمن هذا الفهم لتجليات تراثنا الفرجوي، وتراكمه الحضاري في الذهنية العربية، يمكننا الجزم بأن – فن مسرح العرائس – يمكنه العودة وبقوة كشكل من أشكال الفرجة “التراثية” القابلة للتطوير. لأنه فن يعتمد بالدرجة الأولى على المخيلة الإبداعية .
وحول المعوقات التي قد تواجه المشتغلين في هذا الفن قالت: “لا أرى أية معوقات حقيقية، تحول دون جعل مسرح العرائس فاعلاً في محيطه، بل ومؤثراً في الذائقة والثقافة العامة. لأنه كفن غير مكلف، ولا يحتاج إلى دعم مادي مباشر من قبل المؤسسات الثقافية أو “وزارة شؤون الفنون “.
وأضافت: “كل ما نحتاجه في السلطنة هو وجود أشخاص شغوفين بهذا الفن، ليأخذوا على عاتقهم التأسيس ثم الامتهان، وحينها سنرى في السلطنة مسرحاً مَهيباً ينافس بإنتاجاته كبرى المسارح العالمية”.
وحول الاعتقاد الذي يرى أن مسرح العرائس للأطفال فقط قالت السيد: “عندما نصل إلى مرحلة تخطي تسطيح فكرة النص العرائسي، وبالمعنى الأصح “الاستسهال” في الطرح والمعالجة. حين ذاك سنصل جميعاً إلى متعة المشاهدة كأطفال وعائلات وأفراد. وذلك عبر تقديم نصوص حكائية “مسرحية”، تخرج عن إطار نقد وتوجيه المجتمع تربوياً، إلى نصوص أكثر انفتاحاً تحاور الحاضر، لتجعل منه ركيزة لحياة مستقبلية، قادرة على مواجهة التحديات الحضارية . ”
وعن تقييمها لتجربة مسرح العرائس هنا في عمان قالت: “لا يمكن تقييم تجربة في بداياتها؛ كل ما نراه اليوم محاولات واجتهادات. أرجو ألا تخبو أو أن يخفت بريقها، أو أن تصنف كموجة طارئة”.
وحول ما ينقص هذا الفن بالتحديد هم كتّاب أو صانعو دمى أو حتى جمهور ترى السيد أن: “الجمهور لن يتغيب عن متعة المشاهدة، لذا علينا البحث عن كتّاب خلاقين ومبدعين بأفكارهم، ومخرجين متمكنين من ميكانيزم التعامل مع الأنواع المختلفة من الدمى، إضافة إلى صنّاع ممتهنين وممثلين محترفين وشغوفين بمسرح العرائس” .

عروض مسرح الدمى..متعة كبيرة


وقالت وفاء سالم حكواتية عضوة في فرقة المسرح الشعبي: “إن مسرح فن العرائس قديم جدًا وقد ظهر في العالم العربي في العصر العباسي وفترة حكم المماليك والعثمانيين وما يحدث اليوم من تطور جعل العالم ينجذب بعيدًا عنه رغم أن لهذا الفن القدرة على التكيف لكلِ زمان ومكان، لأنه يمتلك قدرة الوصول إلى أكبر شريحة في العالم العربي” .
وحول ما يواجهه هذا المسرح من معوقات قالت: “عدم وجود الدعم المعنوي له إلى جانب عزوف الناس عن المسرح، لكن من المهم الاعتراف أن مسرح الدمى في المنطقة لم يكن يتضمن العرائس فقد كان مرتبطًا بالسرد أو استخدام العصي، وكان يتضمن شخصًا واحدًا قائمًا بكل الأدوار ومع التطور الذي حصل اختفت ظاهرة فن العرائس حتى بدأ البعض ممن يهتم بهذا الفن بمحاولة إعادته للساحة الفنية.
وتضيف وفاء سالم حول فكرة أنه فن للأطفال وحسب: “الحقيقة أنه لا يمكن حصر مسرح العرائس للصغار فقط، وقد يُفاجئ البعض بأن النشأة الأولى لمسرح العرائس كانت للكبار، ففي أثناء الحرب العالمية الثانية أدى لاعب العرائس الروسي الشهير سيرجي أبرازوف كثيرًا من العروض أمام الجنود في جبهات القتال ولا يزال الكبار حتى يومنا هذا يجدون في عروض مسرح الدمى متعة كبيرة ويمكن مشاهدة هذه العروض في المغرب، سوريا ومصر، وللعودة إلى السؤال أستطيع أن أقول يمكن ذلك بعمل عروض عرائسية للكبار”.
وعن تقييمها للتجربة العمانية في مسرح العرائس قالت: “لا زالت في بدايتها الأولى والتي انطلقت رسميًا في معرض مسقط للكتاب 2020، وقد ساهم أيضًا بعض الحكواتيين العمانيين المهتمين بأدب الطفل بإظهاره في الساحة . ”
وتضيف وفاء سالم أن هذا الفن ينقصه الكثير، وتابعت: “الكُتاب موجودون ولكنهم يحتاجون الدعم، صناع الدمى محدّدون، فدمى المسرح لها أنواع مختلفة، المؤدون قلة وربما هناك من يخشون الظهور، والجمهور شبه معدوم، لذلك أقول يحتاج مسرح الدمى إلى الدعم والجمهور.

الدمية.. من الجمود إلى نقل المشاعر


فيما قالت وفاء الراشدية عن التحدي الذي تواجهه كونها محركة عرائس: “التحدي هو نقل المشاعر الإنسانية إلى دمية جامدة. جمهور مسرح العرائس غالبا أطفال، والأطفال كائنات عبقرية جداً، تستطيع التفريق بين الدمية الجامدة والدمية المليئة بالمشاعر، لذلك نجد أننا عندما كنّا صغاراً كنّا نحب شخصيات الدمى أكثر من الشخصيات الحقيقية في برامج الأطفال مثل برامج افتح يا سمسم، لأن الدمى كانت مليئة بالحياة بفضل محرك الدمى الذي لم يكتف فقط بالتحريك.
وعن تجربتها الأولى في التحريك ضمن مسرحية “دمية حامد” قالت: ” كانت متعبة، لأني لم أتعود على تحريك الدمى، وبكل أمانة لم أتقبل التجربة في البداية لكني استمتعت بعد ذلك عندما بدأت أفهم أكثر في عالم الدمى”.
وأضافت: “أعتقد أن النقص يكمن بعدم توافر مسارح مناسبة لهذا النوع من العروض مما يعرض محرّك الدمية لأخطار عديدة ربما تؤدي إلى إصابات . ”
وحول ما إذا كانت الدمية لا تزال قادرة بعد كل التطور التكنولوجي على الوصول إلى الجمهور رأت الراشدية أنه: “يستحيل أن تتغير قدرة الدمية على إيصال الرسالة مهما تطورت التكنولوجيا، تظل البساطة دائماً وأبداً هي المحرك الأساسي لكل العروض، وبالعكس نحن الآن نحتاج للدمية لتشد انتباه أطفالنا بعيداً عن أجهزتهم اللوحية قليلاً وتدخلهم في عالم الألوان والحكايات النافعة وتشجعهم على التواصل مع العالم الحقيقي بدلاً من الافتراضي”.

المحرّك هو الدمية


وتحكي نور الهدى الغمارية كذلك من خلال تجربتها الوحيدة في الأداء الصوتي للعرائس من خلال مسرحية “دمية حامد” قائلة: “من واقع تجربة واحدة لي فقط في هذا المجال فأكبر تحد يمكن أن يواجهه المؤدي الصوتي هو الاشتغال على الحس الطفولي والتلوين الصوتي، وأما المحرك، فاللياقة ثم اللياقة ثم المرونة وسرعة ردات الفعل والتواصل الروحي مع الدمية فيكون المحرك هو الدمية”.
وأضافت: كتجربة أولى في دمية حامد ربما ضيق الوقت كان أكبر تحد، أما كتجربة العمل في مسرح العرائس فكان العمل مع ختام السيد هو السبب الرئيسي في سير الأمور بسلاسة تامة بحكم خبرتها في المجال ونقلها المعلومات الأساسية لنا كمحركين لأول مرة وثقتها بنا، آملة أن تتم تهيئة مسارح خاصة بالعرائس وإعطاء هذا الفن اهتماماً يوازي الفنون المسرحية الأخرى.
ورأت الغمارية: أن الدمية أقرب للجمهور وللطفل خصوصا مع وجود المؤثرات والإحساس الصوتي للممثل لأن الدمية أقرب لشيء ملموس للطفل وخصوصا في حال مسرح العرائس التفاعلي.

صناعة دمية جذابة تحدٍ كبير


أما راشد الغافري صانع الدمى لمسرح العرائس فيرى أن التحدي الأكبر الذي يواجهه صانع الدمى هو: “صناعة دمية ذات طابع جذاب وجميل يحبها الجمهور بعد خلق حياة وروح فيها من حيث المظهر العام للدمية والحركة أيضاً ..
وأضاف: “بدأت مشواري في امتهان تصنيع الدمى من حبي لها وشغفي في أن أمتلك عددا كبيرا منها، – وتعلمت من ختام السيد الكثير وهي أول الداعمين والمحفزين لي دائماً في هذا المجال- إضافة إلى رغبتي في إبراز هذا الفن بصورة جميلة للمجتمع”.