مباهج القراءة في الأماكن العامة “١”

أمل السعيدي
تبدو القراءة ممر مضيء نحو تاريخنا الشخصي، كيفما كان لونه، قاسياً أو رحيماً، أدركتُ هذا في فترة مبكرة جداً، عندما كنتُ طالبة في الجامعة وقرأتُ رواية مدن الملح للروائي السعودي عبدالرحمن منيف في مقهى ستاربكس بالأفينيوز وهو أكبر مجمع تجاري في الكويت. تتحدث الرواية خصوصاً في جزئها الأول الذي أنهيته هناك، عن شبه الجزيرة العربية والتحولات التي طرأت عليها بعد اكتشاف النفط، وكيف تغير المجتمع آنذاك، وبداية تشكل السلطة السياسية، بل وبدأت لغة جديدة تطفو على السطح في التعاطي مع جوانب الحياة المختلفة، كنتُ أشاهد وأنا خارجة من المقهى هذا الواقع الجديد، الذي راقبت طوال خمس أجزاء تحولاته. قد يبدو هذا المقال رثائياً، مع الأوضاع التي يعيشها العالم اليوم، فهنالك حظر للتجوال، وعاد الكتاب ليصبح رفيق عزلة قسرية، داخل مكان مسور، فاقداً دلالات هامة بحضوره خارج هذا المكان، وشاهداً رغم عدم استثنائيته، إلا أنه يعتبرُ تمظهراً للمرحلة التي وجد العالم فيها نفسه. تعتبر القراءة في الأماكن العامة فعلاً سياسياً خصوصاً في الدول “التوليتارية” كما تصفها الفيلسوفة الأمريكية حنة أرندت، والتي تفرض قيوداً على البيانات وأدوات تبادل المعلومات المختلفة، تنجح الدول التي ترزح تحت وطأة أنظمة توليتارية إلى وضع الناس في مجموعة واحدة غير متمايزة، تقوم السلطة بتكريس كل أدواتها لتشكيل أفراد هذه المجموعة حسب أجندتها، وبالتأكيد فإن هذا يفرض شكلاً من التغريب القسري، عن الذات، ورغباتها الفعلية. إنها حالة من خلق مكونات لعالم محدود، تعمل هذه الأنظمة الكليانية على إيهام هذه المجموعة بكمال الصورة ومثاليتها، الصورة التي خلقتها هذه السلطة نفسها، وبلا شك إن الحضور الأسطوري لرواية مثل رواية “نحن” الروسية لـ”يفغيني زامياتين” داخل مجتمع مغلق كهذا، وفي مكان عام مرئي، هو تطبيع مع الثورة، وإعادة تشكيل للمجال العام. ليس هذا فحسب، بل إن ذلك يعدُ نقل للصراعات غير المرئية، والتي لا يلغي إخفاؤها من فاعليتها إلى السطح. في كتابه مدخل إلى الموسيقى يكتب أوتو كارويي: “لربما لو لاحظنا أن الغناء أو الصفير بطبقة محددة قد يسبب أحياناً اهتزاز أجسام قريبة مثل: قدح على مائدة مثلاً، وإصداره صوتاً يتجاوب مع صوتنا، وهذا يوضح مبدأ الرنين: عندما يتواجد شيئان يمكن لهما أن يهتزا بنفس التردد أو الطبقة، فإن تحرك أي منهما (أي اهتزازه وإصدار الصوت) سيتسبب في إصدار الثاني صوتاً من دون أن يلمسه أحد” وهذه المقدرة يتمتع بها الكتاب حاضراً في موقع هنالك سعي حثيث لتشكيله بصورة أحادية. لكن هل تشكل نوعية الكتب المقروءة، تأثيراً على هذه الصورة، هل يعد رواج عمل أدبي متواضع، دليلاً على التحام بالسلطة، وطريقة لطمأنتها، وعدم فقدانها للسيطرة. هذا سؤال آخر، يقلب تأثير هذه المعادلة، والتاريخ الإنساني حافل بالقصص حول الرقابة على الكتب أو دعم بعضها تكريساً لحضور الدولة. تعد القراءة في الخارج أيضاً عملية تغريب اختيارية، وذلك لأنها في بعض الأحيان تقصد الانفصال عن المحيط الضاج بكل مكوناته، إنها استراحة رغماً عن الحدود والمسافات ورغما حتى عن حضور الآخرين.