« مقامات » .. المقاومة بالفرح

فاطمة الشيدية

العيد ثقافة إنسانية تهب الإنسان فضاءات مختلفة تخرج به عن الروتين اليومي وتراتبية السائد الحياتي انتظارا وتحقيقا لتفعيل طقوس جديدة تأخذه بعيدا قليلا عن اعتيادياته بصناعة الفرح، وتجديد العادات أو كسرها لعدة أيام.
فالعيد فرح ضمني ينتظره الإنسان؛ هكذا يمكننا أن نختصر أبجديات الأعياد في لهفة أرواحنا للفرح، وهكذا نعلّق أوقاتنا في انتظارها، وهكذا يكون لكل منا في الأعياد نصيب من الفرح يتباين من شخص لآخر غالبا. لأنه لا مقاسات جاهزة لفكرة السعادة ولحالة الفرح لأنها حالة لا تتعلق بالماديات ولا بالقوة والصحة وقرب الأحباب وغيرها من مسببات الفرح.
فالفرح فكرة خاصة جدا وداخلية جدا تنبع من النبع الروحي الداخلي لكل إنسان الذي بدوره يتفاوت من إنسان لآخر؛ فثمة من يفرح لأبسط الأسباب، وثمة من يعوزه الكثير منها ليفرح، وثمة من لا يعتوره شعور الفرح مهما كثرت مسببات الفرح التي بين يديه، أو تحصّل على ما يمكن أن يكون القليل منه محرضا لآخرين بفرح كثير.
ولكن وغالبا يظل العيد سببا وجيها للفرح، ومناسبة اجتماعية جيدة للحصول على شيء منه بسهولة وجاهزية مهما كان الإنسان محصنا ضده أو كان لوح روحه قاتما بحيث لا يستقبل محفزاته بسهولة ويسر، ربما لأن الفرح (غالبا) جمعي يحدث ضمن فكرة المشاركة، وهو معد أيضا فالروح تأنس بالفرح وتذهب في أسبابه إذا تقاربت معه أو كانت ضمن محيطه، ولعل ضحكة صادقة من القلب قادرة على بعث كل مسببات الضحك والفرح في نفوس كثيرة.
كما يمكننا اعتبار الفرح فعل مقاومة وجوديا لا يختلف عن الكثير من أشكال المقاومة الوجودية للاستمرار بشكل معتدل وطبيعي ومشاركة الآخرين هذه الحياة بمتعة على اعتبارها فرصة واحدة ومنحة طبيعية يجب الاحتفاء بها وعيشها بأفضل صورة ممكنة وبكل الأسباب المتاحة بل وخلق هذه الأسباب لو دعت الضرورة لذلك ومن تلك الأسباب الفرح الذي يمكن صناعة ممكناته أو تصيده والاحتفاء به والحياة ضمنه.
ولكن اقتران العيد بالفرح هو فعليا اقتران مشروط بطبيعة العيد ومسبباته وتلك التفاصيل الصغيرة والخاصة التي تختلف من عائلة لعائلة ومن مكان لآخر، فالفرح ثقافة تماما كالكثير من الأشياء ومنها الطبخ على سبيل المثال. حيث تختلف طريقة الطبخ من شخص لآخر، ومن عائلة لأخرى فثمة من يفضل البهارات الكثيرة، وثمة من يفضّل الطعام شبه نَيْء وغيرها من التفاصيل. وهكذا تماما يحدث الفرح عبر التفاصيل أيضا كالتجمعات وطريقة الأكل والملابس والضحك والكلام والقهوة والحلويات أو الزيارات والتنقل من بيت لبيت أو أية طريقة تدخل ضمن عادات الإنسان التي تتشكل عبر حياته الممتدة في الزمن، وأحيانا تكون متوارثة عبر حقب وأزمنة تنتقل من الأجداد للأحفاد، ويتشكل هو عبرها لاحقا ثقافة ووعيا واهتمامات.
وهكذا يكون الفرح عادة ضمن عادات أخرى فيقترن بالعيد ويتحقق عبر التفاصيل الصغيرة والكثيرة والخاصة من جماعة لجماعة ومن أسرة لأسرة ومن فرد لآخر.
فهل تحقق الاقتران بين العيد والفرح هذا العام لتنضح به الأرواح عبر تفاصيل العادات وبهجة الاجتماعات والجماعات ويصبح بذلك فعل مقاومة؟!
بالطبع لا، فهذا العيد جاء إلينا بائسا غريبا وحيدا، جاء والناس متفرقون في مدن مختلفة، ومحجورون في بيوتهم، ومحجوزون في خوفهم من عدو الإنسان والفرح والتفاصيل والبهجة والتجمع؛ هادم اللذات ومفرّق الجماعات، المرض والموت المتمثل في كوفيد ١٩.
هذا المتسلط الجبان الذي اقتحم حياتنا بخسَة، وتسلط عليها برعونة، وحاصر مفرداتها وتفاصيلها الدقيقة بقبح وبشاعة، ولم يترك لنا مساحة ولو بسيطة أو منفذا واحدا نتنفس خلاله بأمان وسلام.
ولم يترك بدا من اتخاذ أقصى الإجراءات الاحترازية بدءا من الغلق بين المحافظات الذي حجز كل منا في مدينته، وربما في بيته، حتى الحظر الليلي الذي ما هو إلا محاولة قاسية نوعا ما للحد من التجمعات، ليكون الليل الذي هو متنفس الأغلبية للخروج والزيارات حجرا وصمتا وحزنا في بيوت يتفاوت عدد ساكنيها بين بيت وآخر، وقد كانت القلة تأنس بالكثرة والأفراد يأنسون بالجماعات في العائلات الكبيرة ويستجيبون لداعي الفرح الطيب بين أهلهم وذويهم وأحبابهم فجاء كوفيد ليقضى على ذلك الأنس وتلك الفرحة بفجاجة وصلافة.
كوفيد الذي حاصر كل محتملات الفرح والتجمع والأنس هذا العام بدءا من أوقات الشتاء اللذيذة المفعمة بالبرد والعذوبة، فرمضان بأُنسه ولياليه الروحانية، فعيد الفطر بانفراجات الفرح بعد صيام مرهق وطويل، وها هو يبتلع آخر مواسمَ للفرح عيدَ الأضحى؛ لينقضي في تباعدات واغترابات وإغلاقات وحجر وحظر. هذا بعد أن قضى على أبسط الاعتيادات البهيجة والمؤنسة كالتسوق والمشي وجلسات المقاهي، وثرثرة اللقاءات الحميمة والصداقات الطيبة، وأجهز على حرية الإنسان وروحه ومقاومته الوجودية بضربة واحدة؛ ليجعل الإنسان الذي يعيش الحياة كفعل مقاومة وجودي مستمر لا يملك إلا أن يستسلم ويركن لذاته وبيته وهو يعدّ الأيام للخروج من هذا القمقم منتصرا على عدوه اللعين بلا ضرر ولا خسائر، محاولا الاستمرار بأفعال حياتية موازية كالمشي والقراءة وغيرها من مضادات العزلة واعتلال المزاج، مع قراءة دروس الطبيعة قراءة واعية والاستفادة من الأزمة بتعلم مهارات جديدة، وتنمية مهارات ضامرة، واستحداث عادات أخرى موازية للعادات التي غدت مستحيلة في ظل هذا الزائر الخبيث.
فإذ نخسر المقاومة بالفرح الجمعي هذا العام، فليس إلا المقاومة بالفرح الداخلي والفردي المنبثق من المحبة والجمال والمعرفة!