د. هدى الزدجالية: التاريخ مفتاح الشعوب لمعرفة ماضيها وإنجازاتها وتراثها وحضارتها

– كلما زادت قراءتي التاريخية كان التعلق أكبر بمعرفة الأحداث التاريخية

– أدعو لإعادة الصفة الاعتبارية لمادة التاريخ في مناهجنا الدراسية والاهتمام به كتخصص مستقبلي

حاورها – سعيد الهنداسي

أحبت التاريخ فكان خيارها الأول في دراستها الجامعية، وبعد التخرج بدأت حكايتها مع التاريخ تتطور من خلال إيصاله لطلبة العلم على طريقتها الخاصة في التشويق له وإبراز ما فيه من خصائص ومميزات بلا ملل ولا كلل لتستمر الحكاية وصولا إلى التأليف عنه والكتابة فيه من خلال مجموعة من الأبحاث والمقالات ثم كتابها عنه بعنوان (جوادر تحت السيادة العمانية 1913ـ 1958) ‪ الذي قال عنه الأستاذ الدكتور إبراهيم الزين صغيرون أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة السلطان قابوس سابقًا والمتخصص في الدراسات الإفريقية: إنه عمل علمي متميز يستحق الإشادة والتقدير من الباحثين وجمهور القراء المهتمين بتاريخ عمان الحديث
باختصار هي الدكتورة هدى بنت عبدالرحمن الزدجالية الحاصلة على شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر.
ومن خلال هذا اللقاء سنبحر معها في أعماق التاريخ ونتعرف على حكاية هذا العشق من البداية حتى الآن.

قناعة تامة

بدأت الدكتورة هدى الزدجالية حديثها عن اختيارها لدراسة التاريخ في المرحلة الجامعية مؤكدة عن قناعتها بقولها: لعل قراءاتي في العديد من كتب التاريخ كانت هي الدافع الأول للتعلق والشغف بمعرفة المزيد عن التاريخ عموما.
وتضيف الزدجالية: لقد تحقق هذا الهدف حينما قبلت في كلية التربية بتخصص التاريخ في جامعة السلطان قابوس حيث وجدت منهلًا علميًا خصبًا للارتواء منه من خلال ما توفر بالجامعة من مصادر ومراجع ووثائق ودوريات.

التاريخ متعة

وعن هذا العشق الذي تصفه بالممتع تقول الدكتورة هدى الزدجالية: كلما زادت قراءتي التاريخية كلما كان التعلق أكبر بمعرفة الأحداث التاريخية على مر العصور المختلفة فكانت البداية بالعصور القديمة وحب الاطلاع على المكتشفات واللقى الأثرية مع هوايتي في جمع المقتنيات الأثرية، مرورا بالتاريخ الإسلامي التليد، وانتهاء بالتاريخ الحديث والمعاصر، ولكن بحكم تخصصي في التاريخ الحديث فأنا أميل للكتابة عنه بشكل أكبر لأن المجال به أوسع وأرحب وما زال بحاجة إلى مزيد من سبر أغواره.

تدريس التاريخ

وتتحدث الدكتورة هدى الزدجالية عن طريقتها في تدريس التاريخ بالقول: إن تدريس مادة التاريخ صعب وشاق فمناهجنا مزدحمة بمعلومات شتى تتطلب من معلم المادة أن يكون خلاقا في اختيار أنسب الطرق لإيصال فكرته ومع الأسلوب القصصي والتاريخي والخيال والأحداث الجارية وغيرها استطعت أن أغير هذا المنحى، فصارت حصص التاريخ مشوقة خاصة مع تطبيقي لطريقة استحدثتها وأسميتها” التدريس بالتراث” التي تمخضت بعد عشرين عاما من تجربتي الشخصية في تدريس مادة التاريخ وقد نالت هذه الطريقة المركز الأول في مسابقة “بصمة” في مجال طرق التدريس المبتكرة على مستوى السلطنة.

أبرز التحديات

وتطرقت عاشقة التاريخ الدكتورة هدى الزدجالية إلى التحديات التي تواجه طلبة العلم اليوم في اختيارهم لمادة التاريخ بقولها: أبرز التحديات اليوم هو عدم إقبال الطلاب على اختيار مادة التاريخ في مدارسنا على اعتبار أنها ليست متطلبا أساسيا في اختيار تخصصاتهم المستقبلية من جهة وعدم وجود مجال لدراستها مع ضعف ثقافتهم التاريخية وقلة قراءاتهم في هذا التخصص وندرتها.

تاريخ صحار

وكون الدكتورة هدى الزدجالية من صحار وتأثير المكان التاريخي على صاحبه ممكنا بل وحتميا تحدثت عن عشقها لهذا المكان حين قالت: تعد ولاية صحار من المدن التي تتميز بعراقة تاريخها وتراثها على مر العصور فمن بيئتها المتنوعة ومن قلاعها وحصونها واستحكاماتها العسكرية استلهمت قصص شتى لكفاح أبنائها ضد المستعمرين ومن قدم تاريخها المرتبط بتجارة النحاس مع الحضارات القديمة أيقنت عظمة هذا الميناء وازدهاره أرض جمعت ديانات سماوية شتى لتعبر عن ذلك العمق التاريخي والتمازج والتسامح الديني والحضاري وأفتخر بأن مقترحي الذي تبناه النادي الثقافي للاحتفاء في الأول من سبتمبر القادم بأحد أبناء الولاية وهو الشاعر والأديب إبراهيم بن سالم بن خلفان وقصيدته المعروفه “بالرحلة الشميلية” التي تعد نموذجًا لأدب الرحلات العمانية الشعرية لما لها من أهمية ودلالات تاريخية.

رسالة الدكتوراه

بعدها أوجزت لنا الزدجالية رسالة الدكتوراه وموضوعها بقولها: تناولت رسالة الدكتوراه موضوع “العمانيون وأثرهم الثقافي والفكري في شرق إفريقيا 1870 ـ 1970م” أي منذ بداية عهد حكم السلطان برغش بن سعيد الذي شهدت منطقة شرق إفريقيا في عهده نهضة واسعة في مختلف نواحي الحياة الحضارية، والفكرية، والدينية، واللغوية، والسياسية، والاقتصادية، والعلمية، والثقافية، إلى عام 1970م الذي مثل نقطة تحولٍ مهمةٍ في تاريخ عُمان بقيام نهضة 23 يوليو 1970م بعد تولي السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- مقاليد الحكم في عُمان، وقيام نهضة عمانية شاملة اعتمدت بشكل كبير على تلك العناصر العُمانية مثلتها النخبة المثقفة العائدة من شرق إفريقيا ومساهمتها في بناء عُمان الحديثة في مختلف قطاعات الدولة.
وناقشت خلالها دور العمانيين في انتشار الإسلام واللغة العربية والثقافة، وأهم المؤسسات العلمية، والثقافية العمانية في شرق إفريقيا مع التطرق للصحافة العمانية هناك، ودور العمانيين في التصدي لحركة التنصير والاستعمار الأوروبي.

كتاب جوادر

وعن كتابها (جوادر تحت السيادة العمانية) قالت الدكتورة هدى: جاء ليلقي الضوء على تلك المدينة التي كانت وما زالت أحد الموانئ المهمة التي وقفت شاهد عيان على ذلك الدور العربي الرائد في مناطق آسيا، وإفريقيا لفترة ناهزت ما يربو على قرن ونصف من الزمان تركت خلالها بصماتٍ واضحةٍ إلى يومنا هذا في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعد السيادة العمانية عليها في الفترة الممتدة من 1792-1958م لتتحول من قرية صغيرة يسكنها صيادو الأسماك إلى جزء حيوي ومهم ضمن الإمبراطورية العمانية ولا يزال التواصل بين الاثنين حاضرا إلى اليوم.
وتم اختيار الكتاب في عام 2015م ضمن أفضل عشرين إصدارا من قبل اللجنة الوطنية للشباب في معرض مسقط الدولي للكتاب.

مفتاح الشعوب

وحول نظرتها للتاريخ ودراسته في المستقبل تؤكد الدكتورة هدى على أهميته بقولها: علم التاريخ هو مفتاح الشعوب لمعرفة ماضيها وإنجازاتها وتراثها وحضارتها وأحداثها كما أنه دليل على قدرة البشر على التعايش مع بيئتهم خلال العصور المتعاقبة. لم ولن يكون التاريخ صفحة تطوى فمنه نأخذ العبر والدروس لحياة أفضل ونتعلم منه تجارب الآخرين ومن خلاله نحفظ تراث أمتنا وعاداتها وتقاليدها وموروثها.
ولذا أدعو لإعادة الصفة الاعتبارية لمادة التاريخ في مناهجنا الدراسية أولا والاهتمام به كتخصص مستقبلي مهم للأجيال المتعاقبة فمن لا تاريخ له لا حاضر ولا مستقبل له.

تراثي هويتي

وتختم الدكتورة حديثها معنا حول مشروعها الذي تعكف عليه فتقول: إن مشروع “تراثي هويتي” قد بدأ منذ ست سنوات ماضية أحرص فيه من خلال مواقع التواصل الاجتماعي “توتير” على بث وعرض كل ما له علاقة بالتاريخ والتراث والحضارة والشخصيات والمعالم العمانية عبر العصور المختلفة لاطلاع مختلف الفئات على مآثر التاريخ العماني وبث رسالة مفادها أن عمان وشعبها ملحمة تاريخية قل أن تتكرر فلا تكاد أي بقعة من أرض عمان تخلو من معلم أو شخصية أو حدث أو أثر يحكي قصة هذه الأرض الطيبة. وقد تم عرض التجربة خلال ندوة “التعليم والتراث الثقافي من أجل التنمية المستدامة” التي نظمتها وزارة التربية والتعليم متمثلة في اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم في شهر ديسمبر المنصرم وما زال المشروع مستمرا في إثراء الساحة التاريخية بمكنونات التاريخ العماني في شتى المجالات.