نهب ممنهج للآثار السورية وجهود مكثفة لاستعادتها

دمشق -عُمان- بسام جميدة
احد العابرين الذين التقيتهم صدفة في احدى الأماكن بدمشق قبل أن يشد الرحال ويهاجر إلى إحدى البلاد الأوروبية نازحا من مدينته عفرين ويطلق على نفسه أبو خضر حدثني عن معاناتهم في الحصول على لقمة عيشهم هناك، وعن مايحدث من ممارسات من قبل الفصائل المسلحة التي تسيطر على المنطقة، وقال في معرض حديثه الذي يسرده بعفوية، “كنا نذهب للحفر في التلال القريبة ليلا بحثا عن الاثار، كما كانت تفعل عناصر تلك الفصائل المسلحة لعلنا نجد شيئا ونبيعه لبعض السماسرة الذين يأتون لشراء اللقى بأسعار مقبولة نوعا ما، وعندما يمسكوننا كنا نتحجج بأننا نشتغل في الفحم وندفع لهم غرامة وينصرفون”.
ربما تكون قصة عابرة لشخص عابر، ولكنها متكررة في أكثر من مكان ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة في سوريا، قرأنا الكثير منها وتابعنا ماحدث يومها في تدمرمن قبل ارهابيو داعش، وكيف قتلوا عالم الاثار خالد الاسعد الذ يطلق عليه لقب “حارس تدمر” وكيف دُمرت ونهبت الاثار في اهم مدينة تاريخية في العالم، ولم تسلم المتاحف ولا الاثار في بقية المدن مثل دير الزور وحمص وحماة والرقة والحسكة وريف دمشق وادلب وغيرها، حيث عاث الارهابيون واللصوص فسادا فيها.

خسائر كبيرة
ونظرا لما تجلبه تلك الاثار من عوائد مادية كثيرة لسارقيها، فقد كانت هناك حملة ممنهجة تستهدف هذا القطاع المهم لنقل بعض اللقى الاثرية لأماكن أخرى، ومحاولة طمس الحضارة لأغراض دنيئة.
وفي هذا الصدد، يقول محمود حمود مدير الآثار والمتاحف في سوريا: الآثار السورية تعرضت إلى كارثة كبيرة، نتيجة اعتداءات المجموعات الإرهابية المختلفة، وفي سوريا ما لا يقل عن 10 آلاف موقع أثري تعرض الكثير منها للدمار والنهب والتنقيبات غير الشرعية، والتلال الأثرية المنتشر في كل بقاع سوريا هي عبارة عن حضارات متعاقبة فوق بعضها البعض، وقد كانت عرضة للتنقيبات غير القانونية التي دمرت الحضارات السورية ونهبت محتواياتها وكنوزها.
ويضيف حمود: هناك ما لايقل عن مليون قطعة أثرية ذهبت خارج القطر عبر الحدود، خاصة التركية والفلسطينية المحتلة والأردنية، وهناك أبنية تاريخية تعرضت إلى دمار كبير كما في حلب القديمة والأسواق والمدينة القديمة في دير الزور، وفي كثير من المواقع الأخرى.
وتعتبر تركيا الممر الآمن للآثار المسروقة، ومنها تمر إلى دول أوروبية عديدة، وتحاول الحكومة السورية عبر التعاون مع المنظمات الدولية والانتربول ملاحقة تلك المسروقات الموثقة، وتفيد المعلومات الواردة من مديرية الاثار انه تم استعادة اكثر من 21 ألف قطعة اثرية، وإيقاف بيع بعضها في الأسواق العالمية، بل ومحاولة ملاحقة السارقين الذين يتم التعرف على بعضهم من خلال وسائل التواصل وغيرها من الطرق.

تقرير واثبات
الأكاديمي السوري شيخموس أصدر تقريرا عن مؤسسة جيردا هنكل الألمانية وجمعية حماية الآثار السورية في فرنسا عن أحوال المتاحف الأثرية في سوريا، بين عامي 2011 و2020، وثق فيه الأضرار الفادحة التي تعرض لها التراث المادي السوري والمؤسسات والمتاحف التي يفترض أن تحافظ على هذا التراث.
ويرصد التقرير تعرض 29 متحفاً ودار عبادة لأضرار مختلفة بسبب الحرب، ورصد سرقة ونهب 40635 قطعة أثرية من المتاحف والمستودعات ودور العبادة منذ عام 2011 ولم يتم الأخذ بعين الاعتبار 10 من المتاحف ودور العبادة التي تعرضت للنهب لكن لم يعرف عدد القطع المنهوبة منها.
ولا يشمل هذا الرقم كذلك آلاف القطع غير المسجلة في قوائم ودفاتر 19 متحفا تعرضت لعميات نهب وسرقات، كما لا يشمل عشرات الآلاف من القطع التي نهبت من المواقع الاثرية السورية خلال عمليات الحفر العشوائي منذ 2011، في مناطق مثل أفاميا، دورا أوروبوس، تدمر، إيبلا وغيرها.
ويحتوي متحف تدمر 12 ألف قطعة أثرية ويفيد التقرير بأن 3450 قطعة أثرية تعرضت للنهب.
ويضم “المتحف الأركيولوجي” بإدلب مجموعات فنية مهمة تمتد إلى مرحلة ما قبل التاريخ والفترة العثمانية وتعرض للقصف والنهب وكان يضم 15 ألف قطعة فنية تعرضت منها 5844 قطة أركيولوجية للنهب.
ويضم متحف معرض النعمان، أهم مجموعة من الفسيفساء في الشرق الأدنى، ويقع في خان مراد باشا (الذي يعود تاريخه إلى القرن 16) تعرض لدمار هائل ونهب.

إخفاء الدليل
يقول تقرير دولي صادر عن اليونسكو أعده سمويل هاردي، ان أغلبية الآثار المنهوبة لم تتمّ إعادتها إلى سوريا منذ سنة 2011. ويعود السبب، دون شك، إلى الصعوبة التقنية في إسناد أصل قطعة أثرية إلى دولة حديثة بمجرد الإعتماد على الطراز القديم لتلك القطعة. كما يعود السبب أيضا إلى لجوء الناهبين، والمهربين، والتجار وجامعي التحف الأثرّية إلى المحو المتعمّد للأدّلة العلمية والقانونية التي تسمح بإسناد القطع إلى بلدها الأصلي. وهناك صعوبة أخرى ذات الصبغة القانونية مرتبطة بعدم الاعتراف، على الصعيد الدولي، بالسلطات التي ليست دولا بالمعنى الكامل، أو الاستغلال السياسي للدبلوماسية الثقافية.