نوافذ : تجربة «الحظر» ومنع الحركة

عــاصـم الشـــيدي :
assemcom@hotmail.com –

هذه أول مرة منذ سبعينات القرن الماضي تعيش السلطنة تجربة «منع الحركة» وفق المصطلح الذي ورد في قرار اللجنة العليا، أو «حظر التجول» وفق المصطلح الذي به نستطيع تقريب الفكرة محليا وعالميا. ولا أجد فرقا عمليا بين المصطلحين: فالأول يستخدم الآن في حالة الطوارئ الصحية والثاني يستخدم في دول العالم في حالة الطوارئ الأمنية والعسكرية والنتيجة لا أحد «يتجول» في الشوارع وفي الأماكن العامة أبدا مع غلق عام لجميع المحلات التجارية والمرافق العامة والخاصة. وليس بين المصطلحين أي خلاف يستحق أن نقف معه، رغم أني تمنيت لو استخدم المصطلح الثاني لأن في دلالته وقعا أكبر على النفوس من خلال ما يسمعه الناس في نشرات الأخبار وما رسخ منه في الأذهان، ويمكن أن تكون لتلك الدلالة تأثير أكبر يجعل البعض من المستهترين يشعرون بعظم الخطر الذي يحيط بنا في هذا المفترق التاريخي الذي تعيشه البشرية.
لم نعش بفضل الله وحكمة القيادة العمانية منذ بدء سبعينات القرن الماضي حالات تستدعي حظرا للتجول أو منعا للحركة، وفي هذا فضل وخير كبير، وعاش الناس خمسة عقود كاملة في حرية، وربما هذه البحبوحة في العيش جعلتنا لا نشعر بالدلالة الحقيقية للمصطلحات عندما تحين لحظة حقيقتها. فلم نعرف ماذا يعني «وباء» وما النتائج التي يمكن أن يعكسها علينا كأفراد وكمؤسسات وكدولة لأننا لم نعش مرحلة أوبئة حتى تلك التي عرفها أجدادنا، ولذلك ما زلنا نستسهل الخطر، ولا نأخذ الإرشادات التي تبثها وسائل الإعلام على محملها الحقيقي. وهناك فرق كبير جدا بين تعامل الدولة مع الوباء وتعاملنا معه كأفراد.
وهنا أستذكر ما حدث قبل أيام من إعصار «جونو» في عام 2007، فالناس لم تعش من قبل تجربة الإعصار، وفي الحقيقة حتى مؤسساتنا لم تعش تلك التجربة، ولذلك أثر الإعصار علينا تأثيرا بالغا، لكن بعد ذلك اكتسبنا الكثير من الخبرة سواء على المستوى الفردي أو على مستوى المؤسسات وصار تعاملنا مع الأعاصير مختلفا فاختلفت التأثيرات الناتجة.
هذه المقاربة لا تعني أن علينا أن ننتظر جائحة مرضية أخرى حتى نستطيع أن نتخطاها بأقل الخسائر. فإذا كان الأعصار يمر في يومين فإن الوباء يحتاج أشهرا طويلة وربما سنوات.. وفي الحقيقة مؤسسات الدولة تعاملت مع الأمر بخبرة كبيرة، وطبقت بروتوكولات عالمية معدة مسبقا للتعامل مع الأوبئة الخطرة وكيفتها مع الحالة المحلية سواء على المستوى الاقتصادي أو مستوى الإمكانيات الصحية المتوفرة، لكنا على مستوى الأفراد ما زلنا نتعامل مع الأمر بكثير من التساهل الذي لا يليق والمرحلة الذي وصل إليها الوباء من الخطورة. الكثير من الناس يتعاملون مع الوباء باستهتار حتى يفقدوا عزيزا أو قريبا وفي تلك اللحظة الفارقة من المأساة الإنسانية ينتبهوا ويشعروا أن ما يحيط بهم أخطر بكثير مما يعتقدوا. ولكن على ننتظر حتى تفقد كل عائلة عمانية عزيزا عليها لنستفيق، ونعرف الدلالة الحقيقية لكلمة «وباء».
هذا الأمر وهذا الاستسهال دفع الدولة إلى التجربة الجديدة التي لم نعتدها ولم نعشها وهي تجربة «الحظر العام» وإعادة غلق المحافظات عن بعضها البعض على أمل بقاء الناس في منازلهم وتباعدهم الاجتماعي والجسدي. وفي هذا ما فيه من تقييد للحريات ولكن لا شيء يعادل الصحة حتى لو فرض أمرها بقوة الدولة.
لا نملك إلا أن ندعو الله أن تؤتي هذه الخطوة ثمارها، وتتراجع الإصابات وندخل مرحلة التعافي حتى نستطيع «التعايش» مع الوباء، ومع المرحلة الجديدة من الحياة التي بدأت ملامحها في التشكل.