شخصية باسمة

عادل محمود
كان يقول، مبالغاً، بقصد التوضيح والتعظيم: “الإعلام جنسية وليس مهنة”. وفي الصحافة هناك مرتبة واحدة هي “صحفي”. أما رئيس تحرير، ومدير تحرير، ومديرعام ، فهي مناصب عمل مهني بوظائف محددة…. ويظل لقبهم: “صحفي”.
استلم “أبوعمر” مناصب عديدة ، من سكرتير تحرير جريدة ، إلى مديرعام الإذاعة والتلفزيون في سورية. وبسبب ترهل المؤسسات كان عدد العاملين يتجاوز الخمسة آلاف، في مبنى يتسع لألفين، ومن أجل وظائف لا تحتاج أكثر من خمسمائة.
(كادرتلفزيون الجزيرة أقل من ذلك بكثير)وكان الدفاع عن هذا الترهل هو نغمة “البطالة المقنّعة”. أي: وصف وهمي لسوق العمل يغطي الحاجة إلى التوظيف.
الذي فعله “أبو عمر” هو تدوير الوظائف، منعاً للحاجة إلى أي اختصاص ، وهمي أو حقيقي ، يقتضي المزيد من التوظيف. واستفاد من نجاحات المواهب في اختصاصات مثل الإخراج والمونتاج والإعداد والبرامج والمسلسلات… إلخ.
لكن الإعلام ليس هذا وحسب. إنه التوازن بين الدعاية والحقيقة، إنه ممحاة للحدث أو إضاءة على الواقعة. والإعلام يعكس سياسة وعقيدة وبرامج البلد. الإعلام الملتزم ، إعلام الدولة، غالباً ما يكون متشدداً وتشترك في قيادته والتحكم فيه أجهزة رقابة متعددة المستويات.
ذات يوم انعقدت جلسة لمجلس الشعب لمناقشة الإعلام، وقد صب الأعضاء المياه غير النظيفة بغزارة على الإذاعة والتلفزيون ، بشكل خاص. وبعض الأعضاء بالغ في النقد وتفلسف قائلاً: لماذا لا يكون التلفزيون مثل هيئة الإذاعة البريطانية ال ب.ب.سي؟
دافع عن نفسه أبوعمر، وهو يبتسم: “عندما تصبحون مثل مجلس اللوردات البريطاني … نكون نحن مثل ال ب.ب.سي”.
أراد أبوعمر أن يؤسس في بيته نوعاً عمليا من ثقافة الوحدة الوطنية، فسمّى أولاده: عمر، علي، معاوية. وعندما جاء عثمان مات قبل أن يبلغ سن الفتنة.
في الحرب التي دارت في سورية عشر سنوات اشتبكت الأسماء والتواريخ والأسلحة والأسباب والنتائج… ودمّر القصف بيت أبو عمروبيوت أبنائه الراشدين، وما زال ، بابتسامته العذبة ، مصرّاً على إخماد الحروب بتعايش الأضداد وتجاور الأسماء في أسرة واحدة تمهيداً وتأسيساً لوطن واحد