طبيعة الإنسان لا تهدأ إلا بسكينة الإيمان (1- 5)

اختيارات من كتاب: مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة: 

بما أن الإنسان كائن اجتماعي يشترك مع بني جنسه – في الأخذ والرد والعطاء والمنع – قد تطغى عليه الآثار السلبية للنزعات الاستبدادية التي تهيجها في نفسه قوى الشر الثائر بتأثير الشهوات والرغبات، أو بتأجيج النزعات والنزغات حتى ينسى عهد الله أو يكاد فلا يبالي بحقوق الله أو حقوق عباده إلا أنه مع إيمانه الحق باليوم الآخر- بجانب إيمانه بالله – يدكر فينثني من غيّه إلى رشده، ومن عماه إلى بصيرته؛ فيكبح نوازع الشر ودوافع السوء المحركة له إلى الشر والإجرام، ويعود إلى الفطرة السوية التي فطره الله عليها حياء من الله، وخشية من سوء المصير عندما ينقلب إليه.
وهذا لأن الإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالمنقلب إلى الله ومجازاة النفس على ما قدمت وأخرت، وجنيها ثمار غرسها في الدنيا خيرا كان أو شرا، كما قال تعالى: «ومن جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون، ومن جاء بالسيئة فكبّت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون».
وقال سبحانه: «ليس بأمانيّكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا»، فهو بالطبع باعث على الإشفاق والوجل من سوء المصير فيتعزز بذلك ما يثمره إيمانه بالله من مراعاته لحق الله واستحيائه أن يعصيه وهو الذي أوجده من العدم، وأغدق عليه فيوض كرمه وسيوب نعمه إذ يتوجس بهذا الإيمان خيفة منه تعالى أن يجد منه الجزاء الأوفى على ما يقدم عليه من سوء وما يأتيه من شر مع يقينه بأنه محاسب ومجزي بكل إقدام أو إحجام منه وعليم بكل ما توسوس به النفس أو يجيش به الخاطر وبجانب ذلك هناك رقباء لا يلهون ولا يغفلون يسجلون كل خفي وجلي من حركاته أو سكناته أو وساوس نفسه وخواطر ضميره، «ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد».
فلا يلبث – عندما يوحي إليه إيمانه بالله واليوم الآخر بهذه الحقائق ويذكره بما كان عنه منها في غفلة – أن يتراجع، ويسرع خطاه إلى ربه تائبا منيبا وتتجدد في نفسه عزائم الخير القاهرة لنوازع السوء الماحية لبواعث الشر حتى يظل في أحواله أواها أوابا يروق له الخير وإن شق عليه ويشفق من الشر وإن زينه له شيطانه.
أما الذي حرم نعمة هذا الإيمان فإنه محروم من هذا الخير كله فهو أسير هوى نفسه الأمارة بالسوء ينقاد للشيطان الذي يأمره بالفحشاء والمنكر ويغريه بانتهاك حرمات الله تعالى وعدم المبالاة بحقوق عباده، ولو كانوا أقرب قرابته، وأكثر الناس نصحا له وبرا به، ولأجل هذا كان الإيمان بالله واليوم الآخر هما مناط الاستقامة على سواء الصراط وبنورهما يستضاء ويستبصر في مسالك الحياة فتؤدى بسببهما الحقوق وتلتزم لأجلهما الواجبات وهذا واضح جلي لكل من استبصر بضياء القرآن ونور السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.