كيف نحمي بيئتنا من الأنواع الغازية؟

خطأ واحد في استيراد “نوع غازي” قد يؤدي لانهيار النظام البيئي
أربع مراحل يجب التدخل خلالها لضبط التوازن الطبيعي
عدم استيراد أي أنواع حية إلا بعد التأكد علميًا أنها ليست “غازية” لهذه الأسباب..
النظام البيئي في مناطق “الخريف” يتجه نحو التصحر
تكلفة باهظة لمكافحة شجرة المسكيت وطائر المينا الهندي
نبتة البارثنيوم تجتاح الكساء الأخضر في ظفار
مرحلة الانتشار تعني ضراوة التنافس والتخريب
نقصان أعداد النمر العربي والغزلان
7% معدل الانحدار السنوي في غابات جبال القرى
طرق الوقاية: فحص السفن تحديث قوانين استيراد الكائنات الحية اعتماد القوائم الدولية لمنع دخول الأنواع الغازية وضع اشتراطات لدخول الكائنات الحية
كتب – عبدالله بن سيف الخايفي
خطأ واحد في استيراد “كائن غازي” قد يؤدي لانهيار نظام بيئي وقد تصل تكلفة مكافحته الملايين بعد استيطانه واستفحال سيطرته على المحيط الحيوي بينما يمكن التدخل مبكرًا للقضاء على الأنواع الغازية في مرحلة الوقاية قبل استيطانها وانتشارها وسيطرتها. الحلقة الأولى من تحقيق “عمان” حول الأنواع الغازية (الكائنات الحية التي تقتحم أنظمة بيئية جديدة وتؤدي إلى تخريبها) تناولت ثلاثة أنواع من الطيور الغازية إلى السلطنة وتطرقت إلى خطر انتشار طائر المينا الذي استوطن البلاد كما أدى إلى انتشار الجراد في غياب التوازن الطبيعي.
حلقة اليوم تبحث في مراحل الغزو وطرق دخول هذه الأنواع الغازية إلى بيئتنا المحلية وعلاقتها بالإنسان وتدخلاته، كما تتطرق إلى أخطر الممارسات المؤذية للنظام البيئي وتقترح الطرق الواجب اتباعها للتعامل مع الطيور والنباتات الغازية لإعادة التوان للنظام البيئي.
الأنواع الغازية في رأس القائمة
تتربع الأنواع الغازية على رأس أهم خمسة مخاطر تهدد التنوع الحيوي (biodiversity) في العالم، والمتمثلة فيه (الأنواع الغازية والتغير المناخي وتغير الموائل (habitat change) والتلوث الغذائي والاستغلال المفرط (overexploitation) مثل الصيد الجائر والرعي الجائر والاستغلال المفرط لأراضي الغابات من قبل الإنسان سواء بالسكن أو الزراعة أو غير ذلك.
ويشرح الباحث في علوم البيئة محمد بن مبارك بن سهيل عكعاك سبب تصنيف بعض الطيور بالغازية فيقول: “إن هذا النوع يسبب الأذى للنظام البيئي من خلال الصفات التنافسية القوية التي يمتلكها ولكن ليس شرطًا أن تكون كل الطيور غازية فالكثير منها من خارج النظام البيئي ولا تسبب ضررًا بل تساهم بعضها في التنوع الحيوي مثل الطيور المهاجرة. وأوضح أن الغازية تنافس الأنواع المستوطنة على الغذاء والأعشاش (الموائل) فتحتل مواقع عيشها، كما يحمل الكثير من الأنواع الغازية العدوانية بالهجوم على أعشاش الطيور وأكل البيوض وتدميرها، وهذا يساهم في خفض أعداد الطيور المستوطنة وفي الوقت نفسه يزيد أعداد الطيور الغازية خاصة عندما تصل إلى المرحلة الأخيرة من مرحلة استقرار الطائر الغريب الغازي.
الزحف السكاني
وأعتبر عكعاك أن الإنسان هو أخطر كائن حي على البيئة فالزحف السكاني الذي يحدثه باتجاه الغابات يقضي على الكثير من الأنظمة البيئية في العالم بسرعة هائلة، والتي قد تحتاج لآلاف السنوات من أجل أن تتشكل، مشيرًا إلى أن هذا يحدث في السلطنة أيضا ففي ولاية صلالة مثلا يتجه الزحف السكاني نحو الجبل والذي يؤدي إلى اقتراب الكائنات الغازية كثيرًا للغابات، لافتًا إلى مخاطر زيادة زحف السياح المتنامي كل عام إلى الجبال الأمر الذي ينتهك المنطقة المتأثرة بالخريف بشكل كلي.
وقال: إن الممارسات البشرية هي الخطر الدائم على البيئة مؤكدًا أن الصيد الجائر وقطع الأشجار والزحف السكاني تمثل تدميرًا للأنظمة البيئة وتدميرًا للموائل التي تحمي الكائنات الحية لافتًا إلى تنامي عدد السكان حيث يتوقع أن يكون عدد السكان العمانيين بين (5 و7) ملايين نسمة في 2040 بمعدل نمو سنوي بين (3.5% و5%) (وهذا سيضاعف الضغط على كساء الأنظمة البيئة خاصة في محافظة ظفار والتي سيصل عدد العمانيين فيها في 2040 بين (300 ألف و500 ألف) أعمارهم أقل من 65 عاما، علمًا أن عدد السكان العمانيين حاليا في ظفار يصل إلى (220 ألفًا)، وهذا سيشكل ضغطًا كبيرًا جدًا على اقتطاع أراضٍ سكنية جديدة باتجاه الجبل.
خطأ بشري
واعتبر خبير علوم البيئة محمد عكعاك أن خطوة استيراد الأنواع الغازية أحد الأخطاء التاريخية للإنسان منذ أن بدأ باستكشاف العالم الجديد، وقال: في محافظة ظفار على سبيل المثال توجد عدة أنظمة بيئية لا يمكن لها أن تتأقلم معًا، فمثلا النباتات التي تعيش في الجبل يجب أن تظل مكانها والتي تعيش في النجد يجب أن لا يتم خلطها مع نباتات الجبل، فالبنية والقدرة التنافسية والتحمل تختلف لكل نبات حسب نظامه البيئي، فكيف بالأنواع القادمة من خارج البلد. تكاليف باهظة ونوه إلى أن أغلب النباتات والطيور المستوردة ليست غازية إلا أن الخطأ الواحد قد يكلّف النظام البيئي الكثير من الخسائر قد تصل إلى انهياره تماما، وقد تكلف الدولة مبالغ باهظة في مكافحة تلك الأنواع الغازية مثل شجرة المسكيت والمينا الهندي، لذلك يجب أن يكون هناك وعي من الجميع بعدم استيراد أي أنواع حية إلا بعد التأكد علميًا (من الجهات العلمية المختصة) أنها لا يمكن أن تكون أنواعًا غازية.
كيف نتصرف؟
ويرى عكعاك أنه لم يعد مجديًا الآن الحديث عن كيفية دخول الأنواع الغازية ولكن الأجدر أن نتحدث عن كيفية تصرف الجهات المسؤولة بعد التعرف على وجودها في النظم البيئية (Ecosystem). وقال: استنادًا إلى بعض الدراسات فقط صنفت مراحل الدخول الكائن الغازي إلى أربعة مراحل ويجب أن يكون هناك تصرف حكومي في كل منها. فأولى مراحل الغزو هي الإدخال أو النقل وفيها يتم إدخال الكائن الغازي إلى النظام البيئي بأي وسيلة كانت، وتمتد هذه الفترة إلى سنوات قبل أن يظهر هناك تأثير حقيقي للكائن الغازي.
وأوضح: يجب تدخل الجهات المختصة في (مرحلة الوقاية) والتي قد تطلب فحص السفن والتشديد على تحديث القوانين المتعلقة باستيراد الكائنات الحية، وإنشاء قوائم تعتمد على القوائم الدولية تمنع دخول الكائنات الغازية بأي وسيلة كانت، كما يستلزم وضع اشتراطات لدخول الكائنات الحية التي لم يعرف إذا كانت غازية أو لا. ويأتي التأسيس وإنشاء المجموعات للأنواع في الموقع الجديد في المرحلة الثانية من مراحل الغزو وذلك باحتلال موائل جديد والسيطرة عليها.
وقال عكعاك: هذه مرحلة صعبة للكائن الغازي فقد يواجه تنافسا من الأنواع الأخرى الموجودة في نفس الموقع وذات أعداد أكبر وتعتبر مناسبة جدًا للتدخل والقضاء عليه، حيث تنطلق بالتوازي مرحلة الدفاع الثانية (مرحلة الكشف المبكر والاستجابة السريعة والاستئصال من الجهات المختصة).
وأكد على ضرورة أن تتعرف الجهات المختصة على البعد البيئي (Ecological Niches)) للكائن الغازي وهذا يمكن من مكافحته ومراقبة أعداده خاصة في المرحلة التأسيسية التي ما زال فيها ضعيفًا وغير سائد، وأعداده ما زالت قليلة، وإذا لم تنجح هذه المرحلة بنسبة 100% فأنها تخفف من عدد الكائن الغازي وتؤخر مرحلة تكاثره حتى يتم القضاء عليه تمامًا.
وتختص المرحلة الثالثة بتبني وطن جديد أو التوطين أو الاستقرار وتبدأ بالتكاثر والنمو والسيطرة على موائل جديدة آمنة. وفيها كما يقول خبير علوم البيئة: تكتسب الأنواع الغازية الشجاعة أكبر بينما يسيطر الخوف والحذر على الأنواع الأخرى وتبدأ بخسارة موائلها تدريجيًا بسبب الهجمات المتكررة وقد يدفع ذلك ببعض الأنواع من الطيور إلى الانقراض.
وتعتبر مرحلة الدفاع الثالثة مرحلة التحكم وإبطاء انتشار الكائن الغازي وذلك من خلال مواصلة مراقبته ومكافحته حيث تكون الاستجابة السريعة أحد أهم العوامل الناجحة، والتعامل مع الموائل الجديدة التي يغزوها النوع الغازي والتوسع الجغرافي الطبيعي للكائن الجديد، وتشجيع المجتمع على مكافحته خاصة من المجموعات المتطوعة والهواة المهتمين بالعمل البيئي.
أما المرحلة الرابعة من مراحل الغزو فيكون فيها الانتشار بعد التكاثر والاستقرار فيحدث التوسع الطبيعي للنوع الجديد وتبدأ تغزو الموائل المجاورة تدريجيًا وهي ما أطلق عليها عكعاك بمرحلة التخريب الحقيقية للنظام البيئي، فينتشر الغازي في كل الأماكن الممكنة ويرتفع مستوى التنافس لدى الأنواع الأخرى إلى درجة انقراضها من النظام البيئي.
تكاليف باهظة
وأكد عكعاك أنه إذا تعاملت الجهات المختصة بشكل مستمر منذ بداية ظهور الكائن الغازي ستتأخر كثيرا هذه المرحلة وربما لا تأتي أو ستأتي بتأثيرات بسيطة ولكن ذلك يتطلب جهود مادية ومجتمعية وحكومية معًا وبشكل مستمــر وموسميًا خاصة قبل موسم تكاثره، وعندما يصل إلى الكائن الغازي تشتغل مرحلة الدفاع الرابعة والمتمثلة في التكيف البشري (تغيير السلوك، تحمل التكاليف) أو ترميم النظام البيئي وقد تكون التكاليف بمئات المليارات كما في أمريكا وأوروبا والدول الزراعية أو الأنظمة البيئة بأكملها في الدول الأخرى ولو بعد حين.
نبتة البارثنيوم تجتاح الكساء الأخضر
محمد عكعاك نبه أيضًا إلى نبتة البارثنيوم “Parthenium hysterophorus الغازية للكساء الخضري في محافظة ظفار وقال: إنها “واحدة من اشرس الأعشاب الجائحة التي تهدد الأعشاب المحلية. وأوضح أن عددا من الدراسات أثبتت تواجد هذه النبتة في المحافظة منذ 1998، والتي تنتشر بهدوء شديد على جانب الطرقات، مما يساعدها على الانتشار أكثــر بفضل تصريف المياه ونقل بذورها إلى أماكن أخرى. وأضاف: بعد عدد من دورات حياة هذه النبتة تبدأ بالاجتياح للمراعي، وتصل بذورها إلى 15 ألف بذرة وفي النبتة الكبيرة يصل إلى مائة ألف بذرة، بينما يصل عدد بذور هذه النبتة في الهكتار الواحد (عشرة آلاف متر مربع ) إلى 340 مليون بذرة في حين أن النباتات المستوطنة تصـل إلى 120 ألف بذرة فقط.
وأشار إلى أن نبتة البارثنيوم الغازية القدرة الفائقة على النمو بسرعة أكثر من النباتات الأخرى، وتكمل دورة حياتها في أربعة أسابيع، ويصل طولها إلى مترين، وبذلك فهي تغطي على الأعشاب الصغيرة مما يقلل من نموها وعدم قدرتها على إكمال دورة حياتها وهذا يؤدي إلى اختفاء الشجيرات المحلية تدريجيًا.
ودعا عكعاك إلى تدخل الجهات المعنية والمجتمع المحلي بإزالتها في وقت الإزهار قبل تكوين البذور، لافتًا إلى أن لهذه النبتة مضار أخرى للإنسان والحيوان فهي تسبب الحساسية ولا تأكلها الحيوانات.
نظام بيئي هش
واعتبر محمد عكعاك الباحث في علوم البيئة النظام البيئي في محافظة ظفار هشًا للغاية ولا يملك العمق الكافي الذي يوفر له المرونة بمعنى أنه لا يستطيع أن يستعيد عافيته من جديد بأسرع وقت ممكن بعد حدوث أي خلل عليه، فأبعد نقطة عن الساحل من المنطقة المتأثرة بالخريف تصل إلى 33كم فقط، والشريط الغربي من ظفار تتراوح بين 3كم و10 كم فقط من الساحل إلى أبعد نقطة متأثرة بالخريف باتجاه الشمال. وأضاف: كما أن النظام البيئي المتأثر بالخريف في محافظة ظفار في الأصل هو في مراحل التصحر المتقدمة ولا يتحمل التطور الطبيعي الذي يحدث له الآن وهو مقبل على الانقراض بشكل تدريجي، فقد ذكرت عدد من الدراسات أن معدل الانحدار السنوي في الغابات الموجودة في جبال القرى يصل إلى 7%.
التغير المناخي
وأوضح أن النظام البيئي في المنطقة المتأثرة بالخريف في محافظة ظفار كان أصلًا في مرحلة الانحدار المستمرة، ثم تأثر بالتغير المناخي وذلك بسبب تكرار الأمطار الغزيرة وانجراف التربة والأعاصير والجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة، ثم الكائنات الغازية المتمثلة بطائر المينا وشجرة المسكيت “الغاف البحري”، ثم فقدان الموائل المتمثل بالزحف السكاني أو التنافس الذي تحدثه الكائنات الغازية، والاستغلال المفرط الذي أدى إلى نقصان أعداد النمر العربي والغزلان أو قطع الأشجار وحاليًا الرعي الجائر لآلاف من الماشية التي لا تعطي الكساء الخضري الفرصة الكاملة للنمو.