المأزق الفلسطيني في مواجهة قرار الضم الإسرائيلي

د.صلاح أبونار –

في السابع عشر من مايو أعلن نتانياهو فى بيان حكومته أمام الكنيست، أن «فصلا مجيدا في تاريخ الصهيونية» على وشك أن يبدأ في الأول من يوليو، مع انطلاق تنفيذ قرار ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة وفقا لصفقة القرن. وفي اجتماع لاحق مع نواب حزبه تحدث عن الصفقة بوصفها «الحلم التاريخي للشعب اليهودي»، ساخراً من سياسي أمريكي اعترض على ما تقدمه الصفقة للفلسطينيين: «قل لي يا بيبي هذه ليست دولة فلسطينية، فقلت له: لا بأس فلتسمها ما تشاء».
على امتداد سنوات الاحتلال الإسرائيلي، وصل عدد المستوطنين وفقا لبيانات إسرائيل الرسمية في نهاية 2017، إلى 622,670 مستوطنا منهم 413,400 يقيمون في مستوطنات الضفة، و209,270 في القدس الشرقية ومجاوراتها. استهدف الضم مد نطاق السيادة الإسرائيلية إلى المستوطنات ونطاقها الجغرافي، وهو ما يعني أن تصبح خاضعة لقوانين إسرائيل مثل كل أجزاء إسرائيل، وبالتالي تخضع لقوانينها بوصفها دولة وليس كسلطة احتلال كما تنظر إليها كل دول العالم ومنظماته الدولية. ولكن ماهو الجديد هنا؟
كانت المستوطنات بمعزل عن التكييف الفقهي خاضعة فعليا لهذه السيادة، ويأتي القرار لكي يمنح خضوعها وجهه القانوني الصوري لكن هدفه الحقيقي لن نجده في تلك الصورية القانونية. بل في إخراج المستوطنات من دائرة أي تفاوض مستقبلي مع الفلسطينيين وإطلاق حرية حركة الاستيطان. بوضع المستوطنات داخل دائرة السيادة تفقد صفة الأرض المحتلة وتصبح جزءًا من أرض إسرائيل، وبالتالي لا يصبح من حق المفاوض الإسرائيلي التفاوض على عودتها للفلسطينيين. وبوضع المستوطنات داخل ذات الدائرة يصبح قرار التوطن في الأراضي الملحقة، مثل قرار التوطن داخل إسرائيل لا تنظمه سوى رغبات الساكن أو المالك وقدراته والقوانين الحاكمة للسكن أو البناء، ويخرج من اختصاص سلطة الجيش ورئيس الجمهورية كما هو وضعه الراهن، لينطلق حراً من أي قيود داخلية أو التزامات دولية.
جاء رد الفعل الأمريكي تجاه القرار مرتبكا. على مدى ثلاثة أيام متواصلة دارت مشاورات في البيت الأبيض، شارك فيها كوشنر ومستشار الأمن القومى ومندوب أمريكا الدائم في الأمم المتحدة والمبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، وفشلت في الاتفاق على موقف من القرار. وفقا لصحيفة تايمز أوف إسرائيل لم يكن الخلاف حول مضمونه، بل نبع من عوامل أخرى. مدى الملاءمة السياسية لتوقيت بدء الضم، والحاجة للمزيد من المسح الميداني وتحديد الخرائط، والتخوف من ردود الفعل السلبية لدى حلفاء عرب، والخوف من رد فعل شعبي فلسطيني واسع وعنيف، وتفضيل ضم تدريجي تفاديا لردود الفعل العنيفة.
هل كان لهذا الخلاف تأثيره على التعديلات التالية التي أدخلها نتانياهو على قراره؟
من المؤكد أن هناك خلافات مشابهة شهدها الداخل الإسرائيلي، دفعت مع الخلاف الأمريكي صوب التعديلات. حددت الصيغة الأولى للقرار ضم 30% من مساحة الضفة، أي ذات النسبة التي خصصتها خطة ترامب لإسرائيل وتشمل كل الكتل الاستيطانية ووادي الأردن، مع وجود قرارات ضم أخرى أصغر نطاقا ستكون فيما بعد محلا للنظر والتقدير. ولكن قوة المعارضة التي واجهها دفعت نتنياهو لتعديل قراره. ويمكننا تبعا لما أوردته الصحيفة السابقة في 26 يونيو نقلا عن مسؤولين إسرائيليين رصد تراجعين. يتعلق الأول بضم وادي الأردن، حيث ذكرت مصادر نقلا عن وزير الخارجية أنه لن يُضَم، بأسلوب يفيد كونه تخليا نهائيا وليس مجرد تأجيل. ويبدو الأمر غريبا لأن الوادي مزدحم بالمستوطنات، ولأن إسرائيل صدعت رؤسنا بأهميته الأمنية لها. وهكذا سنجد مصادر أخرى تذكر أنه سيتم ضم مستوطناته وعددها 132 في مرحلة تالية، فكيف يمكن ضمها دونما الوادي نفسه؟
ويتعلق الثاني بالاكتفاء في المرحلة الراهنة بضم أكبر ثلاث كتل استيطانية، وهي «معالية أدوميم» شرق القدس و«أريئيل» في محافظة سلفيت و«عصبيون» جنوب غرب نابلس، على أن تُضم البقية في مرحلة تالية.
جاءت المعارضة الدولية لقرار نتانياهو قوية وعامة وواضحة، لكنها تمتلك صلابة الموقف دون صلابة وخطط الفعل السياسي. في 26 يونيو وقع 191 نائبا ديمقراطيا من مجلس النواب الأمريكي خطابا موجها للقيادة الإسرائيلية، يرفض قرار الضم باعتباره ليس فقط تهديدا لمسيرة السلام وحل الدولتين والأمن الإقليمي، بل أيضا لوجود «دولة إسرائيل اليهودية الديمقراطية الآمنة». وفي 24 يونيو أرسل 1080 برلمانيا من البرلمانات الأوروبية والبرلمان الاتحادي، رسالة إلى قادة دولهم يطالبونهم بالتحرك لإيقاف القرار باعتباره تهديدا للسلام وحل الدولتين. وخاطب جوزيف بوريل ممثل الاتحاد الأوروبي الأعلى للشؤون الخارجية حكومة إسرائيل، ليطالبها بالتراجع عن قرار الضم باعتباره تهديدا للسلام وحل الدولتين. وفي 26 يونيو وافق البرلمان البلجيكي بالأغلبية على قرار يحث الحكومة البلجيكية على العمل لمنع إسرائيل من تطبيق قرارها.
على امتداد التاريخ كان للدعم الدولي للقضية الفلسطينية تأثيره، ولكن قدرته على الفعل كانت مرتبطة بالقدرة العربية والفلسطينية على المواجهة الاستراتيجية الفعالة. عندما كانت تلك الاستراتيجيات تنجح في السير صوب أهدافها، كان هذا الدعم قادراً على الدفع بالقضية عبر ترسيخها في الوعي السياسي العالمي، وخلق القواعد السياسية المناصرة، وتحصينها بالحقوق والقرارات القانونية الدولية، وزرع ممثليها في الهياكل الدولية. وهكذا نجد أنفسنا أمام التحدي الحقيقي: ما الذي يمكن للجانب العربي والفلسطيني أن يفعلاه لمواجهة الضم؟
يعيش النظام الإقليمي العربي أسوأ فتراته، فهو يبدو منهمكا في معارك فرعية ومختَرَقا من قوى خارجية، ويعاني انحساراً في موارد القوة وسيولة في التحالفات والأدوار وتفككا في ثلاث دول من حزامه الشمالي. وسوف يصبح من السذاجة أن نتوقع منه ماهو أكثر من الإدانة وتسجيل المواقف، وبالتالي سينتقل عبء المواجهة الأساسي إلى الجانب الفلسطيني.
في 20 مايو أعلن الرئيس الفلسطيني ما سبق أن هدد به إذا اتخذ نتانياهو قراره، وقرر انسحاب السلطة الوطنية الفلسطينية من كافة الاتفاقيات مع إسرائيل وأمريكا. ماذا يعنى ذلك عمليا؟
حتى الآن لا نعرف أكثر مما يعنيه نظريا. فلا نعرف مدى جدية السلطة في تنفيذه. هل تريد تنفيذه فعلا ومستعدة لدفع ثمنه الباهظ؟ أم إنها فقط تستخدمه كأداة للضغط السياسي الدولي؟. ولن يكون للقرار أي معنى، إلا إذا رافقته قرارات أخرى لموازنة نتائج فك الارتباط السياسي والأمني والاقتصادي بسلطة الاحتلال. وحتى الآن لم تشهد الساحة الفلسطينية قرارات كهذه. ولن نستفيد من التوقف طويلا أمام تلك المسألة، لأننا إذا أردنا حسمها سنتورط في أحكام قيمية. والأفضل افتراض صدق السلطة، ووجود حالة مخاض سياسي فلسطيني في سياق أزمة سياسية وسط ظروف إقليمية ودولية غير مواتية، لكنها جارية وفي حاجة إلى مدى زمني ما لتعطى ثمارها. ويبدو كأننا نطرح فرضية مفرطة التفاؤل، ولكن التراث النضالي الفلسطيني والتاريخ المشرف للكثير من قيادات السلطة، يمنحنا حق التفاؤل. وهكذا يصبح من الأجدى أن نناقش مكونات الاستراتيجية المطلوبة لتجاوز الأزمة الراهنة، والتي ستوفر السياق الضروري لنجاح القرار.
الأمر المؤكد أن القضية الفلسطينية تواجه لحظة خيار استراتيجي جديد، وليس مجرد انعطافة في مسار أوسلو الاستراتيجي. وعمليا لا يمكن للسلطة الوطنية أن تتحرر مرة واحدة من تراث أوسلو. ذلك أن لهذا التراث وجهه الإيجابي المؤكد، كما أن جوانبه السلبية تتغلغل في الواقع الفلسطيني. الأمر الذي يعني أن الخيار الاستراتيجي الجديد، ملزم في مراحله الأولى بالمزج بين ضرورات الانصياع للواقع السياسي وضرورات المبادرة لتخطي المأزق التاريخي. وترتيبا على ذلك من الضروري في المرحلة، ألا تنزلق السلطة لمواجهات مع سلطة الاحتلال غير محسوبة وتكلفتها الشعبية باهظة، وأن تركز جهدها في إطلاق عمليات إعادة البناء.
سنجد البعد الأول لهذه الاستراتيجية في إطلاق مصالحة وطنية مع حماس، تنطلق من تهدئة الصراعات وتوحيد المواقف السياسية لتشمل مشاركة حقيقية في السلطة وتوافقا عضويا في الرؤى السياسية. وهو ما يفرض تنازلات مؤلمة ستتحمل فيها حماس القسم الأعظم، ويستثير حربا إسرائيلية عبر الخنق الاقتصادي والعرقلة القسرية للإجراءات القاعدية الساعية لبناء مشاركة سياسية.
وسنجد الثاني في إطلاق السلطة لعملية إعادة بناء لمجلسها التشريعي ومؤسساتها الرئاسية والقضائية، بالتوازي مع تحديث شامل لهياكلها الإدارية والمحلية. هناك إجماع على انتهاء شرعية أغلب تلك المؤسسات، وأحادية تكوينها السياسي في ظل انقسام فلسطيني طويل، وتراجع كفاءة النخب الحاكمة والحاجة لنخب شابة وكفؤة وعصرية.
وسنجد الثالث في إعادة بناء شرعية السلطة الوطنية عبر الارتكاز إلى ثلاث مرتكزات بديلة لمرتكزات أوسلو: منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، والمجلس الوطني الفلسطيني بوصفه الممثل العام لعموم الشعب الفلسطيني والصانع السياسي لسياسات المنظمة، والدولة الفلسطينية كواقع سياسي وكحقيقة معترف بها دوليا، نظريا بنصوص القانون الدولي وعمليا بعضويتها الواسعة في المنظمات الدولية.
وسنجد الرابع في إطلاق سياسات احتجاج مدني سلمي متصاعدة. الاحتجاج المدني ضرورة للمواجهة المباشرة للضم، وللحفاظ على الإجماع الدولي واستعادة الحمية العربية، ولإطلاق الطاقات والآليات الوطنية المساندة للأبعاد الثلاثة السابقة. ولكن تدرج الاحتجاج ضرورة حتى لا يبدد طاقاته ويتمكن من المواصلة، وحتى لا يسبب استنزافا للقواعد الاجتماعية، وحتى يمتلك المدى الزمني المناسب لبناء هياكله المدنية.