ما بعد التصنيف الائتماني

مصباح قطب
mesbahkotb@gmail.com
منذ الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في ٢٠٠٨، على نحو خاص، والجدل حول شركات التصنيف الائتماني لا ينقطع. ما استجد هو أن المتحاورين حول تلك الشركات لم يعودوا ينتظرون مناسبة أو سببا بعينه، ليفتحوا الملف، فقد أصبحت الشركات في قلب الحراك العالمي الساعي إلى إيجاد واقع جديد فيما يتعلق بعمليات التسوية الدولية، والدولار هو المهيمن عليها حاليا، وآليات تسعير العملات، وشروط الاقتراض، ونطاقات الإنترنت وهي تحت هيمنة أمريكية أيضا، واحتكار شركات التصنيف، وكما هو معلوم فالشركات الأمريكية الكبيرة الثلاث المعروفة “فيتش ايبكا” ، و”ستا ندرد اند بورز” ، و”موديز”، تهيمن على نحو ٩٠ من عمليات التصنيف في العالم.
بالمجمل فإن كل ما تهيمن عليه الولايات المتحدة من مفاتيح اقتصادية ومالية واستشارية، منذ ما بعد الحرب الثانية، تجرى إعادة نظر فيه بحثا- في الغالب – عن توازنات أفضل، وليس تحطيما لمجمل النظام القائم. تذهب المناقشات في هذا السبيل مذاهب شتى فيما تقترحه، وقد تم مثلا عرض أفكار لتعديل آليات وأوزان التصويت في مؤسسات برايتون وودز” واجيب إلى بعضها بالفعل، وأخرى لاعتماد عملة احتياط دولية جديدة متفق عليها، و العمل جار في هذا الاتجاه، وحوكمة عالمية للإنترنيت ولنطاقاته، وفيما يهمنا هنا تمت الدعوة اكثر من مرة إلى إنشاء شركات تصنيف سيادي في كل قارة أو في دول كبيرة بعينها أو إقامة شراكات بين العمالقة الأمريكيين وشركات محلية أو إقليمية، وإدخال تعديلات على طرق التقييم القائمة ومرجعياتها.

بالطبع ليس كل ما يدور في ميدان العمل على التغيير يعتبر عقلانيا، فهناك مدرسة في أوساط بمختلف الدول تعجز عن رؤية أمور مثل سعر الصرف والدولار والتصنيفات، بمعزل عن المؤامرة ونظرياتها المعروفة، ويوجد قاموس كامل يغطى خطاب أهل هذه المدرسة تجد فيه مفردات مثل: الماسونية، وال روتشيلد، والحكومة العالمية السرية الخ، والغريب استمرار تفشى هذه النظرية، رغم كل لا عقلانيتها ما يحتاج إلى فحص وتفسير، وبكل يقين فإن التفسير التآمري هذا يجد أرضا خصبة بصفة خاصة في أيام الأزمات الشديدة كتلك التي يمر بها العالم الآن من جراء جائحة كورونا.،
وفى الأثناء فالتيار السابق الإشارة إليه، يعتبر شركات التصنيف أداة لا غراق الدول في الديون ومضاعفة أعباء ديونها.
لكن بعيدا عن التآمر والمتآمرين يمكن الإشارة إلى أن شركات التصنيف المعروفة، ستطل علينا كثيرا في قادم الأيام شئنا أم أبينا. أحببناها أم كرهناه. ومرد ذلك أن الديون العالمية وصلت إلى ذروة تاريخية، في الوقت الذي وصل فيه الاستعداد للسداد إلى مستوى منخفض للغاية سبب تداعيات كورونا على موازين الدول المالية والنقدية بل والأدهى من ذلك أن الطلب على الاقتراض بلغ هو الآخر حد التكالب الدولي المخيف، وكل دولة لها أسبابها وان كان الجميع يشترك في المعاناة من جراء غلق الاقتصاد بعد كورونا. فإذا لم يكن هذا هو الوقت لتعمل شركات التصنيف بكامل طاقتها فمتى تعمل إذن؟. لقد رأينا في الفترة الماضية كيف أعلنت شركات التصنيف، تراجع تقييمات دول المجلس كافة، وهو أمر ليس مفاجئا في نهاية المطاف، فالمبررات قائمة مهما كان الرأي في مدى دقة التقييمات، ومدى تعبيرها عن الإمكانيات الفعلية للدول في سداد التزاماتها، فتراجع أسعار النفط وخسائر الاقتصاد من جراء الإغلاقات أوضح من أي بيان. لكن الذي لا يجب أن نهمله هو ما بعد التقييمات. في الحالة المصرية على سبيل المثال، ومصر أحسن حالا في صحائف شركات التصنيف حاليا بفضل الإصلاحات الاقتصادية، يمكن أن نرى أن مقارنة دول مثيلة في نفس درجات عجز الموازنة وعجز الميزان الجاري والنمو والتضخم والبطالة ومعدلات الادخار والاستثمار، ومعدل تغطية الصادرات للواردات وكذا معدل تغطية الاحتياطيات الدولية لأشهر الواردات، وأرصدة النقد الأجنبي في الجهاز المصري، نرى كل ذلك مقبولا، عند التصنيف وله منطقه لكنه لا يعبر في النهاية عن الموقف بدقة فيما يخص وضع الديون السيادية وأقساطها وعوائدها مقارنة بالمثلاء، والعامل الجوهري هو أن الأصول العامة، وهي في دولة مثل مصر، كثيرة جدا ومتنوعة، حتى ليعاب عليها أحيانا ذلك من المنظمات الدولية ذاتها، أي أنها لا تشبه فعليا، من تقارن شركات التصنيف مصر بهم، وتستطيع مصر أن تسدد ما عليها بأعلى من القدرة التصنيفية لها فعليا، وأرى أن دولا عربية خليجية وغير خليجية ينطبق عليها ذلك أيضا . النقطة الثانية هي التاريخ الاقتراضي للدولة وسجل التزامها بالسداد، وهذا عامل قد لا تعطيه التصنيفات حقه، لكنه مؤثر كما ترون. بعد التقييمات إذن على الدولة إلا تستسلم، حين تلجأ إلى الاستدانة، إلى ما يمثله التصنيف، أو ما يدل عليه.
يتم عادة تسعير السندات الدولية على أساس : سعر سندات الخزانة الأمريكية، باعتبارها اكثر الأدوات أمانا +علاوة مخاطر تشكل فرق التصنيف، أخذا في الاعتبار تقييم الدولة في سجل التأمين على القروض” سي دى اس”، بالإضافة إلى ما قد يرتبط بمخاطر لسعر الصرف وهي قد تخص كل جانب وليس الدائن وحده. في كل الحالات هناك ما يمكن المساومة عليه، ويتوقف الأمر على قدرة الدولة التفاوضية، وقدرة إدارة الدين في وزارة المالية، أي وزارة، على إن تلاعب أطراف سوق الدين ببراعة. وأكاد أذهب إلى أن إثبات الجدارة في إدارة عملية طرح سندات واختبار توقيتها ومسرحها والتلويح بإمكان إلغائها أو تأجيلها أو إيجاد بديل لها إذا اقتضت ضرورة التفاوض الناجح، كل هذا يصنع فارقا حتى في التصنيف التالي للدولة!.
قبل التصنيف وبعده يتعين أن يكون انضباط المالية العامة إعدادا وتنفيذا ومتابعة ورقابة في أعلى مستوياته، وكذا إدارة الاستخدامات والموارد من النقد الأجنبي حتى تقل إلى أبعد حد الحاجة إلى الإقراض، ويقل أيضا القلق الناجم عن انتظار كلمة جهات التصنيف ثم صدورها بما لا يريح.