على سبيل التقديم .. التعايش خيار البشرية من أجل البقاء

عاصــــــم الشــــيدي –

لأول مرة منذ مائة عام تقريبا تتفق البشرية على عدو واحد، تحاول البحث عن مخرج من بطشه، ومن الخوف الذي نشره في كل قارات العالم، عدو صغير جدا لا يُرى بالعين المجردة، ولكنه استطاع حبس الناس في بيوتهم، وهدم رأسماليات عالمية عظمى، أحالها إلى ذكرى من ذكريات الزمن الجميل، وشرّد الملايين، بعد أن ألغى وظائفهم، فباتوا يبحثون عن لقمة عيش يسدون بها رمقهم اليومي، وأدخل في نفوسهم الرعب: الرعب من المستقبل ومن المصير الذي ينتظرهم في ظل عدم وجود سلاح حقيقي يوقف العدو المشترك عند حدود معينة لا يكون فيها مصدر خطر.
إنه فيروس كورونا المستجد المسبب لمرض «كوفيد19» الذي يعيد اليوم رسم نظام عالمي جديد، يحمل سمات مختلفة، ستسقط فيه أنظمة كانت كبرى، ويعاد بسببه رسم خارطة القوة في العالم لصالح أنظمة جديدة بدأت تظهر في أقصى الشرق. لن تكون العولمة، ابنة الرأسمالية الغربية، كما عرفناها في العقود الماضية هي المحرك الذي ألغى حدود العالم لصالح ثقافة واحدة واقتصاد واحد، هي التي ستدير عالم المستقبل وتدير اقتصاده. ستنكفئ كل دولة على نفسها وهي ترسم خارطة مستقبلها، وربما يعاد النظر في فلسفة الحدود المفتوحة في الكثير من دول العالم التي ألغيت تحت دعوى التكتلات العالمية الكبرى منتصف القرن الماضي.
لم يستطع العالم أن يقاوم حكم الطبيعة وجبروتها ونظامها الدقيق الذي لا يعترف بفوارق الثقافات والأعراق، ورغم كل التكنولوجيات التي أنتجتها طفرة القرن الماضي إلا أنها لم تستطع محاصرة الفيروس ولا حتى إبطاء انتشاره بالطريقة التي حلم بها الأطباء وعلماء الأحياء والأوبئة، فهو يعاود الانتشار موجة بعد موجة، ويخاتل البشرية التي تعتقد أنها استطاعت التغلب عليه ولو إلى حين.
لم يكن أمام العالم الذي بدا أن اقتصاده يتداعى من خيار إلا الذهاب إلى استراتيجية «التعايش» وهي خيار، رغم ما فيه من مفارقة غريبة، إلا أنه المنقذ الوحيد للبشر من الفناء ولاقتصاديات كل دول العالم من الإندثار، وهذا ما بات الجميع مقتنع به.
أمّا المفارقة فتكمن في أن يوافق العالم أجمع «التعايش» مع الوباء القاتل فيما كانت الدعوات سابقا للتعايش بين الأديان وبين الثقافات وكانت تجد السدود والحواجز وربما السخرية، لكن جاء اليوم الذي يتعايش فيه الناس مع الوباء والجائحة من أجل أن يجدوا مساحة لحلم في الحياة ولو على سبيل التمني.
وفي ظل خيار التعايش، كان لا بد من توضيح آلياته وطرقه التي على الجميع أن يفهمها من أجل أن يستطيع البقاء، واستمرار الحياة في معزل عن الإصابة بالمرض أو حدوث شلل إقتصادي يوقف عجلة الانتاج وبالتالي يوقف مصادر حياة الناس.
وإذا كان العلماء وصناع الأدوية لم يستطيعوا حتى اليوم تحديد موعد لإنتاج لقاح يوقف الوباء نهائيا فإن خيار الساسة ذاهب نحو إعادة هيكلة الحياة حتى تستطيع عجلة التقدم الاستمرار.. فكان كل ذلك معتمد اعلى «التعايش».
وفي السلطنة أعيد فتح أكثر من 80% من الأنشطة التجارية والصناعية انطلاقا من نفس المبدأ «التعايش» مع اشتراطات تضمن عدم الضرر، ولم يبق إلا الأنشطة التي يشكل فتحها انتكاسة لخطط «التعافي» وذلك لارتباطها في الأساس بالتجمعات البشرية. لكن اللجنة العليا تدرس الخيارات التي تطرحها اللجان الفنية من أجل إعادة افتتاح كافة مناحي الحياة.
ولا يمكن أن نقرأ فكرة التعايش على أنها نسيان الفيروس وتجاوزه، فالفيروس وما سببه من وباء عالمي ما زال موجودا وينتشر بسرعة أكبر من ذي قبل في الكثير من أنحاء المعمورة، ولكن فكرة التعايش هي استراتيجية حماية من الفيروس من أجل استمرار مصادر حياة الناس، وبقاء أعمالهم، ووظائفهم، وعودة حركة الانتائج. ولذلك نقرأ التعايش باعتباره أسلوب حياة له شروطه، وإن كانت صعبة، في ظل عدم وجود اللقاحات الطبية.
في هذا الملف الذي تطرحه اليوم جريدة عمان نحاول أن نلقي الضوء على فكرة التعايش وكيف يمكن أن تتحقق. كيف ينظر لها الأطباء، وكيف يراها الناس، وهل نستطيع استيعابها مع وجود منظومة عادات وتقاليد ومنظومة حياة كانت قائمة على فكرة التقارب والتجمعات.. كما ذهب الملف إلى البحث عن صمود بعض مظاهر العادات والتقاليد في ظل ما تفرضه ظروف التعايش من أساليب جديدة، ويذهب الملف كذلك لرؤية مهن المستقبل في ظل المتغيرات التي فرضتها الجائحة، وكذلك وضع التجمعات العمالية في شكلها السابق وإلى أين يمكن أن تتجه البوصلة في المستقبل.
في المجمل يحاول هذا الملف أن ينظر لمختلف الزوايا لتكوين رؤية شاملة للمشهد المستقبلي في ظل استراتيجية «التعايش» التي سيعمل بها العالم أجمع من أجل البقاء.