هل ننتصر على «كوفيد 19» بسلاح التعايش؟

كيف استطاع الإنسان التكيف مع الأوبئة الأخرى؟

عـــــماد البلــــــيك –

يعني مصطلح «التعايش» أن أزمة معينة لا تزال قائمة وأنه لم يتم التخلص منها، لكن ضرورة أن تمضي الحياة وتسير إلى الأمام بحيث لا تتعطل المصالح العامة والخاصة، ويقتضي ذلك أن يكون ثمة معالجات يمكن أن تلخص في فكرة «التعايش»، أو «التكيف» وهذا يعني الالتزام والتقيد التام بمجموعة من الإرشادات والإجراءات والاحترازات والقوانين وغيرها من المفاهيم في هذا الإطار بما يعزز القدرة على دفع الحياة وسريان دولاب العمل والإنتاج.
وإذا كان مصطلح «تعايش» قد جرى استخدامه في أطر المسائل والعلاقات بين الأديان وأصحاب العقائد المختلفة، أو في مفاهيم السلم الدولي، فإنه يستخدم الآن في ظروف هذه الجائحة التي تعم العالم؛ لأجل المعالجة الآنية إلى حين الوصول إلى حلول نهائية بخصوص مرض فيروس كورونا «كوفيد 19».

يعني التعايش إذن في إطار هذا الفيروس أننا أمام جائحة مستمرة لا نعرف متى سيكون التخلص منها بما يقود إلى ابتكار وسائل هذا التعايش التي تم إيجاد أغلبها سلفا من خلال التجربة مع المرض في الفترة السابقة، فخلال شهور وجيزة اكتسبت المجتمعات الكثير من القيم والسلوكيات والتقاليد الحديثة، التي لم تكن شائعة من قبل، فرضتها طبيعة هذا الوباء العالمي استنادا إلى القاعدة البسيطة التي ملخصها أن هذا الوباء باق معنا لمدة غير محددة.
واقع حتمي
لقد أصبح التعايش واقعا حتميا حتى يسير أمر الحياة وفعاليات الإنتاج والاقتصاد في ظل تعطل مصالح الناس والدول وتوقف الأعمال والتجارة الخ.. هذا يقود إلى أن المصطلح سوف يصبح مفهوما يقوم عليه الجميع من الكبار إلى الصغار، بحيث يتحول إلى سلوك اجتماعي يتقيد به الكل وينقل للأطفال كما يتقيد به كبار السن، بحيث يمكن حماية الجميع عبر الالتزام والتقيد وفي الوقت نفسه يكون ممكنا للمسار الاقتصادي والتنموي أن يندفع إلى التقدم بعد أن يكون قد تحقق الاندماج في هذه المرحلة الجديدة.
مفهوم قديم
من ناحية مبدئية فإن مفهوم التعايش مع الأوبئة ليس بالجديد، فهو أمر قديم حيث إن الإنسان اضطر للتكيف عبر التاريخ مع العديد من الأمراض المستعصية والأوبئة الفتاكة كالطاعون بأنواعه كافة مرورا بالجدري والحصبة والسل إلى الإنفلونزا الإسبانية في مطلع القرن العشرين، وبعض هذه الأمراض استغرق العالم وقتا طويلا جدا لكي يتمكن من القضاء عليها بشكل نهائي أو أن يخترع لقاحات لها، ويأتي سبب التعايش مع الوباء نسبة إلى صعوبة السيطرة الكلية عليه مع الرغبة في استمرار عجلة الحياة وفي الناحية الثانية عدم وجود لقاح أو علاج ناجع.
الموت الأسود
يوضح لنا جوزيف بيرن وهو أستاذ جامعي أمريكي، في كتابه «الموت الأسود» الصادر لأول مرة عام 2004، قصة واحدة من أكبر قصص التعايش مع الأوبئة في التاريخ، بالتحديد مع مرض الطاعون الأسود الذي يشار إليه بالموت الأسود الذي عم أوروبا ومن ثم انتشر عالميا في الفترة من 1347 إلى 1352م وتسبب في موت ثلث سكان القارة الأوروبية، هذا الوباء الذي لم ينحسر إلا في القرن السابع عشر الميلادي في أوروبا واستمر في شمال أفريقيا والشرق الأدنى إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، طوال هذه الفترات الطويلة كان على البشر أن يتعايشوا مع المرض القاتل وأن يبتكروا الأساليب المعينة لذلك.
كما يحدث الآن مع جائحة كورونا فإن قضية الطاعون أو الموت الأسود، بحسب ما يشير بيرن قد عملت على إحداث انقلاب في الحياة في كل النواحي، بحيث ألقت بأثرها على الحياة السياسية والاقتصادية وهياكل المجتمع وبنى الإنتاج، بما في ذلك ما أوجدته من اضطراب في العلاقات الأسرية، وأفرغت المسارح من الجمهور وأصبحت الأسواق شبه خاوية، وعم منظر الجثث في الطرقات بحيث بات الرعب هو المسيطر على المشهد، لكن في نهاية الأمر كان على الناس أن تمضي نحو التعايش لأجل أن تسير الحياة، برغم كل هذه المخاوف ومشاهد الموت والمقابر الممتلئة بالموتى.
قوانين قديمة
سواء في عصور الطاعون الأسود أو غيره فقد كانت الممالك القديمة والحكومات قد عرفت التشريعات والقوانين والإجراءات التي تكفل حماية المجتمعات عامة من أثر الأوبئة القاتلة، فعلى سبيل المثال نجد أن المملكة المتحدة قد اتخذت قرارات عديدة للتعامل مع الطاعون والتعايش معه ففي عام 1578م كانت الملكة اليزابيث الأولى قد أمرت بتنفيذ العديد من الضوابط القانونية التي تكفل بحماية المجتمع مع سريان الحياة الاقتصادية، مثلا إلزام بقاء الأشخاص المصابين في البيوت وعدم الخروج للأشخاص إلا طلبا للغذاء أو العمل فقط، أيضا ظهرت فكرة بناء بيوت خاصة للعزل الصحي وفي عام 1721م طبقت بريطانيا قانون الحجر الصحي الذي يحاكم المتهربين بعقوبات تصل للسجن أو الإعدام، وغيرها من الأفكار، التي تم تداولها على فترات متفاوتة في التاريخ البشري.
إن طبيعة فكرة التعايش عبر التاريخ تعني إعادة الحياة إلى وضعية الاستمرار والإنتاج والعمل في ظل شغف الإنسان بالعيش، دون تعطيل المصالح العامة، لكن ذلك قد لا يعني بالمعنى الجلي والكبير أن الأمور قد عادت لوضعها الطبيعي، إذ سيظل وضع التعايش استثنائيا مقيدا بالتشريعات والضوابط وحيث يجد الناس أنفسهم مضطرين إلى التزام الكثير من القيم والتقاليد الجديدة إلى حين عودة الحياة إلى طبيعتها بنهاية الوباء التي قد تستمر وقتا طويلا، يصل لقرون أحيانا.
فكم من الأوبئة والأمراض التي عجز الإنسان عن إيجاد الحلول لها فاضطر في نهاية الأمر إلى التعايش معها، وثمة أوبئة إلى الآن في العالم أو أمراض ليس من علاجات لها كالسرطان مثلا، حتى لو أنها لا ينطبق عليها مفهوم العدوى، لكنها في نهاية الأمر تفرض على المصاب نوعا من التعايش إلى الشفاء أو الموت.
عودة إلى الكاتب بيرن، فهو يذكرنا بأن التكيف مع الطاعون كان قد اتخذ مرات طابعا موسميا لأن الوباء بات يعود من فترة لأخرى وفي فترات متفاوتة قد تصل إلى العقد من الزمان أو في فصل محدد من السنة، لهذا فإن الناس يبذلون غاية الاستعداد في هذه المواسم، بحيث يفرض الناس على أنفسهم أشد الإجراءات إلى تجاوز الموسم المعين، وهذا أدى إلى أن يعيد الناس التفكير في جدول التسوق والعبادة وحتى المدارس والمستشفيات وهذا يعني أن هذه الظاهرة تاريخية، فليس ما نراه اليوم بمبتكر.
هل يحدث التعايش؟
يبقى السؤال من خلال المراجعات التاريخية والراهنة، هل يستطيع الناس التعايش مع الوباء وفي الوقت نفسه تستمر الحياة بإيقاع على الأقل له طابع الفاعلية والإنتاج، حتى لو جاء ذلك خصما من رصيد الكثير من العادات والسلوكيات الروتينية والمتبعة عادة؟. الإجابة هي نعم، من خلال معطيات الواقع والكثير من الدراسات والسرديات التاريخية والحديثة في هذا الإطار. وتعني مرحلة التعايش مع الوباء العمل على إعادة ترتيب الحياة وفق نظام جديد، بحيث يمكن المحافظة على أكبر قدر من القيم التقليدية وفي الوقت نفسه التكيف مع المستجدات، ولا شك أن ذلك له انعكاس على موضوعات وقطاعات العمل والإنتاج، لكن ثمة أمور يجب وضعها في الاعتبار في هذا العصر بالذات تجعل الوضع مختلفا عن التجارب التاريخية، فنحن الآن نعيش عصر التقنيات الحديثة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وغيرها من الأدوات التي يمكن أن تسهم بفاعلية في خفض الخسائر وتقليل حجم المعاناة على البشر، وقد رأينا ذلك فعليا في توسع فكرة العمل عن بعد مثلا والتجارة الإلكترونية وظهور التعليم عن بعد وغيرها من الأفكار التي هي قائمة بالفعل وتم توسيعها عمليا، بل أن بعض الدول الآن تفكر عمليا في اعتماد هذه الأساليب الجديدة، حيث تتجه شركات كبرى في العالم كالفيسبوك إلى اعتماد أسلوب العمل عن بعد بشكل نهائي، كذلك التعليم المدرسي عن بعد كما في بعض التجارب الآسيوية، كوريا الجنوبية مثالا، وغيرها من الحلول المستجدة التي يمكن أن تعزز مفهوم التعايش وفق الاستفادة القصوى من آليات العصر الإنساني الجديد.
تجربة وخبرات
يمكن النظر أخيرا إلى فكرة التعايش بأنها ليست مجرد نوع من الفروض التي يجب الالتزام بها لكي يسير دولاب الحياة والإنتاج، بل هي أبعد من ذلك مع ظروف كورونا الحالية، نوع من إعادة التفكير في مجمل معطيات التجربة والخبرات الإنسانية، بحيث يتحول ما يمكن أن يطلق عليه تعايشا بعد فترة من الزمن إلى عادة أصيلة وتقليد جديد يكون الالتزام به قائما ربما إلى آماد أطول، بما في ذلك المتغيرات على مستوى السلوكيات الاجتماعية التي يبدو أن بعضها يخضع الآن للمساءلة بشدة عن جدواه، كذلك قيم العمل والإنتاج وحتى قضايا متعلقة بثقافة الترفيه والاستهلاك وترشيد الإنفاق، فلقد أثبتت الفترة الراهنة أن كثيرا من الالتزامات أو ما نراه ضرورة ليس بهذا الشكل وأن ما يصرف على الأنشطة الاجتماعية أو المؤتمرات أو السفر كل ذلك ليس إلا نوعا من التبذير الذي يجب أن نتخلص منه لأجل بناء الحياة الأفضل.
قيم جديدة
يبقى التأكيد أن التعايش ليس مفهوما يتعلق بالوقاية من الإصابة بالمرض فحسب، بل هو قبل ذلك ومن خلال هذه الأطروحات والأفكار الجديدة، بناء قيم وتعليمات جديدة للحياة تقود الناس إلى مزيد من النظام والانتظام والتقيد بالإرشادات، كذلك إبداع فكر اقتصادي جديد قائم على الأولويات والصياغة السليمة لمتطلبات الفرد بعيدا عن أسلوب المباهاة والتقليد الأعمى في المجتمع.
من ناحية ثانية فإن مفهوم التعايش ينعكس على الحكومات كذلك والدول في ابتكار أساليب جديدة تفرض آليات مستجدة للتوظيف المالي وإدارة الموارد وغيرها من هذه المسائل في هذا الإطار، لقد ثبت فعليا أن هناك أموالا تنفق وقنوات كثيرة ليس لها من فاعلية أو فائدة متحققة، وأن البديل في ظل التعايش هو اللجوء إلى تغليب الإدارة الرشيدة والحديثة عبر الاستفادة من التقنيات كذلك الثقافة المتولدة عن الخبرات المكتسبة في فترة الوباء، لقد برزت في الفترة السابقة وإلى اليوم ثقافة مؤتمرات الفيديو كونفرس وغيرها من التطبيقات في هذا الباب، التي تعني ببساطة أن كثيرا من المال كان ينفق في الأمس القريب كان من الممكن توفيره لصالح برامج أخرى في الحياة وديمومة الحياة الاقتصادية.
أخيرا فثمة أبعاد متعددة ومرئيات لا حصر لها تنتج عن فقه التعايش مع المرض، تقودنا في نهاية الأمر إلى رؤية الحياة بمناظير جديدة غير مسبوقة، لنصل إلى نتيجة أن الأزمة قد تولد المعاناة، بيد أنه من رحم هذه المعاناة قد يكون ثمة إبداع وقيم إنسانية جديدة تعمل على صياغة فجر إنساني جديد.