كورونا في السياق الاجتماعي .. هل يعيد الوباء رسم خارطة طريق للعادات الاجتـماعـيـة؟!

كتبت – مُزنة بنت خميس الفهدية –

لم تتحقق أمنية «أسامة» في الزواج في ظل جائحة كورونا. رغم أنه حاول البحث عن الزوجة المناسبة، لكن إجراءات الغلق والتباعد الاجتماعي والجسدي حالت دون إتمام الأمر. تستند فكرة أسامة في الزواج في هذه الظروف على مبدأ أنه لن يضطر في تكبد الكثير من المصاريف التي يتطلبها الزواج في الظروف العادية. فلن يكون هناك معازيم كثر، ولن يحتاج إلى حجز قاعة أفراح بمبلغ كبير.. سيحتاج الأمر فقط إلى مظاهر فرح عائلية جدا جدا. ثم يأخذ زوجته إلى بيت الزوجية دون أن يفكر كثيرا بعشرات الآلاف من الريالات التي تكلف زواجه والتي ستصاحبه لسنوات طويلة تضيّق عليه عيشته.
يقول «أسامة»: من أراد التوفير وتجاوز عادات البذخ في حفلات الزواج فإن هذا هو أنسب وقت له للزواج. لن يلومه أحد، فإجراءات الدولة واجبة التنفيذ ومخالفتها تعرض المخالف للعقوبات.
تطرح فكرة أسامة الكثير من الأسئلة حول مستقبل الكثير من العادات الاجتماعية التي يمكن تجاوزها اتقاء للخطر. كما تطرح سؤالا حول ما إذا كانت هذه الجائحة ستكرس رغبة التخلص منها واستبدالها بعادات أكثر اقتصادا وأكثر حذرا في الجوانب الصحية.

ومع توجه الدولة والعالم أجمع نحو التعايش مع الوباء في ظل عدم وجود بارقة أمل قريبة على الأقل في الوصول إلى لقاح يتحدث الجميع عن قدرة الكثير من العادات الاجتماعية التي تتطلب تجمعات كبيرة على البقاء والصمود.
أثر الوباء في هذا الجانب بدا يظهر، وإلغاؤه للكثير من مظاهر الترف في المناسبات الاجتماعية بات معلوما في الكثير من المحافظات، حيث وجد عدد من المواطنين في إتمام مراسم الزواج أو الخطوبة في زمن كورونا، مخرجا ملائما للتخلص من عادات الترف والبذخ المفرط والمرهق ماديا التي فُرضت لأعوام طويلة وكان يصعب على أي شخص مقبل على الزواج التخلي عنها باعتبارها أحد أبرز المظاهر الاجتماعية والعادات والتقاليد.
وكما نعلم أن القيم والعادات والتقاليد عبارة عن رصيد اجتماعي متوارث متأصل مرّ بأجيال متتالية، فهل الإجراءات الاحترازية أفقدتها حيويتها وبريقها؟ وهل يمكن إعادة إنتاج عادات وتقاليد تنسجم مع طبيعة الوضع الحالي؟
وعبرت «ن.ع» التي تأجل زواجها المقرر في شهر مايو الماضي بالقول» لقد كان موعد زفافي في بداية شهر مايو الماضي وتم تأجيله بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد، وبسبب الأعداد التي تتزايد عن حالات الإصابة بفيروس كورونا وزيادة الخوف كان لا بد من عمل الزفاف ولكن بدون حفل، وبعد النظر في الموضوع من الجانب الإيجابي وجدنا أن هناك إيجابيات كثيرة منها ضمان سلامة الأهل والأصدقاء وأيضا توفير بعض المصاريف للمستقبل القريب، وقررنا أن نقوم بعمل تجمع عائلي بسيط بمناسبة زواجنا بعد كورونا.»

حالة تعايش

أما سلطان بن محمد القاسمي فتحدث في هذا الجانب قائلا: «وفقاً لكل المعطيات التي يعيشها العالم اليوم بسبب جائحة كورونا والتداعيات التي رافقتها والتي ستنعكس على المستقبل القريب أو البعيد، ستكون هناك حالة تعايش بطريقة ما تختلف عما قبل كورونا، وفي حالة استمرار الوباء لفترة سيكون الناس أمام خيارين لا ثالث لهما، إما التجاهل واستمرار الإصابات والخسائر، أو الالتزام بضوابط التعايش مع هذا الوباء، والتقيد بما يتناسب والوضع الصحي، ومن ذلك التخلي عن كثير من العادات الاجتماعية مثل، الولائم والأعراس والاجتماعات العشائرية والمعانقة والمصافحة والإناء المشترك، وغير ذلك…»
وأوضح القاسمي: أن عدم إدراك خطورة الأمر، وتفضيل العادات والتقاليد على صحة الإنسان وحياته، يعني أننا أمام مشكلة أخرى تضاف إلى مشكلة الوباء، وهي مشكلة عدم التفكير بالمصلحة العامة، واللامبالاة بمآلات التجاهل أو العناد، أو إنكار الحقيقة المرة، وعلى الرغم من أهمية العادات والتقاليد الإيجابية، إلا أنه يجب أن لا تكون تهديداً لحياة الإنسان، وبلاشك هو تهديد مباشر لكنه يظهر لبعضهم أنه ليس كذلك، وعليه يمكن التعبير عن الترحيب أو المودة بسبل أخرى، مثل الكلام والإيماء باليد، والتعابير الجسدية الأخرى، بل إن الحرص على سلامة الآخر هو أصدق دليل على المحبة والمودة والاحترام.» مشيرا إلى أنه بالإضافة إلى تقييد ممارسة بعض العادات والتقاليد، بنمط الحياة الجديد سيسهم في تنظيم الكثير من القضايا التي نعملها اضطراراً وتماشيا مع المجتمع، وليس لأنها مناسبة أو إيجابية أو صحيحة، ومن تلك الأمور الإسراف في الولائم والتبذير في الأعراس، والهدر في المال والطعام في المناسبات الاجتماعية وغيرها، فلا شك أن المحددات التي فرضها الفيروس ستنعكس على جميع عاداتنا، وعلينا ألا نستهين بقوة الفيروس لمجرد أننا نريد أن نجرب الأشياء، لأن الوباء معد، ويستهدف الإنسان بغض النظر عن عمره وجنسه وصحته.
واختتم حديثه بالقول: «في الحقيقة ليس أمام المجتمع إلا تقبل الحالة المؤقتة والتكيف مع الانعكاسات المستقبلية لجائحة كورونا، وهذا ليس خيارا مقابل خيارات أخرى، بل هو الخيار الصحيح للمجتمع، ليظل مجتمعاً صحياً قادراً على تجاوز الأزمة، والتعايش مع المستجدات التي صاحبت الوباء، ولا يمكن أن نكون متشائمين لكن علينا أن نتفاءل ونحث المجتمع على الالتزام، ونؤكد أن الالتزام سيقلل الإصابات ويقصر عمر الفيروس.»

سلوكيات جديدة

من جهته قال سليمان بن سعيد المعمري: «لاشك أن أزمة كورونا أثّرت كثيرا على العالم في جميع جوانبه الاقتصادية والاجتماعية وطبيعة حياة الناس وعاداتهم وسلوكهم ومختلف نواحي حياتهم، وحال المجتمع العماني لا يختلف كثيرا في تأثره بهذه الجائحة عن باقي دول العالم، وقد أفرزت جائحة كورونا عدة أشياء وسلوكيات كنا نتوقع أنه من المستحيل أن نتعايش معها مثل عادات الأكل والسفر والرحلات والتجمعات والمناسبات واستقبال الضيوف، ومع هذه الجائحة تبين أن الإنسان قادر على التكيف والتعايش مع الواقع عندما تحتم عليه الضرورة، وقد أثبتت البشرية على مر العصور القدرة على التعايش مع الأمراض مثل ما حدث مع الإنفلونزا والحصبة وغيرها.»
وأضاف المعمري: «في السلطنة أستطيع أن أقول: إننا تعايشنا مع جائحة كورونا من نواح كثيرة وهناك عادات جيدة وراسخة اضطر العماني للتخلي عنها، وأعتقد أننا قادرون على التعايش مع الوضع مع بعض الاحترازات والأخذ بإجراءات السلامة والوقاية، والخلاصة أن كورونا حتما سيغير الكثير من عاداتنا، بل غير بعضها ونحن نستطيع المحافظة على العادات الجيدة كالعزاء وبعض المناسبات المهمة مع الأخذ بإجراءات الوقاية والتباعد الجسدي.» وأوضح أن جائحة كورونا ساهمت في التخلص من بعض العادات السيئة مثل المجاملات الزائدة والبذخ والإسراف في المناسبات خاصة في الأعراس، كما ساهم في توفير الدخل وتقليل النفقات.»
وأكد فيصل بن علي الزدجالي أن الشعب العماني قادر على التكيف مع عادات اجتماعية جديدة بسبب وعيهم الكبير بالجائحة، ويمكن أن يكون كورونا فرصة لتغيير بعض الأساليب التي نتكلف فيها مثل المناسبات الاجتماعية المختلفة، وقد نتجت عن أزمة كورونا سلوكيات اجتماعية جديدة مبنية على التباعد الجسدي والتقليل من الحركة والتباعد الاجتماعي. كما أن استعمال وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا، لم يعد مقصورا على فئات عمرية دون أخرى في ظل ظروف كورونا، إذ دخلت كعامل قوي في سلوكيات المجتمع وتغيير بعض العادات الراسخة فيه، حيث أصبح تقديم التهاني والسلام والاطمئنان على الأهل والأصدقاء عن طريق وسائل التواصل.
وإذا كان الوضع الراهن يفرض هذه التغيرات فرضا، فإن السؤال الأهم هل ستبقى السلوكيات الجديدة بعد مرور الجائحة وتتحول إلى عادات جديدة يقرها المجتمع وتكون الجائحة قد كرست عادات جديدة وقضت على عادات كان حولها الكثير من اللغط خاصة إذا كانت تكبد أصحابها الكثير من المصاريف التي لا طاقة لهم بها إلا عبر القروض البنكية التي تقيد حياة الإنسان بعد ذلك وتحد من طموحاته وتطلعاته؟!
هذا سؤال مهم ويبدو أنه قابل للتحقق خاصة إذا ما طال أمد الجائحة وتأخر الوصول إلى لقاح ينهي الوباء إلى غير رجعة.