الحكومات.. بين السياسة العامة وجماعات الضغط

أحمد بن سالم الفلاحي –

كثيرا ما ينظر إلى جماعات الضغط على أنها تتحرك بدوافع «غريزية» وهذه إشكالية موضوعية شديدة الحساسية، ولذلك ينظر إليها بكثير من الريبة، وبكثير من الشك، وبالتالي فأي مشروع تنموي تتبناه جماعات الضغط في كل دول العالم يقع تحت هذا التقييم.
تسعى العلاقة القائمة بين الحكومات وشعوبها؛ في كل دول العالم؛ إلى تحقيق قاعدة من التكامل والتوافق، والتآزر والتعاون، لليقين الموجود لدى الطرفين أن ذلك كله يفضي إلى بناء وطن، بكل مقوماته الحضارية، والإنسانية، والمحافظة على كل إنجاز يتحقق في المساحة الجغرافية للوطن، وإلى ترسيخ قناعات مستمرة تستوعبها الأجيال؛ وهي أنه لا محيص ولا خيارات متاحة لأن يكون هناك وطن بديل، وأن أي وطن يمكن أن يكون بديلا، يظل هو مشروع مؤقت، وغير مكتمل الأركان، فالأوطان البديلة لا تنشأ إلا لظروف قاهرة، ولا تستمر بصورة مطلقة، ولذلك ينظر إلى هذه العلاقة على أن ثمة دافعا مؤثرا ينقل الطرفين من حالة التكور من الخاص إلى العام؛ إنه الوطن، وبالتالي عندما يشعر؛ أي فاعل في أحد طرفي هذه العلاقة؛ من ضعف الهمة والتراخي عن أداء الواجب بكل أمانة، عليه أن يستحضر دائما الوطن، بكل مناخاته وتفاصيله، فعلاقتنا بكلية الوطن، هي علاقتنا بالتفاصيل الصغيرة فيه.
تشهد هذه العلاقة؛ على امتداد أعمارها؛ وسنوات الاشتغال فيها؛ نوعا من التباين، وأغلبه وجهات نظر غير مكتملة، أو تحتاج إلى كثير من العمق، والتأمل والتفكير، حيث لا تخضع إلى الانفعالات المؤقتة، وإذا كانت الحكومات تقوم على أسس منطقية من التشريع، والقيم، والخبرات، والتجارب، فإن الطرف الآخر «الجمهور» هو؛ غالبا؛ ما يحتاج إلى كثير من المراجعة في هذه العلاقة، وهذه المراجعة تقتضي هذا التفكير العميق، والتأمل الدقيق، لأنه لا يجوز؛ بأي حال من الأحوال؛ التفريط في أي منجز قد تحقق على جغرافية الوطن بطوله وعرضه، فالحكومة في كل أحوالها ومناخاتها هي النخبة المنتقاة من هذا الجمهور العريض، وهذا الانتقاء ليس مقصودا في ذاته، وإنما المتحقق من القيم والمعرفة، والخبرات والتجارب التي يتميز بها كل فرد في الحكومة، وبالتالي ينظر إلى مجموعة العاملين في الحكومة – في القطاعين – على أنهم يتمثلون هذه الصفوة من الأخلاق، والأعراف، والقيم المعرفية في كل أبعادها، وبالتالي فكلما قطعت الحكومة شوطا مقدرا في الإنجاز التنموي، كلما ساعد ذلك على تجفيف منابع التباين بين الطرفين، وزاد؛ في المقابل؛ من العضد الوشائجي الجميل، ولذلك تعيش الحكومات في هذه العلاقة حالة تحد دائمة، لأن رضا هذا الجمهور العريض بكل تفاعلاته يفرض العمل الجاد، والمستمر، والقدرة الدائمة على التجديد، والتحديث للمجالات التنموية التي تنفذ من خلالها الحكومة إلى هذا الجمهور.
يقول الدكتور عبدالغني عماد، في كتابه؛ (سوسيولوجيا الثقافة – المفاهيم والإشكاليات.. من الحداثة إلى العولمة): «كانت السياسة أحد أبرز الاختصاصات للدولة القومية، والتي كانت إلى آجال طويلة اللاعب الأقوى على المسرح السياسي، لكنها اليوم بفعل العولمة وتداعياتها تتعرض لمنافسة شديدة من لاعبين يزدادون عددا، وفعالية في المسرح الدولي (الشركات المتعددة الجنسيات، جماعات الضغط العالمية، وسائل الإعلام والاتصال، المنظمات غير الحكومية، المؤسسات الدينية… )» – انتهى النص –
مع أن الحكومات الحديثة اليوم تعتمد على مقومات كثيرة تعمل من خلالها على تجسير العلاقة بينها وبين جمهورها العريض، وحتى لا يقع هذا الجمهور في منزلق هؤلاء اللاعبين الذين «يزدادون عددا» كما يؤكد الدكتور عبدالغني، ومن هذه المقومات أو المعززات، تأتي المجالس التشريعية في مقدمتها، فهذه المجالس، وحسب اختصاصاتها الأساسية، هي المؤسسات المعبرة عن طموحات الشعوب، وتطلعاتها، بطريقة أكثر تهذيبا، وسلامة، وأمنا، فهذه المجالس؛ إن تنطلق؛ فإنها تنطلق من واقعها المحلي؛ ويقينا؛ لن تغرد من خارج السرب، ولذلك؛ كما يفترض أيضا؛ أن تحظى بالقبول الواسع من قبل أعضاء الحكومة، وهي تطرح مشروعاتها المختلفة «طموحات الجمهور» تحت قبة المجالس التشريعية، أو النيابية، أو البرلمانية؛ كيفما تكون التسمية، حيث يبقى لأدوارها الوطنية في تجسير العلاقة بين الجمهور وبين الحكومة، فاعلا وحاضرا، حيث تتجلى قدرة عضو المجلس التشريعي في انتزاع نفسه من الخاص، وتوظيف اختصاصاته للصالح العام، وفي ذات السياق تأتي مؤسسات المجتمع المدني، وهي المؤسسات الممثلة لهذا الجمهور؛ وفق تخصصاتها النوعية والمتنوعة، وهي تذهب في ذات الاتجاه، وتبقى مساهمتها الفاعلة غير منكورة، ولعل لدور المثقف الأثر الكبير أيضا، وإن كانت هناك مجموعة من الأسئلة الحائرة تدور حول دور المثقف في التخفيف من هذا التباين في فهم الأدوار، ومنها ما هو المتكأ الذي يمكّن المثقف في لعب دور أكبر في شؤون السياسة العامة للدولة؛ في حالة عدم انضمامه إلى مؤسسات المجتمع المدني؟ وما هي الفرص المتاحة أمامه لتوثيق عرى العلاقة بينه وبين الحكومة، وهل لا تزال صورة المثقف العصامي باقية عبر بعدها الزمني، بعد أن غربت الحياة الناس عن عالمهم، بفعل مجموعة كثيرة من المؤثرات والتغيرات التي رافقتها طوال سنوات التغيير؛ ولا تزال؛ عبر وسائل كثيرة، ساهمت الثورة الاتصالية فيها مساهمة كبيرة ومباشرة؟ وإن كانت هذه الأسئلة جدلية في حد ذاتها، فإنها لن تؤثر على مجمل السياق العام في هذه العلاقة المتجذرة بين طرفيها (الحكومة والجمهور).
يقول الدكتور فلاح مطرود العبودي في دراسة مقارنة له – غير منشورة – تحمل عنوان (أثر العوامل الإيكلوجية في عملية صنع القرار السياسي): « تفترض نظرية التنظيم كما يرى جميس اندرسون(James Anderson) إن قرارات السياسة العامة لا تكون فاعلة وكفوءة ما لم تراع البيئة التي تحيط بها، فالحاجات والمطالب تبدأ من البيئة الاجتماعية وتنتقل إلى النظام السياسي عبر قنواته ومحيطة الخارجي، إضافة إلى دور البيئة في وضع بعض القيود والمحددات على صناع القرار، وتتأثر السياسة العامة بالبيئة الاجتماعية المتمثلة بما يمارسه الرأي العام من دور مهم في وضع ضوابط معينة على قدرة المكلفين بصنع القرار في اختيار بدائل معينة بمعنى أنه يحدد له الخيارات الممكنة.
والصعوبات تكمن في إقناع أفراد وجماعات المجتمع الذين ألفوا وفرة اقتصادية واستجابة حكومية إيجابية سريعة، وأن عليهم أنْ يتوقعوا عدم قدرة موارد الدولة على الوفاء بجميع المطالب الاجتماعية، الأمر الذي قد يترتب عليه عجز في ميزانية الدولة والسحب من احتياطي العملة أو الاقتراض، مما قد يؤدي إلى زيادة حدة الأزمة الاقتصادية، والحكومة الرشيدة تجد نفسها مضطرة في هذه الأوقات لمواجهة الموقف بحزم، ورفض بعض المطالب الاجتماعية غير الملحّة، وبالتالي قبول درجة أقل من الرضا العام ودرجة أعلى من النقد والتذمر كثمن للحفاظ على المصلحة العامة» – انتهى النص -.
كثيرا ما ينظر إلى جماعات الضغط على أنها تتحرك بدوافع «غريزية» وهذه إشكالية موضوعية شديدة الحساسية، ولذلك ينظر إليها بكثير من الريبة، وبكثير من الشك، وبالتالي فأي مشروع تنموي تتبناه جماعات الضغط في كل دول العالم يقع تحت هذا التقييم، ومن هنا تضيع الكثير من المشروعات الوطنية؛ التي قد تكون نظيفة؛ لأن من يتبناها هم ضمن مجموعات الضغط، وهذا ما يؤسف له حقا، وتأتي اليوم وسائل التواصل الاجتماعي لتشكل علاقة ملتبسة بين الحكومة وجمهورها العام، لأن ميزة هذه الوسائل أنها تتيح الفرصة لجماعات الضغط أن تتسلل من خلالها، كما أنها في خطابها وفي رسائلها تضم الجميع المخلصين وغير المخلصين، الصادقين وغير الصادقين، الحالمين وغير الحالمين، المتعافين من كثير من حالات الذين أصابهم درن القلوب، وغير المتعافين، والالتباس هنا عدم القدرة على التحييد التام الذي يمكن الاتكاء عليه في ظل هذه الضبابيات التي تعكسها هذه الثنائيات مجتمعة أو متفرقة، فالحرية؛ شبه المطلقة؛ التي يكتسبها جمهور هذه الوسائل هي التي تدفع بصورة غير مباشرة هؤلاء كلهم، تحت ذريعة الوطنية مثلا، وبالتالي تجيير مفهوم الوطنية على الشاكلة التي ينادي بها هذا أو ذاك، أو التي يحلم بها هذا أو ذاك، وتأتي في المقابل الشركات متعددة الجنسية لتعمق من تشويه العلاقة بين الحكومات وشعوبها، وذلك للإمكانيات المادية والفنية التي تتميز بها هذه الشركات، ولقوتها الشرائية، ومصالحها المتعددة، ولمشروعاتها النوعية، ولتقدمها التقني، حيث تظل وجه مقارنة دائمة من قبل الجمهور العريض الذي يعتمد كثيرا على أوجه المقارنة عند النظر إلى الإنجاز الحكومي الذي تكتنف نتائجه ظروف كثيرة، مادية وفنية، كما أشار إلى ذلك الدكتور فلاح العبودي.