الأدب وقدرته على التنبؤ.. هل للرواية القدرة على استشراف المستقبل؟

استطلاع: بشاير السليمية

طرحنا سؤالا على مجموعة من النقاد العمانيين، عن مدى قدرة الرواية وإمكانياتها في استشراف المستقبل والتنبؤ به، وفي الشق الثاني من السؤال سألناهم فيما إذا كان ذلك ممكنا، فهل نستطيع بهذا الحكم أن نخرجها من قالبها السردي الأدبي إلى مهمة الصناعة؟ وفيما يلي نستعرض لكم وجهات النظر:

علاقة دقيقة


يقول الدكتور حميد بن عامر الحجري: “علاقة الزمن الروائي بالزمن الواقعي علاقة دقيقة ومعقدة، وبقدر ما تسعى الرواية إلى تحقيق زمنها الخاص، وإبداع عوالمها الخاصة، فإن صلتها بالزمن الواقعي لا تنبتّ مطلقا، وإنما تترسخ وتقوى، لاسيما في الحالات التي تنجح فيها في استشراف المستقبل، إذ إنها حينئذٍ ليست مجرد كاهنة أو عرافة قرأت في فنجان الواقع ما يختبئ في رحم المستقبل، وإنما ساهمت في صناعته بوجه من الوجوه، فروايات الخيال العلمي التي نرى نبوءاتها تتحقق واحدة تلو الأخرى، لم تكتب في كوكب آخر غير كوكبنا، حتى يمتنع تأثيرها عليه، وإنما كتبت في فترة زمنية مبكرة برؤية ثاقبة لروائيين عباقرة مثّلوا حلم البشرية فيما تطمح إلى بلوغه، وقد كُتب لهذه الروايات النجاح فقُرئت على نحو واسع، وتحولت إلى مادة سينمائية، وقد تلقف العلماء أحلام الأدباء فسعوا إلى تحويلها إلى حقائق ملموسة. طبعًا لم يكن السيناريو الواقعي للأحداث بنفس هذا التسلسل دائمًا، ولكن أيًّا تكن خلفيات النجاحات العلمية الباهرة، فلا يمكن إنكار أثر الرواية خصوصًا والأدب عمومًا في صناعة الواقع الذي نعيشه اليوم وليس مجرد استشرافه أو التنبّؤ به.
ولا يقتصر الأمر على الخيال العلمي، بل يتعداه إلى مختلف مظاهر الحياة. ثمة روايات تنبأت بأحداث سياسية: ثورات، كوارث، أوبئة. لقد قرأت تلك الأعمالُ الواقعَ البشري بعمق، وأدركت ما يعتمل فيه، وما سوف يتمخّض عنه، وكتبت ذلك في صورة أعمال روائية تؤسس عوالمها الخاصة. وبعد عقود من السنوات جاء تطور الأحداث الواقعية مطابقًا لما كان قد رسمه خيال روائي. وفي حقيقة الأمر لا يمكن الزعم هنا أن الروائي تنبَّأ فحسب، بل الحقيقة أنه ألهم ووجّه كذلك، وما تحقق على أرض الواقع بعد سنوات طويلة، سواء كان إيجابيا فيه خير البشرية، أو سلبيا فيه أذى لملايين البشر، إنما هو نتيجة تضافر عوامل عديدة من بينها بلا شك الأثر الذي صنعته تلك الأعمال الروائية (المتكهنة/المتنبئة) في عقول الناس الذين قرأوها رواياتٍ مطبوعة، أو شاهدوها أفلامًا سينمائية.
في الشق الثاني من السؤال أقول بثقة تامة إن الرواية وسائر الفنون القولية صناعات وليست مجرد هوايات يمارسها أفراد من الناس. إنها صناعات بالمعنى الدقيق للكلمة: أي أنها نتاجات تخضع لعوامل داخلية وخارجية يمكن تحديدها بدقة، ويمكن توفيرها عبر مؤسسات متعددة تعمل بشكل متناغم: بدءًا بالمؤسسات التربوية التعليمية، ومرورا بالمؤسسات الاجتماعية الثقافية، وانتهاءً بالمؤسسات الإعلامية التي تقطف ثمرة عمل المؤسسات السابقة وتحسن إظهاره وتسويقه”.

بين التنبؤ والعلمية


وقال أحمد الحجري: “يحمل هذا التساؤل قضيتين رئيسيتين الأولى: تتمحور حول قدرة الرواية على استشراف المستقبل والتنبؤ به، والقضية الثانية: مدى إمكانية الاستفادة من ممكنات الرواية في التنبؤ بالمستقبل في قيام صناعة علمية.
في الشق الأول من السؤال نحن نتحدث عن صنف معين من الروايات فقط – وليس الروايات جميعها- وهي الروايات التي تندرج تحت صنف الخيال العلمي أو الخيال السياسي أو روايات المستقبل بشكل عام بغض النظر عن الموضوع الذي تتناوله، وهنا يمكننا القول بكثير الاطمئنان إن الرواية شأنها شأن الفنون الأخرى كالشعر والمسرح والسينما قد تتضمن رؤى ومضامين تشي بأحداث قد تقع في المستقبل أو تستشرف معارف ووقائع وتصورات علمية أو سياسية، وهذا الأمر عائد بطبيعة الحال إلى عنصر الخيال الذي تتكئ عليه الرواية، فالروائي حين يكتب روايات مستقبلية فهو ليس عرافا أو مشعوذا لكنه يشتغل على ميكانزمات الرواية التي تتيح له رسم صور متخيلة للمستقبل بناء على معطيات واقعه الحالي.
إذن فالرواية المستقبلية قد تحمل في جعبتها تصورات علمية لشكل الحياة وتنبؤات لأحوال البشر اعتمادا على تفجر مخيال الروائي واشتغاله الدؤوب على معطيات المعرفة العلمية في واقعه، ولا نعدم أمثلة على ذلك في روايات جورج أورويل وجوناثان سويفت وهـ. ج. ويلز.
في مقابل ذلك لا يمكن الاستناد – من وجهة نظري- إلى رؤى وتصورات متخيلة في ذهن الروائي صاغها في قوالب سردية لنخرج بها في مهام صناعية أو نتائج علمية، فالصناعة أو المعرفة العلمية تستند في الأساس على بحوث ودراسات قائمة على المنهج العلمي الصحيح، وعلى درجة من اليقين المعرفي وليس على نبوءات ظنية لا تعدو كونها قراءة استشرافية للمستقبل وتخمينات نسبية قد تقع – وهو أمر وارد لكنه من قبيل الصدفة البحتة – وقد لا تقع وهو ما يؤكد طبيعة الفن الروائي المتخيل في اختلافه الجوهري عن طبيعة العلم القطعية، وهذا هو إجابة الشق الثاني من السؤال”.

فكر وفلسفة


فيما قال يوسف سليمان المعمري: “حينما نتحدث عن ممكنات الرواية وقابليتها في استشراف المستقبل والتنبؤ به، فهذا يعني ما تحويه الرواية من عمق فكري وفلسفي بل قد يكون علميا أحيانا.
مما لا شكّ فيه أن الرواية بإمكانها استشراف المستقبل والتنبؤ به وتزيد نسبة هذه الإمكانية كلما كان الكاتب واعيا ومدركا لكتابته، مستلهما التاريخ وقضايا وهموم المجتمع، وممسكا بخيوط فكرية وفلسفية شتى تبدأ من ذاته وأسرته ومجتمعه ووطنه وصولا إلى العالم، وقضايا الإنسان والوجود، وغير ذلك.
أما السؤال الآخر الأكثر حيرة وتعقيدا وهو هل يمكن للرواية أن تكون صناعة؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من الوقوف على شقين أساسيين هما:
الأول: ماهية الأدب الروائي.
الثاني: صناعة الأدب الروائي.
ربما نتفق بأن الموهبة لها دور أساسي في تحريك الفن الأدبي بشكل عام، ولذلك هل يمكن صناعة الأدب بشكله العميق والفريد لشخص أو مجتمع لا يملك القدرة على تركيب خيوط الفن الأدبي أو لا يملك قراءة الأدب بشكله المميز؛ لأن قراءة الرواية لا تقل أهمية عن كتابتها.
إذا غدت الرواية صناعة فيسكون حالها كحال أي صناعة وحرفة ومهنة، والإجابة كما أرى لا يمكن أن تكون الرواية صنعة كأي صنعة بل ستخرج الرواية من الفن إلى شيء أقرب إلى الحرفة التجارية والسوقية؛ لأن الفن الأدبي له مقومات أخرى لا يمكن أن تتأتى للذهن البشري بالصنعة والتدريب فقط.
الرأي السابق لا يعني أن الرواية لا يمكن أن تدخل فيها الصناعة بمعناها المعقول والمقبول، وقد تعمدتُ الحديث أولا عن الوجه المظلم لصناعة الأدب بشكل عام والرواية بشكل خاص.
كما أرى الصناعة تُؤتى لأهل الصناعة؛ ولذلك تعتبر صناعة الرواية مهمة للغاية في عالمنا الجديد، وممكنة أيضا، لكنها كما أرى يجب أن تبقى لأهل الدراية والخبرة؛ وأنا أقول هذا الرأي لأنني مقتنع من رأيي بأن الصناعة الأدبية بغير مَلَكة ومقومات الأدب وشعريته الرامزة غير ممكنة وهذا لا يمكن أن يتحقق كسلعة سوقية ليس لها شروط في متجرٍ ما.
وهنا سأضرب ثلاثة أمثلة لتوضيح رأيي أكثر بين (س) و (ص) و (ع).
(س): موهوب جدا في كتابة الرواية ولكنه لم يصنع من هذا الفن صناعة؛ فلم يطور من لغته وقراءاته وتقنيات السرد الأخرى فبقيت الموهبة كما هي.
(ص): متوسط الموهبة وطور نفسه وغدت الرواية صناعة لديه.
(ع): غير موهوب في كتابة الرواية ولكنه كان شديد الاهتمام بصناعة الرواية.
السؤال: أيهم سيحقق نجاحا ورواجا في صناعة الفن الروائي؟
أنا أرى بأن (ص) هو مَن تنطبق عليه شروط الصناعة أكثر من غيره؛ لأنه حقق شرطين؛ الأول مقومات الأدبية والشعرية والثاني مقومات الصناعة والدربة والمهنية بما فيها من تقنيات السرد المختلفة”.

تجارب الناس


ورأت الدكتورة عزيزة الطائية أن: “الرواية جنس أدبي يغوص في تجارب الناس وواقع الحياة معتمدة على لغة صاحبها الصادقة والمخلصة، ورؤية كاتبها على قراءة الواقع واستشراف المستقبل، علاوة على قدرته على التأثير على القارئ من جهة، ودفع عجلة الحياة بكل من تحمله من جهة ثانية.
والرواية كجنس أدبي استطاعت أن تؤسس حضورها اللافت في الساحة الأدبية العالمية، مما جعلها تسبر وضع الحاضر وتشخصه في مقابل رؤية فاحصة للمستقبل، كون الواقع بكل حيثياته قاصرا مع طموح الإنسان، وهذا الواقع المعيش يحتاج إلى استشراف إلى المستقبل ليتحقق فيه مع سيرورة الزمن أما التراجع أو الاكتمال. وهذا بلا شك ما يقوم به العمل الروائي ويجسده للقارئ والكاتب على السواء؛ كون خلود أي عمل أدبي يكمن في مدى قدرته على تجلي حيثيات المكان والزمان والإنسان بلغة جميلة فاحصة وأحداث تتناسل منها الفكرة بهدف صياغة عمل يخدم الإنسان والمجتمع. وهذا ما يجعل النص قادرا على بلورة ذلك لتحقيق خلوده، كون العمل الروائي به من فسحة السرد الكثير تمكن الكاتب من بلورة فكره وتجليه من خلال (تحول الزمن، وتنوع الأمكنة، وتعدد الشخصيات) مما سمح لكاتبه بالتعمق والولوج أكثر لمعطيات الحياة واستشراف المستقبل بما يمتلكه من حدس أثناء قراءة الواقع وصولا بالتنبؤ للتصورات المستقبلية والدليل على ذلك، هناك العديد من الروايات التي نجحت في استشراف المستقبل لعل أبرزها رواية جورج أورويل “1984” التي استطاع صاحبها استشراف الواقع السياسي لبريطانيا، رواية أخرى (عالم جديد لألدوس هاكسلي) ورواية الخيال العلمي (شكل الأشياء التي سوف تأتي) لـ(هج ويلز)، وعربيا (ثرثرة فوق النيل) لنجيب محفوظ، ورواية (الطاهر وطار الشمعة والدهاليز) و(مدن الملح) لعبدالرحمن منيف، فقد استطاعت هذه الرواية أن تستشرف المستقبل لواقع دول النفط، ومحليا أعد رواية عبدالعزيز الفارسي (تبكي الأرض.. يضحك زحل) اخترقت كل موروثات المجتمع العماني، واستشرفت المآل الذي سيكون عليه. من هنا نستطيع القول: إن الرواية الملهمة بكل أنواعها قادرة على دفع عجلة التحديث، ولكن الدراسات النقدية لم تستطع مواكبة تطور قوالب الرواية الجديدة بما فيهم النقاد والقراء الذين يترقبون قوالب جاهزة اعتادوا عليها.
إن الوقوف عند الأجناس السردية بأنواعها يحيلنا في العصر الراهن إلى واقعها، ومرونتها في صياغة قوالب جديدة، بما تحمله من ثيمات موضوعية وخصائص فنية مكنتها من السير بوعي فني وثقافي يمنح الرؤية إلى الواقع من منظور متحرك متفاعل، لا ساكن ثابت.
ولا شك أن سبل تطوير الرواية تكمن في ثلاثة: الكاتب نفسه، والناقد بأدواته، والمؤسسات الثقافية التي تعين الكاتب والنص بالدعم والترويج. فالدراسات النقدية غير قادرة حتى الآن على مواكبة تطور كتابة الرواية وتقبل التجريب فيها. ما أريد قوله إن الرواية ليست سلعة ولا تسلية، إنما هي فكر وثقافة ومبنى، قوام فني لها معطياتها وخصوبتها بالقوالب والتصاقها بقرائها ومحبيها، لذا علينا ألا نقيدها بالقوالب التقليدية الجاهزة، ولا بالموضوعات المستهلكة.
لذلك انفتحت الرواية الحديثة على أجناس عدة بين السرد والشعر: كالسيرة الذاتية، والقصيدة الحديثة، وغيرها، وتفككت قوالبها العتيقة، وأصبح لدينا: رواية خيال علمي، رواية بوليسية، رواية تراسلية، ورواية تربوية، ورواية ذات أدراج، ورواية سيرة ذاتية، رواية شخصية، ورواية فلسفية، رواية نهر، وغيرها. وأصبحنا كذلك نقرأ عن الشعرية في الرواية، وهذا ملحظ مهم في إثبات أن الرواية بها من المرونة التي تجعلها في العصر الحديث سيدة الأجناس.
أخيرا فصناعة الرواية متطلب عميق في عصرنا الحاضر للخروج من قوالب قيدتنا كثيرا، وليتحقق على الساحة كتابها المبدعون والمؤثرون والمجددون”.

بين التسلية والمعرفة


وقالت ابتسام الحجرية: “إذا كانت الرواية تعمل على ذلك، وتسعى إليه فإن ذلك – من وجهة نظرنا – يحولها من الجمال والتسلية والالتذاذ والمعرفة إلى عمل المتنبئين، ما يحدث لدى الكتّاب أنهم يقرؤون الأحداث وسيرورتها، وبالنتيجة لا يكون الأمر مستحيلا في معرفة سيناريوهات المآلات التي ستؤول إليها، ما يحدث في الرواية لعبة احتمالات بناء على معطيات معينة هذه المعطيات تحيل إلى واحدة من النتائج، فيرى البعض فيها استشرافا للمستقبل، والأصل أنها استنتاجات للحدث الذي تقوم عليه رواية ما، كما أن ما يحدث أحيانا أن عملا ما يكون ملهما لجماعة ما فتسير عليه، مستلهمة خططه وأفكاره ليكون ذلك العمل الأدبي بمثابة كتابها المقدس.
أما إذا سعى الروائيون إلى التحول إلى (كاهنات معبد دلفي) والعرافين، فإن ما سيكتب هو محض مبالغة تخرج بالنص إلى الافتعال، والصناعة، وبالنتيجة سيفقد الأدب أحد أهم وظائفه وهي البحث عن الجمال والتعبير عنه، لا ننكر أن هناك أحاديث عن نبوءة الشاعر ونبوءة الأديب لكنها محض استنتاجات، يقرأها الكاتب بناء على إعادة التاريخ لنفسه ضمن سيرورة دائرية، أو أن هناك ما نسميه بالخيال العلمي والجموح في الخيال تتم الاستفادة منه لأي غرض كان، وإلا فإن الأدب بمنأى عن كل ذلك”.