مرفأ قراءة… سؤال اللغة والتراث في نقد شكري عياد

إيهاب الملاح

  • 1 –
    كان الناقد والأكاديمي والمترجم الراحل، الدكتور شكري عياد (1921 – 1999)، رحمه الله، أحد أهم وأبرز الأصوات النقدية المصرية والعربية في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد انفرد من بين كل نقاد جيله من الكبار؛ بجهوده الكبيرة في استخلاص نظرية نقدية تتكئ على تطوير مبادئ علم اللغة وعلم الأسلوب، مستقاة من جذور التراث اللغوي العربي الأصيل بكل إنجازاته التي أبهرت علماء اللغة في العصر الحديث، وفي نفس الوقت لا تدير ظهرها للتطورات المذهلة التي شهدتها الدراسات اللغوية الحديثة، وعلوم اللسانيات والنقد والأدب عمومًا.
    لقد عالج المرحوم شكري عياد مشروعه النقدي الكبير أساسًا في سياق النقد الغربي؛ كأنه حوارٌ من داخل الثقافة الغربية، فكانت النتيجة هذه الثراء المدهش من متابعات الناقد الكبير لأقدم وأحدث منجزات تلك الثقافة. وقد ورد بالطبع ذكر بعض نقاد العرب القدامى والمحدثين في بحوثه ودراساته، ولكن من زاوية التشابه أو الاختلاف، وليس كجزء من الإطار المنهجي للبحث، وهو الإطار الذي تم فيه الحوار بين الباحث والنقد الغربي باقتدار عظيم. وهو حوار يقول عنه الناقد غالي شكري “يفيدنا الاطلاع عليه، ولكنه في إطار مشروع طموح لبناء أطروحة جديدة في النقد، يضعنا في سياق مغاير وفي محطة تبعد بنا عن بغيتنا شوطًا طويلًا”.

  • 2 –
    طرح المرحوم شكري عياد مشروعًا إبداعيًّا ونقديًّا وثقافيًّا شاملًا، امتد منذ الأربعينيات وحتى وفاته في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، وكانت له فتوحات نقدية ومعرفية في منتهي الجرأة والجسارة؛ إذ درس في مستهل حياته العلمية “وصف يوم الحساب والجزاء في القرآن الكريم”، ثم ترسخ تكوينه المعرفي والنقدي بدراسته التأسيسية لـ “تأثير منطق أرسطو في الثقافة العربية”، وكان صاحب معارك فكرية أصيلة في العقود الأخيرة من القرن العشرين.
    تخرج شكري عياد، في قسم اللغة العربية بكلية الآداب، ثم صار أستاذًا مرموقًا بين أساتذة القسم الأعرق بجامعة القاهرة، وفي مستهل حياته الأكاديمية، كان على شكري عياد، تلميذ الشيخ أمين الخولي أن يختار تخصصًا آخر غير الدراسات الإسلامية والقرآنية، حتى يستطيع الاستمرار بجامعة القاهرة فاختار موضوعًا للدكتوراه (تأثير كتاب الشعر لأرسطو في البلاغة العربية) بعد أن درس في الماجستير (تحليل مشاهد يوم القيامة في القرآن تحليلًا أسلوبيًّا)، وهي التي نشرت بعد ذلك في كتاب شهير بعنوان “من وصف يوم الدين والحساب في القرآن”.
    وفي دراسته تلك للنص القرآني انطلق عياد من مقولات شيخه وأستاذه أمين الخولي ليبين حقيقة الجمال القولي في الأسلوب القرآني، ومعرفة الفنون القرآنية، وكان رحمه الله ممن يستندون إلى ما قاله الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده بأن الثوابت والنصوص موجودة وقائمة، لكننا نختلف في التفسير.
    لكن، وبعد أزمة محمد أحمد خلف الله الشهيرة وكتابه “الفن القصصي في القرآن”، تم القضاء تماما على مدرسة “التفسير الأدبي للقرآن” بكلية الآداب جامعة القاهرة، ولم يعد هناك متخصص في الدراسات الإسلامية بالكلية، إلى أن ظهر بعد ذلك المرحوم نصر حامد أبو زيد، ودفع هو الآخر ثمن جرأته واجتهاداته العلمية بالنفي، وصدور حكم قضائي بالتفريق بينه وبين زوجه.

  • 3 –
    المهم، ورغم هذه القيمة الفكرية والثقافية الشاهقة لمشروع الناقد الكبير، فللأسف لم تضطلع جهة رسمية أو غير رسمية، بإعادة طبع ونشر أعماله الفكرية والنقدية والتنويرية، عدا ترجماته الرصينة لروائع الأعمال الأدبية في الثقافة الغربية (صدرت بعض ترجماته لأعمال أدبية عن المركز القومي للترجمة).
    ولهذا، فإن ما سعت إليه (دار التنوير) بالقاهرة، منذ عدة سنوات، باتفاقها مع ورثة المرحوم شكري عياد على إعادة طبع ونشر أعماله المؤلفة والمحققة والمترجمة، في طبعة جديدة منقحة، خطوة رائعة وممتازة تأتي لتسد فراغًا كبيرًا في المكتبة العربية، وقد استهلتها بكتابه المرجعي القيم “علم الأسلوب ـ مدخل ومبادئ”، وهو في أصله عبارة عن كتابين تم ضمهما في مجلد واحد، الأول هو “مدخل إلى علم الأسلوب”، والثاني “اللغة والإبداع ـ مبادئ علم الأسلوب العربي”.

  • 4 –
    في هذا الكتاب الجامع، يتضح السعي الدؤوب لعياد في البحث عن “الصفة” أو “العامل المهيمن” الذي يمنح العمل الأدبي “أدبيته”، محاولًا اكتشاف هذا العنصر الذي سماه “الأسلوب”، ومستخلصًا إياه من دراسة عميقة للغة وتصوراتها عند اللغويين والبلاغيين القدامى في التراث العربي، ومقارنًا إياها بالتصورات الحديثة لعلماء اللغة واللسانيات المحدثين.
    وقدّم عياد طرحا متماسكا ومنطقيا لقضايا تتعلق بالوظيفة الاجتماعية للأدب، والنوع الأدبي، ومنها ما يتصل أيضًا بما سماه “التفسير الحضاري للأدب”، لكن كل هذه القضايا والموضوعات تكاد لا تغادر المحور الرئيسي الذي بنى عليه معالجاته جميعًا، وهو مفهوم أو مصطلح “الأسلوب”. يكاد مصطلح “الأسلوب” في فكر شكري عياد النقدي يتوازى في مواضع كثيرة مع مصطلح “النوع الأدبي” في معناه العميق والأبعد، لا معناه الخارجي أو الظاهري فقط، بحسب ما التفت إلى ذلك عددٌ من دارسيه.
    يقول عياد في كتابه القيم إن: “الأسلوب كلمة واسعة مطاطة، ولكننا لا نقصد بها هنا طريقة اختيار الألفاظ وتركيب الألفاظ في الجمل، وتسلسل الجمل لتعبر عن الحركة اللحظية للأفكار. أو بنوع من القياس فإن الأسلوب بالنسبة إلى الكتابة كنبض القلب بالنسبة إلى الحركات الجسمية قد تعنف وقد تسرع وقد تبطئ ونبض القلب موجود دائما. يساير هذه الحركات الجسمية هدوءًا وعنفا وسرعة وبطئا، ويظل له مع ذلك اطراده وانتظامه وصفاته الخاصة من قوة أو ضعف وسلامة أو مرض، فكذلك الأسلوب، تتنوع أغراض الكلام وفنونه، والأسلوب هناك دائما يساير هذه الأغراض والفنون، ويتشكل بالأشكال المناسبة لها”.

  • 5 –
    وفي هذا يفارق عياد، نسبيًّا، المعنى الشائع لمصطلح “الأسلوب”، في أبسط مفاهيمه؛ وهو قدرة المتكلم على التصرف بالتركيب العربي، حذفًا وإضمارًا وتقديمًا وتأخيرًا، وغير ذلك من ممكنات وطاقات اللغة التي تتيحها لمستخدمها في مستوياتها الأعلى من الكلام، بالإضافة إلى قدرة اللغة على “التطور والتغيير واحتمال الدلالات المتجددة بالاشتقاق والنقل وغيرهما، ومهارة صانع النص والكلام في نقل الدلالات واستعارة الألفاظ لتؤدي مقصوده.
    يوضح عياد أن “علم الأسلوب” أو “الأسلوبية”، في الدرس اللغوي المعاصر، قد انبثقا من اللسانيات الحديثة التي ظهرت في الربع الثاني من القرن العشرين، ووُلدت على يدي “شارل بـالي” تلميذ اللغوي السويسري الشهير فرديناند دي سوسير، الذي اكتشف البنية القارة لأي نظام لغوي، ومؤسسا لمفهوم العلامة اللغوية، وبعد ذلك اتسع الخوض فيها وفي أُسسها وتحليلاتها في مجال الأدب والبلاغة، وكانت في ذلك كله مصدرا لتيارات لسانية وأدبية أخرى مثل “البنيوية” و”التفكيكية”، وتيارات ما بعد الحداثة..
    ويخلص إلى اعتبار الأسلوب بأنه “جملة الصيغ اللغوية التي تعمل عملها في إثراء القول وتكثيف الخطاب، وما يستتبع ذلك من بسط لذات المتكلم، وكشف عن سرائره، وبيان لتأثيره على السامع”.
    وتظهر الأسلوبية في التحليل الأخير كجسر ممتد بين اللسانيات والتاريخ الأدبي يهدف، مثل التاريخ الأدبي، إلى إثارة الاختزالية المتميزة للإبداعات الكبرى، والتي يكشفها بوسائل التحليل اللساني في النص الإبداعي، دون الرجوع إلى مرجعية المؤلف ومقاصده.‏
    فالأسلوب، إذن، هو الكاشف لنمط التفكير عند صاحبه، إذ يعبّر تعبيرًا كاملًا عن شخصيته، ويعكس أفكاره وصفاته الإنسانية، ويبيّن كيفية نظره إلى الأشياء وتفسيره لها وطبيعة انفعالاته، وغير ذلك مما يؤكد “الذاتية” أساسًا للأسـلوب.