نوافذ: قدوم الليل .. ماذا يعني؟

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
يقاس اليوم الزمني بـ (24) ساعة، موزعة بين ليل ونهار، خلال الفصول الأربعة طوال أيام السنة، فمرة يكون الليل أطول بكثرة في عدد ساعاته، وخاصة في أيام الشتاء، ومرة يكون النهار أطول بكثرة في عدد ساعاته، وخاصة في أيام الصيف، وفي ذلك حكمة لا يعلم كنهها إلا رب العزة والجلال؛ سبحانه وتعالى. يقال: “إن الليل حوار صامت مع الطبيعة” فعندما تسافر بفكرك في خضم الظلام الدامس، فأنت في حوار ذاتي، إما أنك تستحضر امتدادا خضريا لحقول ممتدة، صادتها كاميرة عينك في وضح النهار، فاختزنتها الذاكرة، أو مسطحا مائيا (بحارا وأنهارا) أو ارتفاعا علويا لجبال تعقد صفقة من السمو مع آفاق السماء، وقد تحاور السماء، وما تحتويه من نجوم وأقمار، ترى فيها هذه الآيات الكبرى لعظمة الله المتمثلة في عظمة الكون كله، وقد يذهب بك البعد الخيالي الخصب، لأن تستجلب مواقف وقصصا وحكايات؛ كانت تصرخ بانفعالات أصحابها يوم حدوثها، ولكنها اليوم هي ذكرى تضمها الذاكرة، وتختزنها كأحد الأرصدة المهمة جدا لك، ورصيد؛ هو بلا شك؛ رصيد معنوي مهم، وإن كان مؤلما في بعض مواقفه، وهكذا تستمرئ انت في هذه اللحظات، هذه المخاتلة الـ”ذاكرية” التي تغازلك بها ذاكرتك، وقد ذهب من الليل أكثره، وقد يغالبك النوم، فلا تدري إلا وقد أزف الصبح، حيث تبدأ دورة حياة أخرى لذاكرة تسجل حضورا آخر في عالم الحياة. يعرف عن الليل هدوؤه، وصمته، وتضخم خياله، ولعلنا جميعا نفر إلى الليل عندما يصدمنا النهار بحقائقه الماثلة، فالنهار هو الآخر قاس علينا إلى درجة الـ “صلف” فلا نتحمله، وكم نحلم بعودة الليل، حيث نفر إلى ذواتنا، لنعقد معها صفقات من الصفاء، ومن البوح، ومن التجلي، ومن الموضوعية، ومن الحيادية، فلا مجال في الليل بأن نمارس غوايات النهار، فأنت ونفسك فقط، ولا ثالث لكما كما نتعود في النهار، حيث الشراكة في كل شيء، وحيث المناورة في كثير من الأشياء، ومعهم التحايل، والخيانات المعنوية، والمادية، وأشياء أخرى تضمها النفس، لتؤرقك بها في الليل، عندما تستلمك في هذا الحوار الـ “منولوجي” الخاص، وتجبرك حينها على أن تدمع عيناك، وترتجف مفاصلك، وتكاد تتماهى، فلا يظل لك ذلك العنفوان من القوة، والهيبة، والشخصية الاعتبارية، والوجاهية، حيث تعود صغيرا، وصغيرا، وصغيرا جدا. أي سطوة لليل هذه التي يهاجمك بها، وأنت في كامل قوتك الذهنية، وكامل قوتك الجسدية، وكامل قوتك الميكانيكية، أي تنمر يحدث لهذه الساعات الطوال؛ تبدو لك أحيانا؛ لأنها تجلب لك مآسيك، ومآسي البشر من حولك، فتستعظم هذه الأحداث، وتؤرقك بتفاعلاتها المختلفة، وفي حالتك تلك تبدو ضعيفا، بسيطا، متخاذلا لا تلوي على شيء من قوتك، وعنجهيتك، وكل جحافل الحرس التي تحيط بك طوال الليل، لا تمثل لك شيئا في تلك اللحظات الصادقة مع نفسك، فأنت بحق؛ في محاكمة أسطورية لا مثيل لها، يصل بك الحال لأن يتعرق جسمك، وتستعظم حجم الذنب الذي ارتكبته طوال ساعات النهار، وقد يكون ما ارتكبته من ذنب لا يساوي كل هذا العناء الذي تعيشه في تلك اللحظات التي يقبض عليك الظلام بأيد من حديد، كما تشعر بذلك. ومن غرائب المفارقات – عند حضور النهار – يتمثل لك بيت الشعر: “كلام الليل مختوم بشمع؛ يذوب الشمع إذا طلع النهار” وكأن كل القصص والروايات التي عايشت ملحماتها في تلك الساعات المحدودة من عمرك الزمني، كأن شيئا لم يكن، وتعود إلى طبيعتك المعتادة تمارس كل غواياتك، وكل إخفاقاتك، وكل العبر والمواعظ التي انصدمت بها طوال ساعات الليل لم يعد لها أثر، وربما قد تقول: “سبحان الله ماذا حدث بالأمس” كأنه الحلم، فالأحلام هي الأخرى تداهمنا في حالات سكوننا، فتوقظ فينا قلق اللحظات.