ثقافة السلام!!

غادة الأحمد

لم يكن وباء كورونا وتداعياته الاقتصادية إلا إضافة بسيطة إلى معاناة الشعوب العربية التي أنهكتها الحروب ( سوريا ..اليمن ..ليبيا .. ) والأمور تتجه إلى ما يشبه المجاعة في هذه البلدان، بسبب استمرار العمليات العسكرية وفرض العقوبات الاقتصادية وتعطل برامج التنمية الاقتصادية وخسارة العملات المحلية لأرصدتها وقيمتها الشرائية. كل هذه الأسباب وغيرها كثير ينذر بأن مجموعة بشرية هائلة واقعون لا محالة تحت خط الفقر مما سيسبب كارثة إنسانية وشيكة الحدوث لن ينجو منها أحد.
هذا الذي يحدث أعادني إلى كتاب يبدو أن صاحبه كان يعيش هذا القلق المريع تجاه ما قد يحدث، الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز الذي عبّر في خطابه الثامن والمعنون بـ( كارثة ديموقليس) الذي ألقاه في اجتماع القمة الثانية لمجموعة الستة في المكسيك عام 1986، والمتضمن في الكتاب المعنون بـ (لم آتِ لألقي خطاباً) الصادر عن وزارة الثقافة – الهيئة العامة للكتاب لعام 2011 ترجمة صالح علماني بالقول: منذ ظهور الحياة على الأرض كان لابدَّ من مرور ثلاثمائة وثمانين مليون سنة كي تتعلّم الفراشة الطيران، وكان لابدّ من مائة وثمانين مليون سنة أخرى كي تتقن الطبيعة صنع وردة دون أن يكون لها هدف آخر سوى الجمال، وكان لا بدّ من أربعة عصور جيولوجية كي تتمكن الكائنات البشرية، خلافاً لجدّنا قرد بيتكانتروب من الغناء خيراً من العصافير، ومن الموت حبّاً، ومن غير المشرّف للعبقرية البشرية في العصر الذهبي للعلم، أن تتصوّر أنها عملية مكلفة وهائلة، تطلّب إنجازها ملايين السنين، يمكن لها أن ترجع إلى العدم الذي جاءت منه، بمجرد الضغط على زر.. نعم هكذا عبّر وحذّر من الخطر النووي الذي يجتاح العالم كطوفانٍ مميت، داعياً العالم إلى أن يعي خطورة ذلك قبل فوات الأوان.
(لم آتِ لألقي خطاباً) كتاب يضم مجموعة خطابات له قدّمها على منبر الحياة، خطاباتٍ عكست تطور وعيه في السعي جاهداً لامتلاك أدوات فعله الإبداعي، فما بين خطابه الأول (أكاديمية الواجب) عام 1944 والذي لم يكن يتجاوز السابعة عشرة من عمره آنذاك وخطابه الأخير (روح مفتوحة لتلقي رسائل بالقشتالية) عام 2007، وهو في الثمانين من عمره وما بينهما مراحل مهمة وكبيرة وخطيرة خبرها ماركيز وخبرته… خطابات الكتاب كلها جديرة بالوقوف أمامها وقفة نقدية تأملية، خصوصاً في خطابه الثامن (كارثة ديمو قليس) والتي يحذر بها من خطر وقوع كارثة كونية تهدد العالم بالفناء، كارثة قد تقع بأية لحظة لتمحو كل أثر للحياة على الأرض، لافتاً كيف نكدّس المليارات من الدولارات في سبيل امتلاك وتطوير أدوات القتل، بينما نبخل من جهة أخرى على تأمين لقاحات وعقاقير طبية لأنقى مخلوقات الله.. ملايين الأطفال يموتون بأمراض الملاريا و.. إلخ .
خطابٌ مهم للغاية يتوجب على العالم إعادة تناوله من جديد وبشكل دائم ليعوا خطورة ما نحن عليه، طالب من خلاله بضرورة الإسراع في إحلال السلام ونزع السلاح، خطاب عكس من خلاله تخوف وقلق الفكر الإنساني والوعي المعرفي الثقافي من تفشي ظاهرة التسلح على حساب إنسانية الإنسان مدعماً خطابه بالأرقام في مجالي الصحة والتربية والتعليم، فعلى سبيل المثال ما أورده في مجال الصحة : بكلفة 10 حاملات طائرات من نوع (نيميتز)، من الحاملات الخمس عشرة التي ستصنعها الولايات المتحدة قبل عام 2000 يمكن تحقيق برنامج وقائي يحمي أكثر من مليار شخص من مرض الملاريا، ويحول دون موت أكثر من أربعة عشر مليون طفل في أفريقيا وحدها.
لنتمعن في هذه الأرقام المخيفة، والتي لا تكلّف الإنسان إلاّ العودة وبمنسوب أخلاقي بسيط إلى ضرورات وجوده الكوني بصفته العقلية والمعرفية من جهة، وبصفته خليفة الله على الأرض من جهة أخرى، ويتخلى ولو قليلاً عن ضلالته وتجبره ونزوعه نحو حيوانيته في اختراع وابتداع كل صنوف القتل والتخريب والدمار.
أما في مجال التعليم فيورد: أنه وبقيمة غواصتين ذريتين نوع (تريدنت) التي تخطط حكومة الولايات المتحدة الحالية لصنع خمس وعشرين منها أو بعدد غواصات (تيفون) التي يبنيها (الاتحاد السوفيتي) يمكن لنا أن نواجه شبح الأمية في العالم، وصرف ما يلزم لإعداد المعلمين وتأهيلهم وبناء المدارس، وكل هذا لا يكلف تغطيته صنع بعض صواريخ (تريدنت 2) ويرى ماركيز أن المكان الطبيعي لهؤلاء العلماء ليس هناك وإنما هنا بيننا على هذه المائدة وتحريرهم واجب لابد منه كي يساعدوننا في مجالات التعليم والعدالة، وخلق الشيء الوحيد القادر على إنقاذنا من البربرية ألا وهو ثقافة السلام .
كلمة ماركيز هذه ما هي إلا صرخة مدويّة في وجه العالم القبيح، ورفض الحرب وأدواتها وما ينتج عنها من كوارث إنسانية أقلها الجوع وأكثرها فناء هذا العالم.