إيهاب الملاح يكتب:”فيدريكو كورينتي”.. شاهدٌ نبيل على تحاور الحضارات

إيهاب الملاح

-1-

“… هذا (ديوان ابن قزمان القرطبي)؛ في تحقيقٍ عربي يردُّ هذا الكتاب للمرة الأولى لجمهوره العربي، على النمط العربي من أولى صفحاته إلى آخرها، على خلاف المحاولتين السابقتين، قد قدمه ابن الأندلس إلى إخوانه العرب تقدمةً بسيطة، يرجو بها مقابلة بعض الفضل الذي أنعم به أسلافهم على أرضه..”

(من تقديم المستعرب الإسباني الكبير فيدريكو كورّينتي لأوِّل تحقيقٍ بالحرف العربي من ديوان ابن قزمان القرطبي المسمَّى «إصابة الأغراض في ذكر الأعراض»)

-2-

في العام 1996 عُقدت في القاهرة ندوة علمية كبيرة (حضرها كبار المثقفين والمبدعين المصريين وكان منهم شاعر العامية الراحل عبد الرحمن الأبنودي)، استضافت فيها آنذاك المستشرق الإسباني الكبير فيدريكو كورينتي الذي حقق ديوان أبي بكر محمد بن قزمان؛ إمام زجالي الأندلس، وأشيعهم ذكرًا وأبعدهم أثرًا؛ المشهور بابن قزمان القرطبي المتوفى (555 هـ ـ 1160م)، ونشره في طبعة عربية منقحة ومدققة؛ صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة عام 1995؛ بعد محاولتي تحقيقٍ لنشر هذا الديوان بالحرف اللاتيني في إسبانيا على يدي مستشرقين سابقين، ونال الكتاب آنذاك جائزة أفضل كتاب في مجال تحقيق التراث ونشره، في معرض القاهرة الدولي للكتاب العام 1996.

كان صدور هذا التحقيق المبهر حدثًا علميًّا كبيرًا آنذاك؛ خاصة أن هذا الديوان النادر ظلّ دون تحقيق عربي كامل منذ العثور عليه في الربع الأول من القرن التاسع عشر، وكان رائد الدراسات الأندلسية؛ الراحل الكبير عبد العزيز الأهواني قد أولاه عناية خاصة، وقد كان أول من يكتب بالعربية دراسته المرجعية عن «الزجل في الأندلس»، ودراسته لأزجال ابن قزمان، وكتب الكثير من المقالات والدراسات حول الديوان وصاحبه، وقام بالاضطلاع فعلا بتحقيقه وكاد أن ينتهي منه لولا أن حالت وفاته دون ذلك.

وخاض الأهواني مُساجلاتٍ علمية رفيعة مع المستشرق الإسباني الكبير جارثيا جوميز؛ صاحب المحاولة الثانية لتحقيق الديوان ونشره؛ وتشرع حاليا دار المعارف المصرية، منذ حوالي العام، في إعداد هذه المساجلات الممتازة للنشر في كتابٍ يصدر عنها بالتعاون مع مركز جامعة القاهرة للغة والثقافة العربية؛ بعنوان «على هامش ديوان ابن قزمان الأندلسي»؛ أو (مناظرة عبد العزيز الأهواني وجارثيا جوميز)؛ حرره الدكتوران خيري دومة وفهر شاكر، وقدمه المرحوم الدكتور سليمان العطار، وراجعه نصيا وتحريريا ويشرف على طباعته، كاتبُ هذه السطور.

وهذا الكتاب هو الأول من سلسلة (من تراث عبد العزيز الأهواني) التي يزمع جامعو تراث الأهواني نشرها تباعًا.

-3-

نعود إلى ديوان ابن قزمان، ومحققه الإسباني العلّامة فيدريكو كورينتي (1940 – 2020) الذي رحل عن عالمنا منذ أيام قليلة عن 79 عاما؛ وأثار خبر وفاته صدمة كبيرة وحزنا عمّ أرجاء العالمين العربي والإسباني؛ فقد كان كورينتي آخر المستعربين الإسبان العظام من الجيل الذهبي؛ وهو صاحب أشهر قاموس مفردات في اللغتين الإسبانية والعربية معًا، وتتلمذت على يديه أجيال وأجيال في مصر والعالم العربي.

وقد كان عضوا بالمجمع اللغوي الملكي الإسباني، وعضوا مراسلا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، فضلاً عن كونه من المعدودين في العالم المشهورين بعبقريتهم اللغوية المعجزة، وإجادته الفائقة المذهلة لعددٍ من اللغات الحية والميتة (كان يجيد العربية والفارسية والعبرية؛ ومن اللغات الأوروبية غير الإسبانية الإنجليزية والفرنسية والإيطالية)، هذا بالإضافة إلى كونه أهم مستعرب إسباني في العقود الأخيرة و”من أفضل من رأيناه من المستعربين يتحدث العربية بلهجاتها الفصحى والعامية”، على الإطلاق.

-4-

اسمه بالكامل “فيديريكو كورينتي کردبه”، ويوضح المرحوم محمود علي مكي دلالة الاسم فيقول “الأسماء الإسبانية دائما تحتفظ باسمي عائلة الأب، وعائلة الأم. أحد هذين الاسمین هو کردبه أي قرطبة، وهذا يدل على صلته بقرطبة عاصمة الخلافة الأموية القديمة بالأندلس، التي كانت أيضًا هي مسقط رأس ابن قزمان نفسه”.

أما ارتباط فيديريكو كورينتي بالثقافة العربية فقديم منذ كان في سنوات شبابه الباكرة؛ يكشف بعض تفاصيله أستاذه العلامة الراحل محمود علي مكي: “أذكر فيديريكو حينما كان طالبا في كلية الآداب بجامعة مدريد في العقد السادس من القرن العشرين، وبالتحديد في النصف الثاني من الستينيات، وقد كان أمرًا مذهلًا حينما تعرفت به، فإذا به، وهو دون العشرين من عمره، يجيد اللغة العربية كتابة وقراءة، بل إنه کان ينظم الشعر بالعربية. وكان هذا أمرًا مذهلًا للجميع. إلا أنه كان باحثًا أيضًا. وقد تمكن، في أثناء دراسته اللغات السامية، من إتقان عدد من اللغات السامية الحية والميتة، ولذلك فإنه بعد تخرجه كنا نتنازعه. كان قسم اللغة العربية وأقسام اللغات السامية الأخرى يتنازعون على فيديريكو يريدون أن يستأثروا به، وكان من حظنا أنه اختار الدراسات العربية”.

-5-

عقب تخرجه مباشرة؛ عين كورينتي مديرًا للمركز الثقافي الإسباني في مصر، حيث قضى ثلاث سنوات اتصل في أثنائها بالأوساط الأدبية في مصر، وأتقن اللهجة المصرية، ثم بعد ذلك سافر إلى العديد من البلدان، فذهب إلى الولايات المتحدة ليدرس في جامعة بنسلفانيا اللغات السامية إلى جانب اللغة العربية، وسافر إلى المغرب أيضًا حيث أتقن لهجات المغرب العربي بتفاصيلها الدقيقة، وهذا يصور اهتمامه الكبير باللغويات العربية، وباللغة العربية الفصحى التي ترجم عنها المعلقات الجاهلية، ثم بعد ذلك ترجم إلى الإسبانية رواية توفيق الحكيم الشهيرة «عودة الروح»، وقد ترجم أيضا رواية لنجيب محفوظ ونقل عددا كبيرا من الآثار الأدبية باللغة العربية إلى الإسبانية.

واتسعت دراساته بعد ذلك في اللغة وفي الأدب العربيين، ولا سيما في الأندلس، فأخرج دراساتٍ من الصعب حصرها؛ إذ تشمل عشراتٍ من الكتب والمقالات المتعلقة بمجالات وموضوعات كثيرة في اللغة وفي الأدب، واهتم بصفة خاصة بالشعر الدوري، كالموشحات والأزجال التي كان الأندلسيون مبتكریها، والتي انتقلت إلى المشرق، وأثرت تأثيرا كبيرا في آدابنا المشرقية.

-6-

تناولت دراسات فيديريكو كورينتي اللغة الأندلسية القديمة بصفة خاصة، فأخرج عديدًا من الأبحاث حول “الموشحة”، وبالأخص “الخرجة” التي تعتبر العنصر الرئيسي والمشكل في بناء الموشحة الأندلسية، وضم إلى ذلك أبحاثه أيضًا عن الزجل.

ويعرف دارسو الأدب العربي والأدب الأندلسي خاصة أن ابن قزمان -هذا الشاعر الكبير، والزَّجَّال الأندلسي الذي كان مبتكرًا- هو الزَّجَّال الوحيد الذي وصل إلينا دیوانه شبه كامل، وقد كان اهتمام المستشرقين به كبيرًا، ولكنهم كانوا يعتبرونه تراثا أوروبيا أكثر منه عربيا، ومن أجل هذا فقد كانت نشرتا المستشرقين نیکل وجارثيا جوميز بالحروف اللاتينية وليس العربية.

أما كورينتي فإنه اهتم بنشر الديوان بحروف عربية، ليس لمجرد أن الديوان كان مكتوبًا بالعربية فقط، وإنما لمحاولة رد الاعتبار للغة العربية وللهجاتها المختلفة؛ ثم إنه يفتح مجالا للدارسين بالعربية، الذين لا نعرف منهم أحدًا قبل المرحوم عبد العزيز الأهواني؛ فقد كان هو الوحيد في العالم العربي كله الذي اهتم بابن قزمان، ودارت مساجلات علمية دقيقة (كما أشرنا آنفا) حول ديوان ابن قزمان، بينه وبين جارثيا جوميز على صفحات مجلة (المعهد المصري للدراسات الإسلامية) في مدريد، وعلى صفحات مجلة (الأندلس) الإسبانية.

ثم قام كورينتي بإعادة النظر في الديوان كله مرة أخرى، وصحح كثيرًا فيه، حتى إنه صحح نفسه أيضًا؛ وصحح الطبعة الأولى التي صدرت في سنة 1980 في مدريد عن المعهد الإسباني العربي للثقافة، وأضاف إليها إضافات كثيرة، حتى أخرج لنا هذا الديوان في صورته الأخيرة التي ظهر بها في المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، عام 1995؛ بحروفه العربية وبوجهه المشرق المضيء، وكما كتبه وكما قاله صاحبه ابن قزمان القرطبي..