الموت خوفا من كورونا

تومسيلاف ميهاليفيتش وجــــانريكـــوه فـــاروجا –
نيويورك تايمز –
ترجمة:قاسم مكي –

لقد غيَّرت جائحة كوفيد-19 ممارسةَ الطب بطرائق جذرية خلال أشهر قليلة فقط. فالطب أو التطبيب «عَن بُعد» مثلا سمح لنا بالتحول بسرعة من العناية بالمريض في حضوره (مقابلة المريض شخصيا) إلى العناية الافتراضية (التواصل معه عبر الهاتف أو الإنترنت). لذلك لم ننقطع عن تقديم الرعاية الضرورية لمرضانا وفي ذات الوقت عززنا التباعد الاجتماعي وقللنا من مخاطر انتشار الفيروس واستجبنا لمخاوف المرضي.
مات أكثر من 100 ألف أمريكي من كوفيد-19. إلى جانب هذه الوفيات هنالك ضحايا آخرون للجائحة. إنهم الأمريكيون الذين يعانون من أمراض خطيرة لكنهم تجنبوا الذهاب إلى الأطباء لأنهم خشوا من الإصابة بفيروس كورونا في المشافي والعيادات. وربما أن عدد الوفيات بينهم قريب من إجمالي الوفيات من كوفيد-19.
ما يحدث في هذا الجانب واضح ومثير للقلق. نعم نجحت الأوامر الحكومية بالتزام البقاء في البيوت وقرارات مسؤولي الرعاية الصحية بتأجيل المراجعات الطبية غير الضرورية في منع انتشار الفيروس. لكن هذه السياسات (التي صارت أكثر تعقيدا بفقدان العاملين لغطاء الضمان الصحي من المخدِّمِين بعد أن خسروا وظائفهم) نجم عنها أثر غير مقصود. إنه تأجيل العلاج لبعض المرضى الذين يشتد بهم الداء.
لذلك وللحيلولة دون المزيد من الضرر يجب على الأشخاص الذين يشكون من أمراض خطرة ومعقدة وحادة مراجعة الأطباء لتلقي الرعاية الضرورية.
شهدنا حول الولايات المتحدة انخفاضا كبيرا في تشخيص حالات السرطان الجديدة (45%) والنوبات القلبية (38%) والسكتات الدماغية (30%). كما تقلصت مراجعات المرضى لأقسام الطوارئ بنسبة تصل إلى 40%. لكن الإجراءات التي يتقرر بموجبها مدى حدة المرض الذي يعاني منه مراجعو هذا الأقسام زادت بنسبة 20%، حسب دراسة أدارها مستشفى مايو كلينيك. وهذا ما يشير إلى أي حد يمكن أن يكون تأخير العلاج مؤذيا.
في الأثناء زاد عدد الوفيات التي لا علاقة لها بكوفيد-19 خارج المستشفيات فيما تناقصت هذه الوفيات داخلها.
كما توضح الأرقام الإحصائية أن مرضى السرطان لا يحصلون على الفحوصات الضرورية وأن من لديهم أعراض نوبات قلبية وسكتات دماغية يمكثون في البيت في أثناء «المهلة الحاسمة» للتدخل العلاجي والتي يتعذر بعدها تلافي ضررها.
في الحقيقة وحسب استطلاع للرأي أجرته مؤخرا كل من الكلية الأمريكية لأطباء الطوارئ وشركة أبحاث البيانات مورننج كونسلت، يقول 80% من الأمريكيين أنهم يخشون من التقاط فيروس كورونا عند مراجعة أقسام الطوارئ. والمؤسف أننا شهدنا «بِأُمِّ أعْيُنِنَا» نتائج مؤلمة لتأجيل العلاج.
فمؤخرا انتظر مريض متوسط العمر ويعاني من ألم في المعدة خمسة أيام قبل أن يهرع إلى قسم الطوارئ في مستشفى مايو كلينيك طلبا للعلاج. لكنه قضى نحبه بسبب انسداد في الأمعاء. وعلى نحو مماثل لذلك تأخرت امرأة في الذهاب للمستشفى لأسابيع خوفا من كوفيد-19 قبل نقلها إلى وحدة العناية المكثفة بمستشفى كليفلاند كلينيك. وجد الأطباء أنها تعاني من لوكيميا لم تُشخَّص من قبل. ماتت المريضة خلال أسابيع من ظهور أعراض هذا المرض (سرطان الدم) عليها. وكان من الممكن للتدخل الطبي المبكر إنقاذ حياة هذين المريضين.
لا يمكن حساب التكلفة الحقيقة لهذه الجائحة بالدولار ولكن بحياة الناس ومعاناة البشر. ففي حالة مرضى السرطان فقط توضح حساباتنا أن هنالك احتمالا لحدوث ربع مليون وفاة «يمكن تجنبها» سنويا في حال عدم استئناف تقديم الرعاية الطبية المعتادة. كما يمكن أن تكون النتائج مماثلة لأولئك الذين يتجاهلون تلقي العلاج من النوبات القلبية والسكتات الدماغية.
خلال الأربعة أشهر الماضية أجَّلت المستشفيات تقديم الخدمات الطبية غير الضرورية بهدف الحيلولة دون انتشار الفيروس وللحفاظ على معدات الوقاية الشخصية التي تمَسُّ الحاجة إليها وإعداد المستلزمات المطلوبة لمواجهة الزيادة المتوقعة في أعداد المصابين بكوفيد-19.
وفي أثناء هذه الفترة تَبَنَّينا أيضا طرائق للعناية الآمنة بكل المرضى. شمل ذلك إجراء فحوصات قياسية يومية للعاملين وبروتوكولات قناع الوجه للمرضى والعاملين في المستشفى والعيادة. والآن نعود تدريجيا إلى أنشطتنا المعتادة وفي ذات الوقت نقلل من المخاطر على المرضى والعاملين معا.
لقد غيَّرت جائحة كوفيد-19 ممارسةَ الطب بطرائق جذرية خلال أشهر قليلة فقط. فالطب أو التطبيب «عَن بُعد» مثلا سمح لنا بالتحول بسرعة من العناية بالمريض في حضوره (مقابلة المريض شخصيا) إلى العناية الافتراضية (التواصل معه عبر الهاتف أو الإنترنت). لذلك لم ننقطع عن تقديم الرعاية الضرورية لمرضانا وفي ذات الوقت عززنا التباعد الاجتماعي وقللنا من مخاطر انتشار الفيروس واستجبنا لمخاوف المرضي.
زاد عدد المراجعات الافتراضية للمرضى في كليفلاند كلينيك ومايو كيلينيك من عدة آلاف في الشهر قبل الجائحة إلى مئات الآلاف الآن. وشملت طيفا واسعا من الفئات السكانية والحالات المرضية. ففي مستشفي كليفلاند كلينيك حصل حوالي 94% من مرضى السكري على الرعاية الطبية عن بُعد في شهر أبريل.
وفي حين أن المراجعات الافتراضية وُجِدَت لِتَبقَى إلا أن هنالك حدودا واضحة لها. فعند اشتداد المرض أو تهديده لحياة المريض لا بديل عن التطبيب المباشر (مقابلة الطبيب). هؤلاء هم المرضى الذين عليهم (حتى وسط هذه الجائحة) طلب علاجٍ لا غِنَى لهم عنه. يجب أن يعلم المرضى المحتاجون إلى تلقي العلاج في عيادة أو مستشفى أو مكتب الطبيب أنه قد تم التقليل من خطر تعرضهم إلى الإصابة بكوفيد-19 بفضل تحوطات مجربة للسيطرة على العدوى اتخذت بناء على إرشادات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها.
من جانبنا، نتقيَّد بإجراءات غير مسبوقة مثل تحديد ساعات المراجعة وفحص درجة حرارة المريض والمعالج عند مداخل المستشفى وتشجيع الموظفين على العمل من البيت ما أمكن ذلك وتوفير المساحات التي تمكِّن من التباعد الاجتماعي والإلزام بالغسل الصحي للأيدي والتقيد بأتيكيت السعال وارتداء قناع الوجه.
كل هذه الإستراتيجيات القصد منها التقليل بدرجة كبيرة من المخاطر مع إتاحة الرعاية الحيوية والعالية الكفاءة لمرضانا. لن يختفي فيروس كورونا المستجد قريبا. لكن يجب أن تختفي آثاره المتمثلة في الخوف وتأجيل طلب الرعاية الصحية.
سنواصل الاهتمام اليقظ بكوفيد- 19 وفي ذات الوقت التعامل مع الأمراض القاتلة الأخرى التي لم ولن تتوقف أثناء الجائحة.
نرجو من المرضى الذين يعيشون أوضاعا صحية تتطلب التطبيب المباشر أن يسمحوا للأطباء بتقديم العناية الآمنة لهم وألا يؤجلوا مراجعتهم. فصَونُ حياتِهم يعتمد على ذلك.