السرد الشعري والتلاعب بالزمن في «جبرين وشاء الهوى» لسعيد السيابي

«عمان»: قدم الروائي والأديب المصري إبراهيم عبدالمجيد تحليلا فنيا وأدبيا حول رواية الدكتور سعيد السيابي، والتي عنونت بـ «جبرين وشاء الهوى» الصادر عن مؤسسة بيت الغشام. وقال إبراهيم عبدالمجيد حول رواية «جبرين وشاء الهوى»: ما زلت أبحر في بحار عمان وأرسو في شواطئها، هذه المرة في رواية «جبرين- وشاء الهوى- لسعيد بن محمد السيابي، هذه أول رواية له، لكنها ليست أول أعماله الفنية، فهو دكتور في المسرح والثقافة الشعبية وكتب مسلسلات درامية لإذاعة وتلفزيون عمان وله مجموعتان قصصيتان هما «رغيف أسود» و«أحلام الإشارة الضوئية»، كما له دراسات أدبية عديدة، أهمية هذه المقدمة أن إنتاجه الإذاعي أكثر مما قد يشي أني سأجد أثرا له في هذه الرواية. وأعني بالأثر الحوار والتلاعب بالزمن. إلا أني وجدت النص الروائي مخلصا جدا لفن الرواية السرد، فالحوار قليل جدا. جُمل متناثرة بين المونولوجات الطويلة، كما أنه ونحن أمام بطلين رئيسيين للعمل جعل الرواية قسمة بينهما، فصل لكل منهما. المعتاد أن يتحدث أحدهما نصف الرواية ثم يقابله الآخر بالنصف الثاني، لكن هنا الأمر اختلف وربما نجد هنا أثر السيناريو، لكن الصورة الفنية التي تجنح كثيرا إلى الشعرية تجعلنا نرى السرد الروائي أكثر وتبدو طبيعية. ما يحرك البطلين هو الحب المفتقد الذي اشتعل فجأة بعد أن تجاوز كل منهما الأربعين من عمره. البطل تزوج لكن فقد زوجته منذ خمسة عشر عاما، البطلة لم تتزوج فحياتها كانت ملك أبيها الذي رفض ذلك دائما. في السرد عودة إلى حياة كل منهما مع عائلته من الجد إلى الأعمام إلى الأم إلي الأخوة بسرعة كبيرة وبعبارات موجزة. هو من عمان وهي من زنجبار العمانية طبعا يجمعهما سفرة لها إلى عمان مع أبيها وأخيها أما هو فهو حارس لقصر جبرين الذي يرفض أن يسميه بالحصن وهو أثر تاريخي عريق. القصر يأتي بالسعادة والحصن قد يشي بالرعب وهو اختار السعادة. رآها مرة في زيارة للقصر وهي رأته والأمل لديه كبير جدا أن تكون هي زوجته لكن السرد الشعري يجعلهما أقرب إلى الخيال ويجعل حياتهما هي الواقع. كل فصل بضمير المتكلم لكل منهما ويتقابلان. لكن لا لقاء يتم كاملا. هناك دائما نحس يجعلك تضحك أحيانا فإما أن يموت جده أو تحدث إجازة بالعمل أو يموت والدها بعد أن أسرّ لها برغبته في الزواج منها فتترك عمان عائدة إلي زنجبار. كل نحس سابق عابر لكن موت والدها نهائي. المهم أن اللقاء لا يكون إلا مثل نسمة وسط شوق عارم. حين يموت أبوها وتسافر إلى زنجبار موطنها الأصلي يسافر وراءها لا يعرف مكانها، وكما كانت تبدو له كطيف دائما تظهر له كطيف ولا يقابلها أبدا. يراها بعيدا في المطار ولا يصل إليها ولا نعرف إلى أين تذهب؟ وهل ستكتمل القصة أم لا؟ الأغلب إنهما إذا التقيا بعد الرواية سيفترقان! لن يفارقا منطقة الهوي! رغم أن هذا الطيف من قبل جاء منه سائق تاكسي برسالة ورغم أنها عرفت بذهابه إليها في المستشفى ورغم أنه رآها وتاهت منه فيها لكن يبدو الأمر كله حلم ممتد. ما الذي يحرك الرواية؟ الهوى. ورغم أن القصر كان يمكن أن يبتلعهما أو يضمهما إلا أنهما دائما ما يخرجان منه. يتأنى في الحديث لها عن نشأة القصر وسحره والإمام الحاكم الذي بناه وصراع أخيه معه وموته بشكل يجسد المكان ويجعله أقرب إلى الخيال الجميل تماما كبحثه عنها أو رؤيته لها كنهاية للعالم القديم ورؤيتها له كنهاية لتعاستها. لغة الرواية الساحرة تجعلك تمشي مع الهوى وأمل الروحين اللذين حاصرتهما ظروف كثيرة من تاريخ العائلتين وفي حديث كل منهما عن حياته عشرات العبر والخلاصات الإنسانية تتناثر ولا تشكل عبئا فنيا علي القارئ رغم ما تشي به من أفكار. لماذا؟ لأنها تتدافع موجَزة. يحدث أن تتلاقى الشخصيتان بضمير المتكلم في فصل دون فواصل فأدركت أن الروحين صارتا روحا واحدة لكنها خدعة فنية فينفصلان في الحديث من جديد كنذير للنهاية. هل هي القلعة التي جذبت البطلة لتكون مثلها سحرا أم هي الروح التي اشتاقت للهوي بعد سنوات من الوحدة أم هو الحارس القديم أسير المكان لا يري شيئا بعيدا عنه. لا يختلف الأمر. وسنمضي مع عمان وسحرتها من الكتاب ومع شخصياتها المسحورة في أعمال قادمة.