الوباء والنظام السياسي.. الأمر بحاجة إلى دولة

فرانسيس فوكوياما
ترجمة أحمد شافعي

 

للأزمات الكبرى تبعات كبرى، لا يمكن التنبؤ بها في العادة. فالكساد الكبير أتى بالانعزالية والقومية والفاشية والحرب العالمية الثانية، لكنه أدى كذلك إلى “الصفقة الجديدة” [أي إصلاحات فرانكلين روزفلت المالية والسياسية فيما بين 1933 و1939] وصعود الولايات المتحدة كقوة عظمى ثم قاد أخيرا إلى إنهاء عصر الاستعمار. وهجمات الحادي عشر من سبتمبر أنتجت تدخلين [عسكريين] أمريكيين فاشلين، وصعود إيران، وأشكالا جديدة من التطرف الإسلامي. وأزمة 2008 المالية ولّدت فورة في الشعبوية المناهضة للمؤسسة فاستبدلت رؤساء في شتى أرجاء العالم. ولسوف يعثر مؤرخو المستقبل في وباء فيروس كورونا الحالي على جذور لآثار لا تقل جسامة عن ذلك، ولكن التحدي هو في تبين تلك الآثار قبل وقوعها.
واضح لنا بالفعل لماذا جاء أداء بعض الدول أفضل من بعضها في التعامل مع الأزمة حتى الآن، وثمة أسباب كثيرة للظن بأن هذه النزعات سوف تستمر. لا يرجع الأمر إلى نوع النظام الحاكم. فبعض الدول الديمقراطية أدت أداء حسنا، لكن دولا ديمقراطية أخرى لم تحسن الأداء، ومثل هذا ينطبق على دول استبدادية. ولقد كانت العوامل المسؤولة عن النجاح في التعامل مع الوباء هي قدرة الدولة والثقة الاجتماعية والقيادة. فالبلاد التي توافرت لها العناصر الثلاثة ـ من جهاز دولة كفء، وحكومة يثق فيها المواطنون ويستمعون إليها، وقيادات فعالة ـ أدت أداء مبهرا قلّل من الضرر الذي عانته. والبلاد ذات أجهزة الدولة القاصرة أو المجتمعات المستقطبة أو القيادات المتواضعة جاء أداؤها متواضعا تاركا مواطنيها واقتصاداتها مكشوفة للخطر ومعرضة له.
كلما ازداد ما نعرفه عن كوفيد 19 والمرض الذي يتسبب فيه فيروس كورنا المستجد، رجح لدينا أن الأزمة سوف تطول حتى تقاس بالسنين بدلا من أرباعها. من الواضح أن الفيروس أقل فتكا مما كنا نتخوف، لكنه سريع الانتقال وغالبا ما يكون انتقاله غير مصحوب بأعراض. قد يكون إيبولا فيروسا شديد الفتك لكنه لا يعدي بسهولة، إذ تموت ضحاياه بسرعة قبل أن يتسنى لها نقله. كوفيد 19 نقيض ذلك، بما يجعل الناس تميل إلى عدم التعامل معه بالجدية الواجبة، ولذلك فإنه ينتشر وسوف يستمر في الانتشار باتساع في أنحاء العالم، متسببا في أعداد وفيات هائلة. فلن تأتي لحظة يتسنى فيها للبلاد أن تعلن الانتصار على المرض، بل إن الاقتصادات سوف تنفتح ببطء وحذر وتقدم تبطئه موجات تالية من العدوى. ومن هنا فإن الآمال في تعاف سريع تبدو إفراطا في التفاؤل. إذ الأرجح أن يكون التعافي بطيئا ذا منحنى طويل يميل إلى الصعود أو يمر بسلسلة من الارتفاعات والانخفاضات. ولذلك لن يرجع الاقتصاد العالمي إلى الحالة التي كان عليها قبل كوفيد في أي وقت قريب.
إن طول أمد الأزمة يعني من الناحية الاقتصادية مزيدا من الإخفاقات والدمار لصناعات كالمراكز التجارية وسلاسل التجزئة والسفر. وإذا كانت مستويات تركز الأسواق في الاقتصاد الأمريكي قد شهدت صعودا مطردا طوال عقود، فسوف يزيد الوباء هذه النزعة صعودا. ولن تقوى غير الشركات الكبيرة ذات الجيوب العميقة على عبور العاصفة، وستكون الأربح على الإطلاق هي شركات التكنولوجيا العملاقة، في ظل اكتساب التواصل الرقمي أهمية على أهميته.
وقد تكون التبعات السياسية أكثر أهمية. فمن الممكن لبعض الوقت أن يدعى المواطنون إلى أعمال بطولية قائمة على التضحية الجماعية بالذات، لكن ليس إلى الأبد. فحينما يجتمع طول أمد وباء مع فقدان كبير للوظائف وركود طويل وعبء دين غير مسبوق، فإن ذلك المزيج سوف يخلق حتما توترات تتحول إلى ردَّة سياسية ليس واضحا بعد على من ستكون هذه الردة.
سوف يستمر التوزيع العالمي للقوة في التحول باتجاه الشرق، بما أن شرق آسيا أكفأ في إدارة الموقف من أوربا والولايات المتحدة. برغم أن الوباء نشأ في الصين وأن بكين أخفت أمره في أول الأمر وسمحت له بالانتشار، فالصين سوف تستفيد من الأزمة، ولو استفادة نسبية على أقل تقدير. ولقد حدث أن أساءت بعض الدول الأداء في البداية ثم حاولت أن تداري ذلك بصورة أكثر سفورا وتبعات أشد إهلاكا على مواطنيها. أما الصين فقد استطاعت على الأقل أن تسترد سيطرتها على الوضع وهي تتحرك حاليا إلى التحدي التالي، أي الرجوع باقتصادها إلى التقدم بسرعة وثبات.
في المقابل أخفقت الولايات المتحدة في استجابتها إخفاقا كبيرا وتأثرت مكانتها سلبا من جراء ذلك. ولقد أظهر الاقتصاد الأمريكي خلال أزمات مرضية سابقة مقدرة دولتية كامنة هائلة وتحقق له سجل مثير للإعجاب، ولكن المجتمع الأمريكي شديد الاستقطاب حاليا والقائد الأمريكي عديم الكفاءة أعاقا الدولة عن العمل الفعال. فالرئيس عزز الانقسام بدلا من أن يدعم الوحدة، وسيَّس توزيع المساعدات، وألقى بالمسؤولية على حكام الولايات في اتخاذ قرارات محورية وشجع عليهم المتظاهرين ممن طالبوا بحماية الصحة العامة وهاجم المنظمات الدولية بدلا من أن يؤازرها. والعالم يشاهد التليفزيون هو الآخر، فوقف مندهشا بينما الصين تجعل المقارنة شديدة الوضوح.
على مدار السنوات القادمة، قد يفضي الوباء بالولايات المتحدة إلى الانحدار النسبي، وإلى التآكل المستمر في النظام الدولي الليبرالي، وتجدد صعود الفاشية في شتى أرجاء العالم. كما قد يفضي إلى ميلاد جديد للديمقراطية الليبرالية، وهو النظام الذي أربك منتقديه مرات كثيرة، بإظهاره قوى خاصة وقدرة على المرونة والتجدد. ولسوف تظهر عناصر من كلا الرؤيتين في أماكن مختلفة. ومن سوء الحظ، أنه ما لم تطرأ تغيرات راديكالية على النزعات الراهنة، فإن التوقعات العامة مقبضة.


صعود الفاشية؟
يسهل علينا أن نتخيل النتاجات المتشائمة. فالقومية، والانعزالية، ورهاب الأجانب، والهجمات على النظام العالمي الليبرالي تتصاعد منذ سنين، ولن يزيد الوباء هذه النزعة إلا سرعة. فقد استعملت حكومتا المجر والفلبين الأزمة في منح نفسيهما سلطات طوارئ، ماضيتين قدما إلى المزيد من البعد عن الديمقراطية. كما اتخذت بلاد أخرى كثيرة من بينها الصين والسلفادور وأوغندة إجراءات مماثلة. وفي كل مكان ظهرت الحواجز لتمنع الناس من الحركة، حتى في قلب أووربا، وبدلا من التعاون البنَّاء من أجل المنفعة المشتركة انغلقت البلاد على أنفسها، واختلفت بعضها مع بعض، وجعلت من خصومها السياسييين كباش فداء للنجاة من إخفاقاتها.
سوف يزيد صعود القومية من احتمالية نشوب صراع دولي. قد يرى زعماء في الصراعات مع الأجانب إلهاءات سياسية نافعة، أو قد يغريهم ضعف خصومهم أو انشغالهم فيستغلون الوباء في إحلال الاضطراب بالأهداف المفضلة لديهم أو خلق وقائع جديدة على الأرض. لكن في ضوء استمرار قوة الاستقرار المتمثلة في الأسلحة النووية والتحديات المشتركة التي تواجه جميع اللاعبين الكبار، فإن الاضطرابات الدولية أقل رجحانا من الاضطرابات الداخلية.
سوف تتعرض البلاد الفقيرة ذات المدن المزدحمة وأنظمة الرعاية الصحية الضعيفة لضربات قاسية. فليس التباعد الاجتماعي وحده هو الصعب في البلاد كثيرة السكان التي لا يتيسر فيها الحصول على المياه الجارية، بل إن الاشتراطات الصحية البسيطة من قبيل غسل الأيدي تمثل تحديات شديدة الصعوبة. والحكومات كثيرا ما تزيد الأمور سوءا بدلا من أن تقلل سوءها، سواء أكان ذلك عن قصد ـ من خلال إثارة التوترات الطائفية وتدمير التماسك الاجتماعي، أو عن غير قصد بسبب انعدام الكفاءة. فالهند على سبيل المثال زادت من خطورة وضعها بإعلانها لحظر تام مفاجئ في عموم البلد دونما تفكير في توابع ذلك على عشرات الملايين من العمال المهاجرين المتكدسين في كل مدينة كبيرة. رجع الكثيرون من هؤلاء إلى قراهم، ناشرين المرض في البلد كله، وما كادت الحكومة تنتبه وتعكس المسار وتبدأ حركة محدودة، حتى وجد الكثيرون أنفسهم عالقين في المدن بلا عمل ولا مأوى ولا رعاية.
لقد كان انتقال السكان بسبب التغير المناخي مشكلة بطيئة الحركة تتخلّق بالفعل في جنوب العالم. وسوف يضاعف الوباء آثار ذلك، ويزيد أعدادا كبيرة من السكان اقترابا من الكفاف. ولقد سحقت الأزمة آمال مئات الملايين من البشر في البلاد الفقيرة ممن كانوا قد استفادوا على مدار العقدين الماضيين من النمو الاقتصادي المطرد. وسوف يتنامى الغضب الشعبي، والقضاء على آمال الشعوب المتزايدة هو في نهاية المطاف وصفة كلاسيكية للثورة. سوف يسعى اليائسون إلى الهجرة، فيستغل الزعماء الغوغائيون الموقف للاستيلاء على السلطة، وينتهز الساسة الفاسدون الفرصة لسرقة ما يستطيعون سرقته، والكثير من الحكومات سوف تتعرض للشلل أو الانهيار. وستنشأ موجة جديدة من الهجرة المرتبة من جنوب الكوكب إلى شماله، ولن تقابل هذه الموجة بالتعاطف ولكن بالمقاومة في هذه المرة نظرا لإمكانية اتهام المهاجرين بمزيد من المصداقية بأنهم جالبون للمرض والفوضى.
وأخيرا، فإن ظهور ما يعرف بالبجع الأسود [أي الأحداث الجسام المفاجئة عظيمة الآثار] هو بطبيعته أمر لا يمكن التنبؤ به، لكنهه يبدو متزايد الرجحان كلما مد المرء بصره. لقد أتت الأوبئة السابقة برؤى ومعتقدات وأديان جديدة قائمة على تنبؤات بنهاية العالم، وقد نشأت جميعا حول العالم متمحورة حول مخاوف متطرفة من مصاعب طويلة الآماد. فالفاشية في حقيقة الأمر قد ترى باعتبارها من هذه المعتقدات، وقد نشأت مما أسفرت عنه الحرب العالمية الأولى وما أعقبها من عنف وتخبط. ولقد درجت نظريات المؤامرة على الازدهار في أماكن مثل الشرق الأوسط حيث سلب الناس العاديون قواهم وشعروا أنهم يفتقرون إلى من يمثلهم. واليوم انتشرت نظريات المؤامرة انتشارا كبيرا في البلاد الثرية أيضا، ويرجع بعض أسباب ذلك إلى البيئة الإعلامية المتشظية الناجمة عن الإنترنت ووسائل الإعلام الاجتماعي، ومن المرجح أن يؤدي طول أمد المعاناة إلى توفير مادة خصبة يستغلها الغوغائيون الشعبويون.


أم الديمقراطية المرنة؟
ومع ذلك، مثلما لم ينتج الكساد الكبير الفاشية فقط، بل بث طاقة جديدة في الديمقراطية الليبرالية، فقد ينتج الوباء أيضا بعض النتاجات السياسية الإيجابية. فالأمر غالبا ما يحتاج إلى صدمة خارجية هائلة لانتزاع الأنظمة السياسية المتصلبة من ركودها وخلق الظروف المواتية لإصلاحات هيكلية واجبة منذ أمد بعيد، ومن المرجح أن يتكرر هذا النمط، ولو في بعض الأماكن.
إن الواقع العملي في التعامل مع الوباء يؤثر الاحترافية والخبرة، ويسارع إلى فضح الغوغائية وانعدام الكفاءة. من شأن هذا أن يؤدي إلى خلق أثر انتخابي نافع في النهاية، إذ يكافئ الساسة والحكومات على حسن أدائها ويعاقب أصحاب الأداء السيء. لقد حاول جير بلسونارو الرئيس البرازيلي ـ الذي أفرغ مؤسسات بلده الديمقراطية في السنوات الأخيرة ـ أن يشق طريقه في هذه الأزمة بالتحايل والخداع، وهو الآن يتخبط ويشهد كارثة صحية. وحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتن أن يهون من أهمية الوباء في أول الأمر، ثم زعم أن روسيا تحت السيطرة، وسيكون عليه أن يغير نبرته مرة أخرى مع انتشار كوفيد 19 في بلده. لقد كانت شرعية بوتن قبل الأزمة تضعف بالفعل، وربما زادت الأزمة من سرعة ضعفها.
ألقى الوباء ضوءا ساطعا على مؤسسات قائمة في كل مكان، كاشفا ما تعانيه من ضعف ونقص في الكفاءة. فالفجوة بين الفقراء والأغنياء ـ من البلاد والناس على السواء ـ تعمقت بسبب الأزمة وسوف تزداد خلال الركود الاقتصادي طويل الأمد. لكن الأزمة كشفت أيضا ـ إلى جانب المشكلات ـ عن قدرة الحكومة على تقديم الحلول، معتمدة في ثنايا ذلك على الموارد الجمعية. وإن دوام الإحساس بأننا “معا ومنفردين” كفيل بتعزيز التضامن الاجتماعي ويدفع إلى تنمية مزيد من الحمايات الاجتماعية الكريمة في المستقبل، تماما كما أن المعاناة الوطنية المشتركة في الحرب العالمية الأولى والكساد الكبير حفزت على نمو دول الرفاه في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين.
قد يفضي هذا إلى تراجع الأشكال المتطرفة من النيولبرالية وأيديولوجية السوق الحرة التي أرسى قواعدها اقتصاديو جامعة شيكاغو من أمثال جاري بيكر وملتن فريدمن وجورج ستيجلر. خلال ثمانينات القرن العشرين، قدمت مدرسة شيكاغو تبريرا فكريا لسياسات الرئيس الأمريكي رونالد ريجان ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر، وقد ذهب هذا التبرير إلى أن تدخلات الحكومة الضخمة [في السوق] تمثل عقبة أمام النمو الاقتصادي والتقدم البشري. في ذلك الوقت توافرت أسباب وجيهة لتقليل أشكال كثيرة من ملكية الحكومة وقواعدها التنظيمية. لكن هذه الحجج تصلبت حتى صارت دينيا تحرريا غرس معاداة عمل الدولة في جيل من المفكرين المحافظين في الولايات المتحدة بصفة خاصة.
في ضوء أهمية قوة عمل الدولة لإبطاء الوباء، سيكون من الصعب الذهاب مذهب ريجان حينما قال في خطاب تنصيبه إن “الحكومة ليست حلا لمشكلتنا، إنما هي المشكلة”. ولن يكون أحد قادرا على إقامة حجة قوية على أن القطاع الخاص والعمل الخيري قد يمثلان بديلا لدولة كفئة في فترة طوارئ. في ابريل أعلن جاك دورسي ـ الرئيس التنفيذي لتويتر ـ أنه سيسهم ببليون دولار لجهود الإغاثة من كوفيد 19، وهو عمل خيري استثنائي. لكن في الشهر نفسه، خصص الكونجرس الأمريكي 2.3 ترليون دولار لدعم الصناعات والأفراد المتضررين من الوباء. قد تبقى معاداة الدولة بين المعارضين المحظورين، لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أن أغلبية كبيرة من الأمريكيين يثقون في نصائح خبراء الصحة الحكوميين في التعامل مع الأزمة. وقد يزيد هذا من تأييد التدخلات الحكومية في معالجة مشكلات اجتماعية كبيرة أخرى.
وقد تؤدي الأزمة في النهاية إلى الدفع نحو تعاون دولي متجدد. وفي حين يلعب الزعماء المحليون لعبة إلقاء اللوم، فإن العلماء ومسؤولي الصحة العامة حول العالم يعمقون شبكاتهم واتصالاتهم. فلو أن انهيار التعاون الدولي يفضي إلى كارثة ويمثل فشلا محققا، فالحقبة التالية لذلك قد تشهد التزاما متجددا بالعمل المشترك لتحقيق مصالح مشتركة.


لا ترفعوا سقف آمالكم
يمثل هذا الوباء اختبار ضغط عالميا. والبلاد ذات الحكومات الشرعية القادرة سوف تعبره بشكل جيد نسبيا وقد تتبنى إصلاحات تزيدها قوة ومرونة بما ييسر لها أداء فائقا في المستقبل. والبلاد ذات القدرات الدولتية الضعيفة أو القيادة الرديئة سوف تجد أنفسها في مأزق، وفي مواجهة ركود، إن لم تكن في مواجهة إفقار واضطراب. والمشكلة هي أن المجموعة الثانية من البلاد تفوق الأولى عددا بفارق ضخم.
من سوء الحظ أن اختبار الضغط هذا شديد الصعوبة، بحيث لن يجتازه على الأرجح إلا قليلون. فالبلاد لم تحتج ـ في معالجتها للمراحل الأولى من هذه الأزمة بنجاح ـ إلى دول قادرة وموارد كافية وحسب، بل وإلى قدر كبير من التوافق الاجتماعي والقيادات الكفئة الموحية بالثقة. وهذا الاحتياج توافر لكوريا الجنوبية التي فوضت إدارة الوباء للبيروقراطية الصحية المحترفة، كما توافر لألمانيا في ظل قيادة أنجيلا ميركل. لكن الأكثر شيوعا من ذينك الحكومتين تلك الحكومات التي قصرت عن بعض هذه الاشتراطات. ولأن ما بقي من الأزمة سوف يكون بدوره صعبا، فمن المرجح أن تستمر هذه النزعات المحلية، ليصبح التمسك بالتفاؤل أشد صعوبة.
ثمة سبب آخر للتشاؤم يتمثل في أن السيناريوهات الإيجابية تفترض قدرا من العقلانية في الخطاب العام والمعرفة الاجتماعية. غير أن الرباط بين الخبرة التكنوقراطية والسياسة العامة ضعيف اليوم ضعفا أشد مما كان عليه في الماضي، حين كانت للنخبة سلطة أكبر. فالصبغة الديمقراطية التي اصطبغت بها السلطة نتيجة للثورة الرقمية أدى إلى تفلطح التراتبيات المعرفية شأن ما فعل بتراتبيات أخرى، وباتت عملية صنع القرار السياسي اليوم مدفوعة في الغالب بالجعجعة. وما تلك بالبيئة المثلى لاختبار الذات الجمعي البناء، وقد تبقى بعض الكيانات السياسية مفتقرة إلى العقلانية لوقت أطول من بقائها قابلة للذوبان.
المتغير الأكبر هو الولايات المتحدة. وسوء الحظ الوحيد الذي صادف هذا البلد هو أن كان على رأسه في ذروة الأزمة أقل رئيس له في التاريخ الحديث كفاءة وأكثرهم إثارة للخلاف، ولم تتغير طريقته في الحكم تحت الضغط. ولأنه قضى فترة رئاسته في حرب مع الدولة التي يرأسها، فقد عجز عن توظيفها توظيفا فعالا حينما اقتضى الموقف ذلك. ولتقديره أن حظوظه السياسية تعلو بالمواجهة والضغينة لا بالوحدة الوطنية، فإنه يستعمل الأزمة في خلق الخصوم لزيادة الانشقاقات الاجتماعية. والحق أن لسوء الأداء الأمريكية في الوباء أسبابا كثيرة، لكن أهمها هو القائد الوطني العاجز عن القيادة.
لو أعطيت للرئيس فترة رئاسة ثانية في نوفمبر، فإن فرصة انبعاث واسع النطاق للديمقراطية أو النظام الليبرالي الدولي سوف تتهاوى. غير أنه مهما تكن نتيجة الانتخابات، من المرجح أن يتسمر الاستقطاب العميق في الولايات المتحدة. ستكون إقامة الانتخابات في وقت الوباء عسيرة، وستكثر دوافع الخاسرين الساخطين للتشكيك في شرعيتها. وحتى لو حصل الديمقراطيون على البيت الأبيض وغرفتي الكونجرس، فسوف يرثون بلدا جاثيا على ركبتيه. حيث أن الدعاوى إلى العمل سوف تواجه جبالا من الشك ومقاومة مستميتة من فلول المعارضة. ستكون المؤسسات الوطنية والدولية ضعيفة تترنح بعد سنوات من الانتهاك، وسوف تستغرق إعادة بنائها سنوات، إن أمكن ذلك أصلا.
مع مرور المرحلة الأصعب والأكثر مأسوية من الأزمة، يتحرك العالم إلى مرحلة من المشقة المضنية الطويلة. سيخرج منها في نهاية المطاف، فتسبق بعض أجزائه بعضها. الاضطرابات العالمية العنيفة مستبعدة، والديمقراطية والرأسمالية والولايات المتحدة أثبتت من قبل قدرتها على التحول والتكيف. لكنها سوف تحتاج إلى إخراج الأرنب مرة أخرى من القبعة.


• نشر المقال في فورين أفيرز إلكترونيا وينشر ورقيا في عدد يوليو أغسطس 2020