نظيرة الحارثية: دفعت الكثير لأتعلم أن أعيش بالقليل

فلسفة حياة تولد من بين ثلوج ايفيرست

 

كتب – عامر بن عبدالله الأنصاري

لَم أخبئ ما دار في خَلَدي حينما قرأت تغريدة لنظيرة الحارثية، أول عمانية تصل إلى قمة جبل إيفريست، تقول فيها إنها تعلمت من رحلتها إلى هدفها نحو قمة إيفيرست أن تكتفي بالقليل وبما تحتاج فقط، فتبادر في بالي سؤال، لأفك شفرة التناقض بين تكاليف رحلة مكلفة وفائدة تتمثل بالاكتفاء بالقليل، فهل يدفع أحدهم الكثير ليتعلم أن يكتفي بالقليل؟ أي أن يعيش زاهدا؟ فكان جوابها حاملا لبعد عميق وجميل، إذ قالت: “إنني دفعت الكثير لأتعلم أن أكتفي بالقليل”، وكأنها تقول بأن مدرسة الحياة لا تقدر بثمن، وربما تكون مكلفة أكثر من أية مؤسسة تعليمية مهما كان مستواها، لكن الفائدة أكبر إذا ما طُبقت وأصبحت كمنهج للحياة، وهكذا يتعلم الإنسان من تجاربه مهما كانت مكلفة ومهما كان مؤلمة أو ربما جميلة وسعيدة!
وفي رحلة نظيرة الحارثية فائدة جميلة، أو فوائد جميلة، تمثلت في تكوين فلسفة حياة تمخضت عن رحلتها، والتي كانت في النصف الأول من العام الماضي 2019، وقد نشرت وسائل الإعلام الكثير عن رحلتها، إلا أننا ومع لهيب حرارة الصيف، نحاول كسر هذا الحر باستذكار أجواء باردة يسودها البياض من كل جهة، وتغطيها الثلوج من كل ناحية، ونحو الأفق البعيد إلى قمة جبل إيفريست، حيث كانت نظيرة تقف هناك رافعة علم السلطنة وملامح النصر على الذات والفوز بالتحدي.
بدأت فكرة الصعود إلى قمة أيفيرست -الكائنة في النيبال- لدى نظيرة الحارثية، كوميضٍ لامعٍ بَرَقَ فجأة، ومناجاتها مع ذاتها التي تقول لها: “إذا استطاع غيري أن يتسلق هذا الجبل فأنا استطيع أيضا”، تناجي نفسها بهذا البوح، لتعلن عن تحدٍ دون سابق تهيئة، فلم تكن تعرف عن الجبل -ذي الارتفاع الشاهق الذي يبلغ 9 كيلومترات عن سطح البحر- إلا ما سمعته في محاضرات الجغرافيا لشهادات البكالوريوس والماجستير، ولم تكن رياضية تتحمل الجري لمسافات طويلة، وكانت مرتبطة بالعمل والأسرة، إلا أن أول خطوة نحو تحقيق الهدف المنشود استحضار أول درس من دروس التجربة، درس قبل أن تبدأ الرحلة، تمثل هذا الدرس في تنظيم الجدول اليومي، للموازنة بين المسؤوليات الأسرية، ومسؤوليات العمل، والاستعداد لتهيئة النفس والجسد لتلك الرحلة، فبدأت بالجري لمسافات قليلة إلى أن حققت أرقاما كبيرة في رياضة الجري، وكذلك السباحة وكذلك في صعود القمم الجبلية في السلطنة، بدأ التحدي مع الذات في تلك الفترة، كانت مصرة على أن تبلغ مستوى التمرين الذي حددته لنفسها مهما بلغت من التعب والإرهاق، هنا تعلمت أن الإنسان قادر أن يصنع الفارق وأن يحقق مبتغاه إذا ما امتلك العزيمة والإصرار والمثابرة وما أسمته -عناد الأنثى- إذ قالت: “عناد الأنثى كان في محله، استخدمته بشكل صحيح، عنيدة جدا لأصل إلى مبتغايا”.
وبين التمارين اليومية، وواجباتها المنزلية والأسرية، وواجبات العمل، كان الوقت يقترب أكثر إلى نقطة الانطلاق، كلما مر يوم كلما زادت إصرارا وزادت إيمانا بقدراتها ونفسها، إلى أن حلت نقطة الصفر، خطواتها نحو الطائرة بثبات معتاد، أملها في تحقيق هدفها يزيدها إصرارا، وإلى أرض النيبال وصلت، ثم خطت أول خطوة على ذلك الثلج الأبيض وتفاصيل مختلفة عما تدربت عليه في السابق، فلا الأرض صلبة للصعود، فتغوص قدمها في كومة الثلوج ما يضاعف الجهد مرتين أو ربما أكثر، ومن أول خطوة والعزم ثابت لا ينضب، وعيناها نحو القمة التي ستصلها بعد 8848 مترا تقريبا، وبين مخاطر الصعود والاستراحات المتكررة وحمل أدوات قليلة للتخفيف عن النفس، حاولت نظيرة التأقلم مع القليل الذي لديها من طعام ومياه للشرب وأدوات تعينها على الصعود، مخبئةً في جيبها علم السلطنة، باعث العزيمة والإصرار، وكأنها تحمل كيانا ومعينا معها، كلما حاول التعب هزيمتها تذكرت أنها من أرض الطيب والكرم وأهل العزيمة والإصرار، لتبلغ القمة منتشية بملامح النصر، رافعة علم السلطنة في يديها، وكأن لسان حالها يقول، “يا عمان.. هذا الإنجاز إهداء لك”.
بعد أكثر من سنة من عودة نظيرة الحارثية إلى أرض السلطنة، مازالت تستذكر مواقف تلك الرحلة المليئة بالدروس والعبر، ومازال الحديث الذي يدور بينها وبين أقرانها وطلابها يستعدي ذكريات من تلك الرحلة وكثير من تفاصيلها ومشاهدها التي تمر عليها كفيلم وثائقي كانت بطلته.
ولا تبخل نظيرة بأن تنقل تجربتها ودروسها المستفادة إلى غيرها، فقد تعلمت من جامعة الرحلة مقررات كثيرة منها في إدارة الوقت، وإدارة الطاقة، وإدارة المسؤوليات المتعددة، وإدارة المصروفات، وغيرها الكثير، إذ قالت: “تعلمت الكثير في رحلتي لايفريست، قد أكون قرأت عنه في الكتب وعلمته لطالباتي وأعرفه من قبل، لكن حين تعيش بعض القيم والمشاعر تحت ضغط وظروف استثنائية ستكتشف بأن هذا هو الدرس الحقيقي!”.