وكان.. جبل الخوخ والمشمش

كتابة وتصوير: بشاير السليمية
لم يكن الصيف قد أدركنا بعد بشدة عندما قررنا الصعود إلى وكان. لايزال الجو يحافظ على القليل من برودة نهاية فبراير بصبر وتؤدة، الطريق إلى القرية لم يكن يشبه طريق الصعود إلى الجبل الأخضر، فالجبل يحظى بطريق معبد وبعض الخضرة، لكن الطريق إلى وكان كان وعرا بما يكفي وضيقا جدا ولا يكسوه أي اخضرار، وهذا يجعلك تتساءل إن كانت هذه الطريق فعلا ستؤدي إلى جنة المشمش والخوخ! حتى تلمحها من بعيد مستلقية في قمة عالية.
الزائرون للمكان أنواع: نوع يمشي على الطريق الوعر على قدميه، والثاني بسيارات الدفع الرباعي التي يقودها أشخاص بارعون، وأشخاص بسيارات الدفع الرباعي أيضا ولكن ما إن شاركتهم سيارات في الاتجاه المعاكس للطريق يقفون عالقين دون حل، أما النوع الرابع فمثلنا نحن، فريق من الفتيات لا يعرفن بعضهن تقودهن فتاة تقول إنها جربت القيادة في هذا المكان من قبل، فتطمئن الأخريات مؤقتا.
لكنه شعور رائع أن تكون بجوار النافذة تمر على أولئك الذين جاؤوا للمكان قبلك ولكن بسبب أنهم صعدوا إليه مشيا تصل أنت قبلهم وما تزال بكامل قواك. كيف سيستمتع من يلهث جراء المشي بجمال كهذا؟! كان المكان حيث تقف السيارات مزدحما عن بكرة أبيه، والذين لم يجدوا مكانا للوقوف كانوا كثر، أكثر حتى من أن يستوعبهم المطعم الذي يجلس على اليمين قبل صعود سلالم وكان، لكنه على كل حال كان مغلقا، وإلا من يفوت إفطارا في مطعم معلق! في السكة الأولى التي عبرناها كان أهل القرية يبيعون بعض الثمار وبعض المشغولات. لا يتكلمون كثيرا مع الزوار، بالكاد يثيرون حديثا عابرا، بل يشبهون المكان في هدوئه ووداعته.
أفضت السكة الأولى إلى مكان منبسط ومفتوح يمشي الفلج على جهة اليمين، وعلى اليسار كانت أزهار صغيرة وردية اللون فائقة الجمال، وإلى الأمام كانت زهور أخرى بيضاء، تتجاور بكثافة. حين مرت إحدى النساء خلفنا ونحن نتساءل أيها الخوخ وأيها المشمش قالت: “الوردية خوخ والبيضاء مشمش، إن جئتم في الصيف سترون الثمار المتدلية”. لا أعرف لم فتن الجميع باللون الأبيض أكثر، ما أذكره أنهم كانوا في طابور طويل من أجل التقاط صور بجوار الزهور البيضاء، ربما كانوا يحبون المشمش! لم تكن السلالم طويلة كما توقعت، أي لم نمشي لمسافة طويلة حتى وصلنا نقطة النهاية، لكن كل ما يشغل النظر هناك كان يوهم بأن الطريق طويل جدا، المقاعد الخشبية، الباب الحديد الصدئ، الصغار الذين يبيعون “الصبار” ويخجلون جدا من الكاميرا، الفلج الذي يرافقنا المسير ملتفا حول الدرج تارة في اليمين وتارة في الشمال، والحوض الذي تصب فيه العين والمشبك بالأزهار.
بينما البيوت التي يقطنها الأهالي لم تكن بجوار أي من ذلك. في نقطة النهاية، أعلى الجبل، كانت سدرة كبيرة تقف بجوار الفلج، ترسم بظلها على الأرض حصيرا لم نكن قد تزودنا به، كان المكان يطل على قرى أخرى صغيرة متناثرة ببيوتها التي تبدو كمربعات بنية صغيرة من بعيد، فقررنا أن نستريح قبل نقفل عائدين للأسفل. كان مدهشا كيف وصلنا للنهاية بهذه السرعة. ونحن عائدون، لم يكن طريق النزول أسرع كما يقال، فالكل كان يودع سحر المكان بالمزيد من الصور. فيما كان محمد الذي يقف بجانب وعاء “الصبار” يتنزه، فواقف هذه المرة على التقاط صورة، يبدو أنه يودع الزوار هكذا بابتسامته الهادئة، فسألته هل تود لو تغادر المكان فقال: لا، ولم أغادر؟ سأتزوج هنا. فضحكنا كثيرا قبل أن يلوح ويختفي بين السلالم مع أقرانه وشقيقه.