مرفأ قراءة “الرواية والمدينة” .. الشكل الروائي والمعرفة البينية

إيهاب الملاح

(1)
بعد قرابة العقدين من صدورها في صورتها الأولى، تظهر الأطروحة النقدية اللافتة للأكاديمي والناقد المصري البارز حسين حمودة “الرواية والمدينة ـ نماذج من كتاب الستينيات”، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، في طبعة جديدة كلية تلافت الأخطاء والاضطرابات التي شابت الطبعة الأولى، وبما يمكن أن نعدها بالفعل هي “الطبعة الأولى الكاملة” المنقحة والمدققة لهذه الأطروحة التي كانت فتحا نقديا كبيرا، وفتحت الباب واسعا أمام عشرات من الباحثين والباحثات في جميع أرجاء العالم العربي، لمزيد من الدراسات والكتابات حول هذا الموضوع المحوري في تاريخ الرواية ونظريتها وتطبيقاتها؛ “الرواية والمدينة”.
مؤلف الكتاب، هو الأستاذ الدكتور حسين حمودة، أستاذ الأدب والنقد الحديث بكلية الآداب جامعة القاهرة، وعضو العديد من اللجان والمجالس الأدبية والنقدية، وعضو لجان تحكيم عديدة على مستوى العالم العربي، والناقد الرصين أحد أبرز نقاد ما اصطلح على تسميته بجيل الوسط، الجيل الذي يضم بالإضافة إليه، رمضان بسطاويسي، محمد بدوي، خيري دومة، وصلاح السروي، وآخرين غيرهم.
لكن يظل من بين نقاد هذا الجيل، صوت حسين حمودة الذي مثل صوتًا نقديًا لافتًا سواء على مستوى التنظير والانطلاق من مناطق شديدة الثراء والغنى في علم اجتماع الأدب، والسرديات الحديثة، وإنجازات باختين المعرفية والنقدية واللغوية، أو على مستوى التطبيق الذي راوح فيه بين الكتابة عن نجيب محفوظ، ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وأغلب كتاب الستينيات (جمال الغيطاني، بهاء طاهر، علاء الديب، عبد الحكيم قاسم، ويحيى الطاهر عبدالله) ومن الأجيال التالية واللاحقة، وبما نستطيع معه القول إنه من أكثر النقاد نشاطا ومتابعة للنتاج الإبداعي، الروائي منه خاصة، في مصر والعالم العربي خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

(3)
ونعود للحديث عن هذا الكتاب، الذي أتصور أنه لم ينل ما يستحق من اهتمام وقراءة رغم صدوره للمرة الأولى منذ ما يزيد على العشرين عامًا، ذلك أنه من الدراسات المبكرة جدا في الثقافة العربية (أو ربما كان الدراسة الرائدة) التي تخصص بأكملها لدراسة التوازي بين بنية المدينة، كتكوين اجتماعي وديموغرافي وتخطيطي وتاريخي، وبنية الرواية كشكل فني، وجنس أدبي، له جذوره وتحولاته وسياق نشأته وظهوره أولا في الثقافة الغربية ثم في الثقافة العربية.
وعبر أبواب وفصول الكتاب الذي يقع في 400 صفحة من القطع الكبير، يرصد الناقد حسين حمودة التأثير والتأثّر المتبادلين بين الرواية والمدينة، في مصر، من خلال إبداع كتاب الستينيات الكبار، بعد أن يقدِّم لكتابه بواحدة من أفضل المداخل النظرية في النقد العربي عن الرواية والمدينة “حدود الموازاة وتاريخها”.
وفي هذا المدخل الذي احتل الباب الأول بأكمله، تبرز قدرات حسين حمودة التنظيرية المذهلة، وتتبدى ثقافته المعرفية الموسوعية المدهشة، التي تجعله يلملم خيوط رؤية متكاملة لبنية المدينة، وفكرة المدينية في الفكر النقدي والمعرفي المعاصر، وفي المقابل يكثف القول في بنية الرواية ويتناول موضوعاتها وإشكالاتها النظرية كما تبلورت وتحددت في نظرية الرواية الغربية عبر ما يقرب من خمسة قرون كاملة.
يسعى الكتاب إذن، كما يكثف الهدفَ منه صاحبه، وبلغته النقدية المنضبطة، إلى استكشاف ملامح العلاقة بين الرواية والمدينة على مستوى “التطورات” التي صاغت الانتقالات الأساسية في مسار كلتيهما، وعلى مستوى “البنية” التي انتظمت عناصر تكوينهما من خلال مراحل أو حقب زمنية متعددة، وأيضًا على مستوى الكيفيات والأشكال المتنوعة التي تحقق بها هذا التفاعل بينهما، بهذا القدر من الوضوح أو ذاك، في أفق شكلته تغيرات العالم التاريخي، الحضاري، الاجتماعي، الذي بزغت فيه ثم تنامت وازدهرت كل منهما.
ويطمح الكتاب، بتواضع مؤلفه المشهور، إلى تعرف أبعاد مجموعة من الفروض التي تحيط بعلاقة الرواية والمدينة أو على الأقل يحاول طرح عدد من التساؤلات حول تأثر أو تأثير ممكنين بين عالم المدينة وتقنيات الفن الروائي الزاخر.

(4)
كان على حسين حمودة في سبيل صياغة هذا المدخل النظري، الجمع بين معارف ومناهج شتى وأن يخوض رحلة مرهقة وشاقة في مجالات العلوم الإنسانية كافة، وأن يقوم بسياحات واسعة في التاريخ والحضارة والأنثروبولوجيا وعلوم الاجتماع الحضري وتخطيط المدن وديموغرافيتها.
كل ذلك فضلًا على إفادته الواسعة جدًا والمستوعبة جدا، والواعية جدا، بمقولات الناقد والمنظر الروسي العملاق ميخائيل باختين، هذه المقولات التي اعتبرها حمودة من أصلح المناهج والرؤى التي يمكن أن تتخذ كمداخل لتحليل النصوص (أدبية وغير أدبية أو إبداعية ثقافية حضارية بالمعنى العام والشامل).
يقول حمودة “وقد اختبرت بعض تصورات باختين في قراءتي لأعمال يحيى الطاهر عبدالله، ثم في روايات نجيب محفوظ، ثم في أعمال أخرى كثيرة، واكتشفت أن جزءًا من قيمة هذه التصورات ينطلق من من إيمان باختين بالثقافة الإنسانية كلها، دون التقيد بأي نوع من الشوفينية، أو ما سمي بعد ذلك بشكل من الأشكال بالمركزية الأوروبية”.
ويوضح حمودة أن باختين قد بحث عن جذور النوع الروائي في مضان متعددة ومتنوعة، وفي مساحات واسعة من التراث الإنساني، على العكس من النظرة المحدودة التي رأت في الرواية وريثًا للملحمة والتي ربطتها بفترة بعينها من تاريخ المجتمعات الحديثة، يقصد بذلك بعض تصورات جورج لوكاتش الناقد والمنظر الماركسي المجري الأشهر في القرن العشرين، والتي تراجع عنها في فترة متأخرة من حياته، لكن بعد فوات الأوان، كما يستدرك حمودة.
كما كانت تصورات باختين حول مفهوم “الحوارية” أيضًا أحد ألمع التصورات التأسيسية التي أحدثت تغيرا جذريا في تناول الظواهر الثقافية والإنسانية، ولعله (أي مفهوم الحوارية) من أصلح وأهم المداخل التي يمكن من خلالها استيعاب تعقيدات هذا العصر الذي نعيشه، والذي يحفل بكثير جدًا من الأصوات المتعددة والمتآلفة والمتعارضة، بما يجعل “الأدبي”، ومن ثم “الروائي”، ساحة حوارية يمكننا أن نستكشف فيها أبعادًا غنية جدًا وثرية جداً من هذا العالم المعقد والمركب الذي نعيش فيه.

(5)
ويأتي البابان الثاني والثالث بفصولهما الثمانية ليغطيا مساحة هائلة وشاسعة من تناولات الروايات المصرية العربية التي أنتجها ما اصطلح على تسميتهم بجيل الستينيات، الجيل الأشهر والأوفر حظا في الانتشار والغزارة والاتساع والتنوع فيما بعد نجيب محفوظ.
والحقيقة أن عدد الروايات التي قرأها حسين حمودة أو تصدى لها تحليلًا أو تنظيرًا يصيبك بالدهشة والدوار معًا! بالتأكيد ليس سهلًا أبدًا أن تعكف على قراءة عشرات النصوص المتباينة حجمًا ونوعًا وكمًا وفنًا وكل شيء، وأن تستخلص منها خطاطات تصنيفية جمالية أو سردية نوعية كي ترسم بها خريطة متسعة، لكنها دقيقة ومفصلة أيضًا للموازاة بين بنية هذه الروايات وتشكلاتها الجمالية وبين تمثيلاتها الفذة للمدينة بأنواعها وأشكالها التي استخلص نماذجها وأنماطها ببراعة واقتدار وتمكن حسين حمودة.
ستفاجأ مثلا بذكر نص يمكن أن يورد منه سطرًا وحدًا للتدليل على التصنيف الذي اقترحه، الجهد الذي يمكن أن تبذله كقارئ وناقد حقيقي في قراءة رواية ربما يتجاوز عدد صفحاتها الـ300 أو 400 صفحة كي تقتنص سطرا يندمج مع بقية أشباهه ونظائره لترسيخ الفروض التي ينطلق منها في الدراسة أو لبلورة الأسئلة أو لاقتراح إجابات لا يدعي أبدا أنها باتة أو تامة أو نهائية! وهذه من وجهة نظري سمة الأعمال المرجعية التي تبقى وتضيء الطريق وتعيده وتضع دائما بفضل إحكامها وتماسكها أعمدة إنارة قوية وكاشفة لمن يأتي بعد ذلك ويستكمل الطريق.