الجائحة تكشف عن خلل في الكيفية التي يطعم بها العالم نفسه

جينيفر كْلاب – نيويورك تايمز
ترجمة قاسم مكي

يقال للبلجيكيين أن عليهم زيادة استهلاكهم من شرائح البطاطس المقلية. وحول بريطانيا يدلق المزارعون ملايين اللترات من الحليب في مجاري الصرف الصحي بدلا عن مخضها وتحويلها إلى زبدة. أما في إيران فتُدفَن الملايين من فراخ الدجاج (الكتاكيت) وهي التي ربما كان سينتهي بها المطاف يوما ما إلى أماكن الشواء. وفي الهند يطعم المزارعون الفراولة للأبقار بدلا عن إرسالها إلى الأسواق.

كفاءة نظام توريد الغذاء

هل هذا ما ينبغي أن يبدو عليه النظام العالمي “الكفء” للإمدادات الغذائية ؟ حسب خبراء الاقتصاد والساسة وقادة الشركات الكبرى الذين ظلوا يقفون وراء سلاسل الإمداد أو التوريد الغذائي المترابطة باطراد طِوَال نصف القرن الماضي، يفترض أن يكون هذا النظام كفؤا بمعنى أن يتخصص كل بلد في إنتاج أفضل مادة غذائية يمكنه إنتاجها كالبطاطس في بلجيكا ولحم البقر في كندا والكاكاو في غانا وطرح الغذاء الذي ينتجه في السوق العالمية. كما يعني أيضا أن يتخصص منتجو ومُصنِّعو الغذاء المحليون (داخل كل بلد) في إنتاج سلعة غذائية بعينها للتقليل من التكاليف. نتيجة لذلك، حسب هذا المنطق ونظريا على الأقل، ستظل الأسعار عند معدل منخفض وسيحصل العالم على الطعام ويستفيد كل أحد.
مقاربة خطرة
لقد كشفت جائحة كوفيد-19 عن مكامن ضعف خطيرة في الاعتماد المفرط على هذه المقاربة. من المؤكد أن تحسين الكفاءة شيء جيد خصوصا إذا استفاد المستهلكون من وفورات التكلفة وحصلوا على أغذية أكثر تنوعا. لكن التحولات التي حدثت في الأعوام الأخيرة قوَّضت أهدافا أخرى مهمة مثل القدرة على التكيف عند حلول أزمة ما. فعندما تحُول عوائق جديدة دون وصول الغذاء إلى الأسواق أو يتدنى الطلب فجأة، وكل هذا يحدث الآن، يتداعى النظام.
العطب الحالي نشأ عن اختلالات متعددة يفتقر نظام الإمداد الغذائي إلى الجاهزية اللازمة للتعامل معها وتتمثل في الإغلاقات (وقف النشاط الاقتصادي) وقفل الحدود والقيود التجارية وأيضا الفيروس نفسه. إن أيَّا من هذه الاختلالات يمكنه لوحده أن يسبب مشاكل في سلاسل الإمداد الغذائي العالمي الذي يتسم بالتخصص والتعقيد. أما إذا حدثت كلها في نفس الوقت فستُعِيث خرابا.

تجارة عريقة

يعود نشوء التجارة الدولية في الغذاء إلى قرون غابرة. فقدامى الرومان مارسوا التجارة في النبيذ عبر البحر المتوسط. وانتقلت البهارات بطريق الحرير في القرون الوسطى. لكن منذ أعوام السبعينات من القرن الماضي، حينما بدأ التصنيع الزراعي يتسارع حقا، اعتمد المزيد والمزيد من الناس في بلد ما على بلد آخر للتزود على الأقل بجزء من مكونات الوجبة الرئيسية التي يتناولونها.
زاد حجم التجارة الدولية في الغذاء إلى ما يقرب من خمسة أضعاف منذ أعوام التسعينات عندما اتفقت الحكومات على قواعد جديدة لفتح الأبواب أمام هذه التجارة. واليوم فإن ما يقرب من ربع إنتاج الغذاء يعبر الحدود.
وجدت الشركات المتعددة الجنسية الكبيرة فرصة مواتية للربح من هذه التغيرات. وهي الآن تلعب دورا محوريا في هذه التجارة. إنها تتولى إعداد وتعبئة الغذاء. ومثلما حدث مع ظهور الشركات العملاقة التي تهيمن على قطاعات بأكملها في باقي الاقتصاد، اتجهت أكبر الشركات الزراعية والغذائية إلى شراء منافساتها في الأعوام الأخيرة. وهي تتمتع بنفوذ هائل.

كفاءة على حساب المرونة

هذه التغيرات أحدثت تحولا جذريا في أنظمة الغذاء التي كانت في السابق محلية ومتنوعة وصارت الآن أكثر تخصصا وبُعدا ( عن مكان الاستهلاك) وخضوعا لسيطرة الشركات. فالمزارعون يتجهون باطراد لإبرام عقود ينتجون بموجبها سلعة واحدة ( حبوب أو لحوم أو ألبان) لمشترين يتمثلون في حفنة قليلة من الشركات المتعددة الجنسية التي تقوم بتصنيعها وتسويقها.
قد يكون نظام توريد الغذاء الذي يُعَدُّ بهذه الطريقة “كفؤا” في خفض الأسعار. لكن له تكلفته فيما يخص المناخ واللامساواة الاجتماعية وأيضا المرونة في مواجهة الاختلالات كما اتضح في هذه الجائحة.

لعنة التخصص في سلعة واحدة

التخصص في الإنتاج الغذائي يجعل من الصعب التحول إلى أسواق مختلفة عندما تنشأ اختلالات في إمدادات الغذاء. فبلجيكا وهي واحدة من أكبر مصدري البطاطس خسرت مبيعات ليس فقط للمطاعم المحلية التي أغلقت أبوابها ولكن أيضا لبلدان أوروبية أخرى بسبب إغلاقات جائحة كورونا.
ربما، على الأقل، يمكن أن يجرب البلجيكيون استهلاك البطاطس محليا. لكن مثل هذه الإستراتيجية لاتنجح مع كل محصول. فساحل العاج وغانا، وهما أكبر بلدين يصدران الكاكاو في العالم خسرتا أسواقهما في أوروبا وآسيا عندما اتجه اهتمام الناس إلى شراء المواد الغذائية الضرورية في أثناء الإغلاقات بدلا عن الشوكولاتة.
وعلى نحو أعم، من الممكن أن تترتب عن الخسارة في حصيلة الصادرات بإفريقيا تداعيات هائلة إذا استمرت الجائحة حيث تعتمد بلدان عديدة في القارة بشدة على واردات القمح والأرز. لقد ارتفعت أسعار هذه الحبوب بشدة ليس فقط بسبب ارتفاع الطلب عليها في أثناء الجائحة وهي التي التي تشكل غذاء رئيسيا ولكن أيضا لأن بلدانا قليلة من بينها روسيا وفيتنام فرضت قيودا على صادراتها خوفا من أن يؤدي تصدير الغذاء للخارج إلى ارتفاع الأسعار محليا. والجدير بالذكر أن بلدانا أخرى مثل كندا تجني أرباحا من ارتفاع أسعار القمح.

مشاكل أخرى

يؤدي “تركُّز” الأسواق، وهي التي تسيطر عليها حفنة من الشركات، إلى إيجاد خوانق أو عقبات (انسدادات في انسياب الأغذية) تزيد من هشاشة نظام إمدادات الغذاء. وتشكل صناعة اللحوم واحدة من أكثر الصناعات تركزا
في الولايات المتحدة وبلدان أخرى عديدة حول العالم. ففي كندا تتولى ثلاثة شركات فقط تعبئة ما يزيد عن 96% من لحم البقر. كما تحتكر كل صادراتها منه تقريبا. هذا وقد اضطرت كل من الولايات المتحدة وكندا إلى إغلاق مصانع اللحوم مؤقتا بسبب تفشي كوفيد-19 وسط العمال.
أيضا تسلط أعطال صناعة تعبئة اللحوم الضوء على نتائج أخرى ترتبت عن انشغال نظام توريد الغذاء بالكفاءة من بينها اعتماده على عمال تُسَاء معاملتهم. فالعديد منهم مهاجرون أو ملوَّنون. من بين هذه النتائج أيضا اعتماد النظام على العمالة الموسمية المهاجرة كما اتضح عند وقف السفر الذي نجم عنه نقص واسع النطاق في العمالة حول أوروبا وفي أمريكا الشمالية.
القضية هنا لاتتعلق فقط بالعدالة وإنصاف العاملين رغم أهمية ذلك. لكن إضعاف أوضاع الناس الذين تقوم على أكتافهم سلاسل الإمداد الغذائي بإخضاعهم لظروف عمل غير آمنة وأجور ضعيفة وإغلاق الحدود يعني إضعافا لنظام توريد الغذاء بِرُمَّتِهِ.
يجب أن يدفعنا مشهد منتجات الألبان المسفوحة والخضروات المتعفنة والحيوانات المذبوحة دون ضرورة إلى إعادة التفكير في فكرتنا عن “كفاءة” إمدادات الغذاء ومحاولة إيجاد نظام أكثر قدرة على تحمل الصدمات.
نحن بحاجة إلى بثّ الحيوية في أنظمة الإمداد الغذائي المحلية والإقليمية للتقليل من مكامن الضعف التي تقترن بالإفراط في الاعتماد على الأغذية المستوردة والخاضعة لهيمنة الشركات. هذا لايعني وقف كل التجارة أو منع كل الأغذية المُصنَّعة ولكنه يعني الاتجاه إلى التنويع في إنتاج الغذاء وتأمين أوضاع معيشية محترمة للعاملين وإتاحة الفرص للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة كي تزدهر في سلاسل إمداد غذائي أقصر وأكثر استدامة وقريبة من المستهلكين.

غذاء محلي ومتنوع

أحد المجالات التي يمكن البدء بها في هذا الصدد هو أن تتجه الحكومات بدعمها من نظام الغذاء المتخصص(في سلعة غذائية واحدة) والموجه للتصدير والواسع النطاق إلى إنشاء البنية الأساسية اللازمة لإنتاج وتصنيع وتسويق غذاء محلي أكثر تنوعا.
في أمريكا الشمالية وحول العالم تدفقت على منتجي الأغذية العضوية طلباتُ العملاء الراغبين فيها ويريدون شراءها مباشرة من المزارعين في أثناء الأزمة. لكن هؤلاء المنتجين الصغار غالبا ما يفتقرون إلى البنية الأساسية للوفاء الطلب على منتجاتهم.
مع إجازة الحكومات حول العالم برامج التحفيز المالي لمعالجة تداعيات أزمة كورونا يجب أن يكون بناء أنظمة غذاء أكثر تنوعا واستهدافا للأسواق المحلية من بين أهداف هذا التمويل.
على مدى عقود سعت حركات الأنظمة الغذائية البديلة، التي تروج لفكرة الاعتماد على الأسواق المحلية وطرق الإنتاج المستدام، إلى تعزيز نشاطها في مواجهة التفاوتات الاجتماعية المتزايدة والتغير المناخي. (حركات الأغذية البديلة هي حركات اجتماعية متشكلة من ناشطين ومنظمات ومؤسسات من مشارب شتى وتدعو إلى إيجاد أنظمة غذاء مختلفة عن نظام الصناعة الغذائية- المترجم).
لكن شكَّل انخفاضُ الأسعار ووفرة الإمدادات التي يتيحها النظام العالمي لتوريد الغذاء عائقا قويا أمام هذه الدعوة. والآن مع كشف الجائحة عن مدى هشاشة هذا النظام حان الوقت لانتهاز الفرصة وإحداث تغيير حقيقي يمنح الأولوية للتنوع والمرونة في إنتاج الغذاء.


* الكاتبة أستاذة الاقتصاد السياسي بمدرسة البيئة والموارد والاستدامة في جامعة واترلو- كندا ومؤلفة كتاب صدر حديثا تحت عنوان ” الغذاء”.