آيات القرآن الكريم تشتمل على قواعد أخذ منها العلماء قيما وأخلاقا ومبادئ

القيم عند العقلاء لا تتغير عبر الزمان والمكان –

متابعة: سالم بن حمدان الحسيني –

الكثير من المشكلات الاجتماعية والقيمية الحاصلة الآن في كثير من البلدان الإسلامية سببها عدم التزكية، وهي لا تتأتى إلا بالمعرفة الحقيقية بالله تعالى من خلال قراءة الكون المفتوح والتفكر والتدبر في آياته العظيمة، كما تتأتى بذكر الله وذكر الموت وبالكسب الحلال ومجالسة الصالحين.. ذلك ما أوضحه الشيخ الدكتور عبدالله بن سالم الهنائي في محاضرة له تحت عنوان: «درر نورانية من قواعد قرآنية».. موضحا أن آيات القرآن الكريم تشتمل على قواعد أخذ منها العلماء قيما وأخلاقا ومبادئ، ومعنى «القاعدة القرآنية» أحكام كلية استخرجت من نصوص القرآن تنطبق على جزئياتها، مبينا أن القيم عند العقلاء لا تتغير عبر الزمان والمكان.. تفاصيل ذلك في نص المحاضرة التالية:
استهل فضيلته محاضرته قائلا: الحياة مع القرآن جميلة ولذيذة ولا يعرف جمالها ولذتها إلا من كان معها وعايشها، مشيرا إلى أن من يقرأ القرآن الكريم أحيانا تراوده أسئلة كيف نزل هذا القرآن بهذه الصياغة العجيبة الغريبة حتى أتى على الناس حين من الدهر وهو الآن وعلى مر العصور لا يكاد يفهم منه العربي فضلا عن الأعجمي.. مبينا أن ذلك بسبب أن صياغة القرآن صياغة راقية، صياغة كلية، صياغة عامة، وإنما جاءت كذلك لأجل أن ينتفع به البشر في مختلف الأزمان والأعصار، لأنه لو صيغ بصياغة خاصة مثل القوانين والدساتير والكتب لما نفع إلا لزمانه ولذلك جاءت صياغة القرآن صياغة راقية، صياغة قوية، ذات لغة به سبك عظيم، وأيضا إنما يلاحظ في صياغة القرآن أنها صياغة قيمة أخلاقية، تحاول تربط الناس بالأخلاق والقيم في كل زمان، لأن القيم عند العقلاء لا تتغير عبر الزمان والمكان، فالصدق حسن والكذب سيئ، لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وباختلاف الناس، اللهم إلا اذا انتكست الفطر وانعكست الأمور كما هو عند بعض الناس، لكن الحقائق لا تتغير، مبينا أن آيات القرآن الكريم تشتمل على قواعد أخذ منها العلماء قيما وأخلاقا ومبادئ، وألّفت في ذلك مؤلفات، موضحا أن معنى القاعدة القرآنية هي أحكام كلية استخرجت من نصوص القرآن تنطبق على جزئياتها، ومثال على الأحكام الكلية قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) هذه قاعدة كلية، مهما اختلف الزمان والمكان والأشخاص، تنطبق على جميع الشرائح البشرية، والقواعد التي أخذت من القرآن الكريم كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ) هي قاعدة عظيمة يحتاجها كل منا، مبينا أن الكثير من المشكلات الاجتماعية والقيمية الحاصلة الآن في كثير من البلدان الإسلامية وحتى عند الناس الذين يتسمون بالتدين أحيانا أو بالثقافة أحيانا أخرى الذين لا يطبقون معنى هذه الآية ينطبق عليهم هذا الأمر، فتجد الواحد عالما نحريرا لكن قلبه خواء، فهذه الآية هي من القواعد العامة بل الكلية، والتزكية تأتي بمعنيين اثنين: تأتي بمعنى التطهير بمعنييه الحسي والمعنوي، قال سبحانه وتعالى عن يحيى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا) والمعنى هنا الأمرين معا، التطهير المعنوي والتطهير الحسي فنقول: زكيت الثوب: بمعنى نظفته أو غسلته، كما تأتي التزكية بمعنى: النماء، زكى المال: أي كثر، يقول علماء السلوك: التخلية قبل التحلية، ومعنى التخلية: أي يتخلى الإنسان عن رذائل السلوك القلبية والعملية، أما التحلية: فيتحلى بالفضائل والأخلاق الحسنة الداخلية والخارجية، ومثال على السلوكيات الداخلية التي تنبني عليها أمور خارجية: الحسد والكبر والرياء والنفاق، فعندما يحسد شخص شخصا آخر تجده يقوم بأفعال مضادة فيشاكيه ويقاتله على اتفه الأسباب، لا لشيء وانما (حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) لمثل هذه الأعمال ينبغي عليه أن يعمل على تركها ويعمل بضدها حتى تتجلى التخلية قبل التحلية، فالإنسان عندما يتخلى عن الرذائل الداخلية لابد أن يكتسب مضاداتها وهي الأشياء الحسنة، فإذن التخلية تعني التطهير، والتحلية الزيادة في اكتساب الأشياء الحسنة، وعلى هذا فقد أقسم الله سبحانه وتعالى في سورة الشمس بأحد عشر أمرا.. (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا، وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) فقد أقسم سبحانه بكل هذه الأمور لأنها مهمة، وجاء الجواب: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)، وكذلك في قوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) فقد قدم التزكية هنا على العلم، فلابد ان يصحب العلم التزكية، ولهذا نجد أن السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم وأولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة والكرام التابعين قد اهتموا بهذا الجانب من بناء القيم الداخلية.. وقد جاء في صحيح مسلم: «ألا ان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح سائر الجسد واذا فسدت فسد الجسد كله، ألا هي القلب» وقد نجد أن بعض العلماء عندهم من العلوم الكثير، وربما في العلوم الشرعية، لكنه ربما لا يصلي – والعياذ بالله – فهناك نقص وخلل وعدم توفيق، وتجد بعض الناس علمهم قليل، لكنهم بفضل توفيق الله وبتزكيتهم لأنفسهم أن ما يقومون به مبارك فيه، وعملهم فيه فائدة لأنفسهم ولأسرهم ولغيرهم من خلق الله.
وأضاف قائلا: ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف نزكي أنفسنا؟ والجواب: يكون ذلك بالمعرفة الحقيقية بالله تعالى بأنه هو الخالق فالإنسان الذي لا يعرف ربه لا يعرف نفسه، والمعرفة الحقيقية بالله تعالى بقراءة الكون المفتوح، والقرآن الكريم ركز على هذه الجزئية فكثيرا ما يأتي بآيات الخلق.. (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)، وكقوله تعالى: (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ)، وقوله سبحانه: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)، ويأتي بمثل تلك الآيات في مواضع مختلفة من القرآن الكريم تذكيرا للناس. والأمر الثاني الموصل للتزكي هو: قضية الموت، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ)، مشيرا إلى أن الملاحدة والكفار الذين لا يؤمنون بإله، لو جادلتهم ربما يغلبونك في أمور كثيرة إلا في شيء واحد وهو الموت، وهو كأس وكل الناس شاربه.. (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)، فهو يأتي للصغير والكبير والضعيف والقوي والمرأة والرجل والغني والمسكين والحاكم والمحكوم، مبينا أن التذكير به يذكر القلوب بالرجوع إلى الله وبالتالي تتزكى النفس.
وأشار إلى من الأمور التي تؤدي إلى تزكية النفس أيضا ذكر الله عموما، وأفضلها وأعلاها قراءة القرآن الكريم، ولو جرب احد ذلك بحيث يقرأ جزءا أو جزأين متواصلين أو حتى خمسة أجزاء أو يقرأ سورة البقرة متواصلة مثلا وينظر نفسه قبل القراءة وبعدها، يجد من الراحة النفسية بعد القراءة حدا لا يوصف، أو ليستمع إلى القرآن الكريم تجد له التأثير العجيب الغريب حتى على غير المسلمين، ويأتي بعد ذكر القرآن الكريم الأذكار الأخرى والتي افضلها «لا إله إلا الله» وهي خير ما قاله نبينا الكريم والأنبياء من قبله، وكذلك الاستغفار، فلو استغفر الإنسان كل يوم 300 مرة وليقل جملة التوحيد «لا إله إلا الله» كل يوم مائة مرة أو مائتين، والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مائة مرة فلينظر نفسه بعد شهر، سيجد نفسه اختلف عما قبل، حتى في خفته وفي ثقله، مشيرا إلى أن ذلك كله من تزكية النفس، ومن التزكية أيضا مجالسة الصالحين وهم أهل الصلاح الحقيقي وليس الصلاح الظاهري فمجالستهم فيه تذكير وهم الذين يذكرونك اذا نسيت، ويقومونك إذا اعوججت وينصحونك إذا أخطأت، وليأت كذلك بتراجم الصالحين وتراجم العلماء وكذلك قيام الليل ولو بركعتين قبل الفجر، وهو الأمر الذي يزيد من تزكية الإنسان، مبينا أن من ضمن التزكية أن يبتعد الإنسان عن الحرام، وعن الشبه، لأن ذلك مضر بالقلب وهو بلا شك خلافا للتزكية.
وأضاف قائلا: واذا ما أتينا إلى القاعدة الثانية (لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) التي ورد ذكرها في سورة المائدة: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فالخبيث كل شيء رديء وكل اعتقاد أو فعل أو قول مخالف للشرع والعقل فهو خبيث وإذا خالف الشرع من باب أولى يخالف العقل. وعكس ذلك الطيب كل شيء طيب من اعتقاد أو فعل أو قول فالحلال والحرام هذا خبيث وهذا طيب، وكذلك الكذب الصدق، فكثير من الناس لو نهيته عن أمر: ولماذا فعله؟ لأجاب أن كل الناس يعمل ذلك؟ وهنا جاء الجواب: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ)، ولذلك قال تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، مبينا أن الكثرة والقلة ليست بمقياس على صحة ذلك وإنما ينبغي أن يكون المقياس هو الشيء في نفسه هل هو خبيث أو طيب، مشيرا إلى أن من الأمور المهمة هنا في هذه القاعدة تدخل تحتها أمور كثيرة، وركز هنا على قضية الكسب لأن الآية أتت في سياق كسب المال ولذلك قال سبحانه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، مؤكدا أن عدد النداءات في القرآن الكريم هي 89 نداء منها 16 نداء في سورة المائدة، وان أول نداء في القرآن الكريم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، وآخر نداء قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، فخاطبهم في الآية السابقة بأولي الألباب أي يا أيها العقلاء إن كنتم تريدون الفلاح فعليكم أن تقيسوا مقاييس الطيبة والخبث بالمقياس الحقيقي وليس بمقياس الكثرة والقلة، وقد جاء تلك الآيات في موضوع الكسب.
وأضاف: إن موضوع الكسب هو موضوع خطير جدا لكثير من الناس لا يبالي بالدرهم والدينار من أين أتاه، ولو تظاهر بالتقوى والصلاح، فالحق سبحانه وتعالى خاطب الناس جميعا ولم يخاطب المؤمنين فقط: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)، وخاطب الرسول خاصة: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)، مبينا أن التشديد على ذلك الأمر لأن الموضوع خطير جدا، فمن لم يبالِ من أين أخذ الدرهم والدينار، لم يبالِ الله من أي باب ادخله النار والعياذ بالله، وذلك بسبب أن الكسب تنبني منه الأجسام ومما تنبني عليه الأجسام القلوب، وينبني من ذلك الأبناء، مشيرا إلى أن الكسب الخبيث مثل الربا والعياذ بالله تترتب عليه أشياء سلبية ومن ذلك انتزاع البركة، ولو تتبعنا الحوادث المرورية على سبيل المثال لوجدنا أن اكثر من يقع فيه هم ممن سلكوا هذا الطريق.
وأشار إلى أن اهم شيء في التزكية تخلى الإنسان عن الحرام، مشيرا إلى أن الناس الصالحين المصلحين يبتعدون عن الشبهات، «فالحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام»، وسيدنا عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه كان يقول: كنا نترك كذا باب من أبواب الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام، مشيرا إلى أن هنا قاعدة أخرى وهي «ولا تبخسوا الناس أشياءهم» وهذا الجزء من الآية الكريمة جاء على لسان سيدنا شعيب عليه السلام في ثلاث سور: الأعراف وهود والشعراء، وهذه الآية جاءت في المعاملات المالية لأن قوم شعيب كانوا يلعبون بالمكاييل، فعدم بخس الناس أشياءهم هو أمر مهم، فلو كان الإنصاف وشعار (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) موجودا لأمن الناس وراجت الأسواق، كما أن قلة الإنصاف من دواعيه تقطيع الأواصر والأرحام، ويدخل من ضمن ذلك الزوجان إذا ما انفصلا بعد عشرة طويلة ترى كل واحد منهما يكيل للآخر من المذمة ولم يذكر له أي حسنة، وكذلك صاحبان اذا ما فرق بينهما الشيطان بعد طول عشرة حسنة قد تجد احدهما اذا سئل عن صاحبه لم يذكره بسوء بل ينسب الخطأ إليه ولكن لو سئل الآخر لكال لصاحبه التهم وذكره بما ليس فيه، فأين أولئك من (ولا تبخسوا الناس أشياءهم). مبينا أن هناك قاعدة أخرى وهي (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) وهذه لها دلالاتها في تعيين العاملين في المناصب العامة والخاصة، وما هي الشروط المهمة في ذلك.
واختتم الهنائي محاضرته بقصة ذكرها المؤرخون عن سيدنا الخليفة الخامس عمر بن عبدالعزيز الذي كان يتصف بالعدل فلما قربت وفاته كان عنده 11 ولدا ذكرا لم يبلغ منهم احد، فقال له احد العلماء: يا أمير المؤمنين لماذا تترك أولادك عالة فقراء وأنت قادر أن تغنيهم وأنت أمير المؤمنين، فأحضرهم إليه وقال لهم: يا أبنائي وعيناه تذرفان من الدمع: والله لم أمنعكم حقكم، وذلك لم أعطكم حقا من أموال المسلمين، وأنتم تركتكم صلحاء من كان منكم الصالح لن يضيعه الله، وأما الطالح فلن اترك له أموالا يعبث بها، قال الرواي: رأيت من أولاده من يجهز مائة فارس في سبيل الله، فقد اغناهم الله، وفي المقابل أبناء احد الملوك الأمويين ترك لكل واحد من أبنائه ستمائة الف دينار وقد ذكر الراوي انه رأى بعضهم يتكفف الناس، مبينا أن العبرة ليست بالتركة وإنما العبرة بما ترك. فلذلك حذاري من أن (ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، ومن (قل لا يستوي الخبيث والطيب)، و(من تزكى فإنما يتزكى لنفسه) والى الله المصير.