هوامش…ومتون: عيدٌ، ومباهج منزليّة، وكمّامات!

عبدالرزّاق الربيعي
Razaq2005@hotmail.com

لأنّ العيون التي لاح في طرفها هلال عيد الفطر المبارك، كانت تتنفس الهواء الآمن النقي من وراء كمامة، أنيقة، تليق ببهجة العيد، وبأصابع من حرير مغطّاة بقفّازات، وغاطسة بالمعقّمات، دقّ أبوابنا عيد منفرد، وعلى الفور، فتحنا له أبوابنا، هاشين، بمقدمه، باشّين بوجهه، الذي وضع على مقدّمته كمّامة، فدخل، وأدخل معه بهجة منزلية لا تقلّ جمالا عن البهجة المعهودة!
عيد “كورونا” المنفرد، لا يقلّ جمالا عمّا سبقه من الأعياد الجماعيّة التي عرفناها منذ أن وعينا على أفراح العيد، منذ أكثر من خمسين سنة، وتبعا لطبيعة الحياة، وتقلّباتها، لم تكن كلّ تلك الأعياد تسير على وتيرة واحدة، لكنّها بكل الأحوال كانت أعيادا، وتجمّعات، نتبادل، خلالها، التهاني، السائرة على نحو “عيدك مبارك، وإن شاء الله من العايدين “، و” كل عام وأنتم بخير”، وبدلا من أن نذهب للعيد، جاء إلى بيوتنا، بدون إبطاء، ولا تردّد، وبعد دقائق لم يعد “غريب الوجه واليد واللسان”، وبدأ اختلافه عن الأعياد السابقة بالتلاشي، رغم أننا بدأنا عيدنا قابعين في البيوت، بلا صلاة عيد في المسجد، ولا زيارات، ولا ذبائح إلّا بشكل عائلي، ومحدود، ولا تفصيل ملابس جديدة، ولا ذهاب إلى صالونات الحلاقة بالنسبة للرجال، وصالونات التجميل، وأماكن وضع الحناء، بالنسبة للنساء، وإذا كان الشاعر حين يتحدّث عن العيد، قبل العيد الأخير يرى:

“المسلمون أشاعوا فيه فرحتهم


كما أشاعوا التحايا فيه والقبلا”

فالتحايا صارت عن بعد، وجاءت خالية من القُبَل، سوى قُبَل ايقونات الهواتف الذكيّة التي يتبادلها الأهل، والأصحاب، ومثلما يتبادلون صور باقات الزهور، وايقونات المصافحات، واللقاءات الإلكترونية، ورغم أننا تدرّبنا على هذا الوضع من خلال الاستغناء عن أعياد الميلاد، التي صادفت الشهور الثلاثة الأخيرة، واختزالها بإرسال التهاني عبر الرسائل القصيرة، أو المقاطع الصوتية، وبطاقات التهنئة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو في أفضل الأحوال عبر البثّ المباشر ( اون لاين) مع الأهل ، والأصدقاء المقرّبين حفاظا على رمزية المناسبة، أقول: رغم ذلك، إلّا أنّ تلك ( التمارين) لا يمكن عدّها شيئا إزاء مناسبة دينية، واجتماعية كبرى كمناسبة عيد الفطر المبارك، غير أن الوضع العام لم يكن يسمح بممارسة أي طقس من طقوس أبرزها: صلاة العيد، والتجمعات العائلية، وتبادل الزيارات، فلزمن كورونا قوانينه، والتزامنا بتوجيهات اللجنة العليا المكلّفة ببحث آليّة التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار “كورونا” التي منعت التقارب الاجتماعي، وامتثالا لها وضع من اضطر الخروج على وجهه الكمّامة، فجاءت التهاني (عن بعد)، ومن وراء الكمّامات، وكنّا نقلّب صور الأعياد السابقة، في البومات الصور، وصفحات الذاكرة، مثلما كان المعتمد بن عباد يتذكر مباهج العيد حينما مرّ عليه وقد أودعه ابن تاشفين في سجن “أغمات”:

فيما مَضى كُنتَ بِالأَعيادِ مَسرورا
فَساءَكَ العيدُ في أَغماتَ مَأسورا

أَفطَرتَ في العيدِ لا عادَت إِساءَتُهُ
فَكانَ فِطرُكَ لِلأكبادِ تَفطيرا

وتذكرنا الشاعر مصطفى جمال الدين، وهو في غربته يتذكّر العيد وسط الأهل:

هذا هو العيدُ ، أينَ الأهلُ والفرحُ
ضاقتْ بهِ النَّفْسُ، أم أوْدَتْ به القُرَحُ؟!

وأينَ أحبابُنا ضـاعتْ مـلامحُهم
مَنْ في البلاد بقي منهم، ومن نزحوا؟!

لكنّما المباهج المنزليّة عوّضت عن ذلك، فعشنا طقوس العيد بشكل جعل الفرح يدخل قلوبنا، خصوصا أنّ الأصل فيّ (عيد الفطر) فرحة الصائم بتأدية فرض شرّعه الله هو ركن من أركان الإسلام، بعد شهر أمضاه في العبادة، وهذه الفرحة مكانها ليس الشوارع، وساحات التجمّعات، ولا حتى البيوت، بل في القلوب، فالعيد بكلّ أحواله بهجة، ومن مباهج هذا العيد، أنّنا أعطينا من نحبّ من البعيدين حقّهم من التواصل عبر الاتّصالات، والرسائل.
كان عيدنا خفيف الظل، فبعد أن أخذ “العلوم”، وتناول “العرسيّة”، و”تقهوى” معنا، وأكل من كعك العيد، استأذننا، ليواصل زياراته، التي يرسم من خلالها البهجة تاركا وصيّته الأخيرة: خليكم بالبيت!