ألمانيا وعالـم مـا بعـد كـورونا

إميل أمين –

ضمن السياقات المتعددة التي سيخلّفها فيروس كورونا من ورائه، إعادة ترتيب الكثير من الأوراق الجيوسياسية حول العالم، وفي المقدمة منها المكانة الأممية لتراتبية الدول والشعوب على خارطة الشطرنج الإدراكية.
حكمًا السؤال الأول الذي سيطرح سيتناول شأن الصراع القطبي ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية من جهة، وما بين الاثنين والصين من جهة أخرى، وهذا أمر طبيعي، فالمنافسة على تسنم العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تدور بين قطبي الرحى روسيا وأمريكا، وإن كانت الصين قد بدأت تشاغبها شهوة القوة والمكانة العالمية، إلا أنها في نهاية المشهد سوف تسابق الزمن لأخذ موقع وموضع عالمي، حتى وإن بدا المشهد اقتصاديًا إلا أنه لن ينفك أن يتحول عسكريًا.
كل ما تقدم يصب في السياقات الطبيعية والتقليدية المعتادة على المسار الدولي، لكن مجلة الفورين بوليسي الأمريكية ذائعة الصيت، والتي تصدر عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في نيويورك، الجهة الأكثر تأثيرًا في عملية صناعة القرار الأمريكي، كان لها رأي آخر في أحد أعدادها الأخيرة، إذ رأت أن ألمانيا ربما تكون هي قائدة العالم الحقيقي في أزمة كورونا، وليس الصين أو الولايات المتحدة الأمريكية، كيف ولماذا؟
على أنه قبل الجواب عن علامات الاستفهام المتقدمة ، ربما يتحتم علينا الإشارة إلى أن الصحوة الألمانية قد بدأت بالفعل منذ زمن بعيد، سيما وأن جينات العظمة في الشعب الألماني، لم تنقرض بعد الهزيمة والاستسلام لدول الحلفاء، وتقسيم الدولة مع الاتحاد السوفييتي.
عمل الألمان بجد وجهد وإخلاص، وانتظروا أربعة أعوام ليسقط جدار برلين مرة وإلى الأبد، ولتعود ألمانيا الموحدة من جديد، لتشع بقوتها ونفوذها الأدبي والمادي على عموم أوروبا منذ التسعينات، ويكفي ألمانيا فخرا، أنها استطاعت أن تتكفل بعبء دولة كاملة، ألمانيا الشرقية، مع كل الإرث السيئ الذي خلّفته الشيوعية هناك.
في هذا السياق لا يمكن لأحد إغفال ملاحظة المعسكرين، ولو جوازا، الشرقي والغربي لنهضة ألمانيا، ما جعل منها قلب أوروبا الاقتصادي النابض بالفعل ، الأمر الذي فتح أعين الجميع عليها، لا سيما العم سام، والذي بلغ به المشهد حد تعطيل استرجاع ألمانيا مخزونها الذهبي المودع في البنك الفيدرالي الأمريكي منذ خمسينات القرن الماضي، وتاليا بدا وكأن الرئيس ترامب يخشى من صحوة الألمان، ولهذا ذهب في المطالبة برفع نسبة مساهمة الألمان في تكاليف حلف الناتو، وعند نقطة زمنية بعينها كان أقرب ما يكون إلى فرض قيود اقتصادية على الألمان، وتحدث علنا عن أنهم لا يشترون البضائع الأمريكية، في حين تمتلئ شوارع أمريكا بالسيارات المرسيدس.
كل ما تقدم كان ينبئ بأن الألمان ماضون في طريق نهضة كبرى وصحوة أكبر، وبدت المستشارة ميركل أكثر انفتاحًا على الجانب الآسيوي، روسيا من جهة، والصين من جهة ثانية، وارتفعت نبرة الحديث عن أوراسيا ذلك الحلم الآسيوي الأوروبي القديم الجديد والذي أشرنا إليه أكثر من مرة في مقالات سابقة.
الآن بدا العالم ينظر إلى ألمانيا نظرة متميزة أكثر بعد الطريقة التي تعاطت بها مع كورونا فماذا عن ذلك؟
هناك جانبان عند الألمان في التعاطي مع الأزمة وكلاهما لفت الانتباه بشدة للمشهد الآني، الأول ظاهر للعيان على صعيد الحياة السياسية، والآخر خفي وعميق وموصول بقدرات ألمانيا الاستخبارية الخارجية، وهذه قصة تحتاج لاحقًا لإلقاء مزيد من الضوء عليها.
بداية كان من الواضح أن الألمان لديهم علم مبكر من كتاب كورونا، وهناك تأكيدات بأن الاستخبارات الخارجية الألمانية ، قد رصدت تفشي الوباء في ووهان الصينية منذ نهاية أكتوبر المنصرم ، ولهذا عمدت إلى الاستعداد الفائق لمواجهة الخطر القادم ، من خلال عدد أجهزة التنفس الصناعي ، والأسرة اللازمة للمرضى، وخطط الطوارئ لملاقاة الأزمة ، ويمكن أن يكون هناك ما أكثر من ذلك بمعنى حصول الجانب الألماني على معلومات عن الفيروس، ساعدت في بلورة بروتوكول علاجي ما جعل أعداد الوفيات أقل ما يمكن في الداخل الألماني، مقارنة ببقية الدول الأوروبية.
ألمانيا كذلك كانت الدولة الأوروبية الوحيدة التي تحدثت بشجاعة عن الدور الصيني الحكومي في الأزمة ، إذ أشارت إلى أنها حصلت على معلومات تفيد أن تنسيقا ما جرى بين أعلى القيادات الصينية، وبين منظمة الصحة العالمية بهدف تأجيل الإعلان عن الوباء الجديد الأمر الذي جعل العالم يكتشف المأساة الكبرى في القرن الحادي والعشرين بعد ستة أسابيع من حدوثها، ولو كان جرس الإنذار قد ضرب مسبقًا لربما كانت أعداد الضحايا أقل والخسار أهون مما هي عليه الآن.
هنا تبدو ألمانيا في مقدمة الدول التي استطاعت الدفاع عن حياة شعبها، الأمر الذي سيرفع من قدرها في أعين الشعوب الأوروبية وشعوب العالم قاطبة ، لا سيما حال المقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية، القطب الأكبر والفاعل ألأمهر على صعيد الحياة الأممية.
ماذا عن الجانب المدني الذي يجعل ألمانيا قائد ناجح وسط أزمة كورونا؟
مؤكدًا أن أوروبا تعرضت لاختبار عميق وخطير حول اتحادها ووحدتها ومقدرتها على مساعدة بعضها البعض، وكانت السقطة عميقة والهوة سحيقة في بدايات الأزمة، لا سيما المشهد الإيطالي وبعد أن رفضت كل الدول الأوروبية بما فيها ألمانيا، استنقاذ إيطاليا.
غير أن الألمان سرعان ما عدلوا من أوضاعهم، وغيروا من طباعهم، وكانوا الأداة الأسرع والأهم في مساعدة الشعب الإيطالي الذي أظهرت الأزمة هشاشة بنيته واقتصاده واستعداده لملاقاة القلاقل.
أرسل الألمان إلى الإيطاليين أكثر من 7.5 مليون طن من الإمدادات الطبية، بما في ذلك أجهزة تنفس صناعي، وتاليا قامت القوات المسلحة الألمانية بحسب الفورين بوليسي بنقل 22 مريضًا إيطاليا وفرنسيين من المصابين بالفيروس للعناية المركزة جوًا إلى ألمانيا، ونقلتهم إلى وحدة العناية المركزة الطائرة التابعة للجيش.
هل توقفت المساعدات الألمانية على دول الاتحاد الأوروبي فقط؟
من الواضح أنها تعدت ذلك بكثير ووصلت الكثير من دول العالم، لا سيما الإفريقية بنوع خاص، وإن كانت الدعاية الألمانية لم تنجح في إظهار الصورة الحقيقية للأيادي البيضاء الألمانية.
ما قامت به ألمانيا وسط الأزمة الحالية يطرح تساؤلًا جديًا وجذريًا عمن يقود العالم وسط أزمة كورونا، وهنا فإن التساؤل لا علاقة له بما تملكه الدول من الصواريخ النووية أو حاملات الطائرات البحرية، وإنما البحث المعمق عن النموذج الإنساني القادر على حماية الشعب في الداخل، وتقديم يد العون للخارج، وهذا ما نجحت فيه الصين باقتدار في ظل عالم مضطرب هائج ومائج.
الخلاصة.. الدور الألماني العالمي ما بعد كورونا يرسخ أقدامه على خارطة الكون الجغرافية والديموغرافية على حد سواء.