مرفأ قراءة… «لكل المقهورين أجنحة».. دعوة للحرية!

إيهاب الملاح

-1-
ستظل الكاتبة والناقدة والمبدعة الراحلة رضوى عاشور (1946-2014) واحدة من أهم الأصوات المبدعة والنقدية في تاريخنا المعاصر، ورغم رحيلها الفاجع قبل ست سنوات، فإن حضورها الإنساني، ودوائر تأثيرها العلمية والنقدية ما زالت تنبض بالحيوية والانتشار والمقروئية، وأية محاولة للكتابة عن مسار رضوى عاشور وتجربتها (الثقافية عمومًا، والإبداعية خصوصًا) تستدعي الانتباه إلى غزارة الإنتاج، نقدًا وإبداعًا؛ إنتاج يمتد عبر مراحل من تاريخنا المعاصر.
وكل قراءة جادة لرضوى عاشور تستدعي بدورها دراسة وتحديد السياق الثقافي والاجتماعي والتاريخي لهذا الإنتاج الغزير، ففي كل رواية أو نص سيري أو مذكرات شخصية، وفي كل عمل نقدي كانت تنجزه، كانت تدسّ قطعة من حياتها، وتجربتها الإنسانية والنضالية، وقد جعلت هذه الخاصية كل أعمالها مستوحاة من الحياة المعيشة شخصية كانت أو عامة.
رضوى عاشور؛ الاسم الذي اشتهر في أوساط القراء كروائية مجيدة من خلال أعمالها الشهيرة «غرناطة»، و«الطنطورية»، و«قطعة من أوروبا»، وغيرها من الأعمال التي حفرت لها مكانة متميزة وباقية في قلوب القراء، ليس في مصر وحدها إنما في العالم العربي كله، هي بالأساس أستاذةٌ قديرة من أساتذة الأدب الإنجليزي، ومتخصصة رفيعة المقام في النقد الحديث والمعاصر، في الجامعات المصرية والعربية، حصلت على الدكتوراه عن رسالتها عن الرواية الإفريقية (الرواية في غرب إفريقيا).
تركت لنا عاشور ما يقرب من خمسة عشر نصًّا إبداعيًّا، وخمسة كتب معتبرة في النقد الأدبي، بالإضافة إلى مساهمتها في المشروع الضخم المتمثل في «موسوعة الكاتبة العربية»، كما أشرفت على ترجمة المجلد التاسع لـ«موسوعة كمبردج في النقد الأدبي»، وساهمت فيه، وأنجزت إلى جانب ذلك كله ترجمة ديوان شعر من العربية إلى الإنجليزية.

-2-
في دائرة النشاط النقدي البحثي والمقالي؛ تميزت عاشور بكتاباتها النقدية النظرية والتطبيقية على السواء؛ وكانت من أبرز من قدموا إسهامات جادة ورصينة في موضوعاتٍ إشكالية؛ كالنقد بين النظريات المغلقة والفضاء التأويلي الحر، ومثل إشكالية نشأة وتلقي الأنواع الأدبية الحديثة في الثقافة العربية (الرواية تحديدًا)، وأولية الرواية العربية؛ فضلا على قراءاتها المعمقة لأبرز الكتاب والمبدعين العرب في الخمسين سنة الأخيرة؛ وعشرات المقالات والدراسات والبحوث التي لم تجمع من قبل بين دفتي كتاب واحد.
وفي ذكرى رحيلها الخامس، أصدرت دار الشروق كتابها «لكل المقهورين أجنحة ـ الأستاذة تتكلم»، وهو الذي يضم مقالاتها وكتاباتها النقدية الممتعة التي لم تُجمع من قبل، ولم يَسبق لها الظهور بين دفتي كتاب واحد، موزعة على ستة أبواب ضمت ما يقرب من أربعين مقالًا شاملًا، تغطي قضايا في اللغة والأدب والرواية والتاريخ، وبعض الموضوعات المتصلة بفلسطين نضاليا وإبداعيا، وعن الجامعة والثورة والمقاومة الفكرية والنشاط العام، وسيرة الرفاق (شخصيات ثقافية ونقدية رفيعة المقام)، وأخيرًا كلمات التكريم والجوائز والمقالات المكتوبة بالإنجليزية.
عشرات المقالات كتبتها رضوى عاشور في الأدب، والنقد العربي، والأجنبي، والقضايا الثقافية العامة، والحراك الجامعي والمجتمعي العام، وكانت منذ البدء مدركة أن الكتابة هي أقصى أفعال المقاومة، وأن النضال من أجل إحداث قطيعة مع تراث الوأد والقهر والتخلف لن يكون ممكنا بمجرد الدخول في معارك نسوية محدودة أو من خلال كتابة الجسد والالتفاف حول الذات في الإنتاج السردي، كما فعل العديد من الكاتبات.
لقد اختارت رضوى عاشور لنفسها منحى مختلفا، وسارت على درب أستاذتها لطيفة الزيات (التي تستحضرها في واحدة من أعمق وأمتع مقالات الكتاب) معمقة هذا التوجه الذي فتح لها سبلًا جديدة لم تسلكها لطيفة الزيات نفسها. لقد اهتمت رضوى بالحفر في أعماق الذات، ورصد المعيش في الوقت ذاته، وذلك من أجل استيعاب التغيرات التي تتم تلقائيًّا أو تفرض عنوة على الأفراد ومجتمعاتهم.

-3-
وعلى الرغم من علاقة الكاتبة بالتاريخ، ومن إنجازاتها في مجال كتابة «الرواية التاريخية»، وكان هذا هو عنوان مشروعها الإبداعي الأكبر الذي لازمها لسنوات طويلة، فإنها لم تقتصر على كتابة الرواية التاريخية، بل شملت كتاباتها أشكالًا روائية متعددة، كتبت ما يسمى بـ «رواية الحرم الجامعي» التي تتناول من خلالها مشاهد من أحداث تدور في الجامعة، كما في رواية «أطياف»؛ وكتبت ما يعرف بـ«أدب الشهادات» في روايتيها «قطعة من أوروبا» و«الطنطوريّة».
وفي النوع الأدبي المعروف بـ «رواية السجن»؛ ذلك الرافد المهم من روافد الأدب العربي، فتمثلها رواية «فرج» التي قدمت من خلالها تجربة الاعتقال السياسي. فقد أدركت كاتبتنا إذن منذ البداية- وهي المدافعة أبدا عن الحرية- أنها لا تستطيع أن تسجن نفسها في “زنزانة” العمل الأكاديمي فحسب، أو أن تلزم نفسها بشكل واحد من أشكال الإبداع الروائي، فسعت إلى التحليق بأجنحتها خارج الإطار صانعة لنفسها مساحة أرحب تستطيع أن تتنفس من خلالها.
في المقابل، كان إنتاج رضوى عاشور النقدي هو الوجه الآخر لمشروعها المكرس لعلاقة الكاتبة بموروثها الثقافي والنقدي معا. وكان التنظير النقدي، والتحليل المعمق لأسس ما أنتجته من نصوص إبداعية، والإشكالات التي تتعرض لها، هو الوجه الآخر لنشاط رضوى عاشور؛ وهو ما يتبدى في مقالات «لكل المقهورين أجنحة»؛ إذ تحضر كل هذه القضايا والموضوعات بكثافة وعمق وتحليل رهيف في الكتاب وفصوله؛ فتتأمل الرواية نظريا كجنس أدبي، ومنها إلى العديد من القضايا المتصلة بها.

-4-
كانت عاشور على وعي تام بالعلاقة الخاصة بين السرد والتاريخ؛ فالتاريخ يعد نوعًا خاصًّا من السرد، وصفة السرد الملازمة له تعني أنه، كالرواية، سرد للأحداث، وأن الدافع إلى الاسترجاع أو القراءة هو وجود الماضي في الحاضر وتأثيره أيضًا في القادم.
وتظهر دراسة رضوى عاشور العميقة في الكتاب أن علاقة السرديات بالتاريخ، وخاصة تاريخ الأمة العربية (سواء في الأندلس أو فلسطين أو العراق أو مصر) ظلَّت عند رضوى عاشور مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحياة الناس أو حياة الأمم وتركيباتها الاجتماعية ومنظوراتها السياسية والثقافية والمعرفية، ارتباطًا يحيل النظم التي ينشئونها ويعيشون في إطارها إلى صنف من السرديات.
تناولت عاشور في «ثلاثية غرناطة» سردية ضياع الأندلس، كما كتبت عن السردية الفلسطينية في «الطنطوريّة» و«أطياف»، أما سردية الوطن فهي حاضرة في جلّ أعمالها الروائية مما يجعلنا نصف رواياتها التاريخية بأنها «قصص حقبة أو مرحلة».
هكذا، وعبر ثلاثة فصول مترابطة تعالج عاشور موضوعات الرواية والتاريخ، وتخص «الطنطورية» بحديث مفصل بمناسبة الاحتفال بتوقيعها مع القراء، وتخصص محاضرة في برشلونة للحديث عن «ثلاثية غرناطة»، وتسجل شهادتها الروائية كمبدعة في «التاريخ، اللغة، الكتابة»، وأخيرًا تعرض لأدب السجون في العالم العربي كما تجلى في عدد من أبرز نصوصه.
وسيكون حديثها عن رفاق الفكر والنقد والهم الثقافي العام؛ ممتدا ليصل بين لطيفة الزيات وفاطمة موسى، وإدوارد سعيد، ونصر أبو زيد، وبين محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، وإحسان عباس، وناجي العلي، وزكي مراد.

-5-
الكتاب حافل بالمقالات المهمة والممتعة معًا، وشديد الثراء في موضوعاته ورؤاه وجذّاب بلغته النقدية المنضبطة الواضحة والعميقة والنظرية والمنهجية، في الوقت ذاته، دون أدنى تعارض أو تناقض.. ويبقى القسم الخاص بالمقالات المكتوبة بالإنجليزية شديد الأهمية في موضوعاته عن هموم الكتابة والتأليف، ولترجمته للمرة الأولى إلى العربية.
ورغم رحيلها وغيابها الجسدي، فما زالت الأستاذة تتكلم.. ونحن نسمع ونتعلم.