تقرير: السلطنة.. نموذج للازدهار الإحيائي بين ثلاثة بحار

عمان: يحتفل العالم في الثاني والعشرين من شهر مايو الجاري باليوم الدولي للتنوع الإحيائي (International Day for Biological Diversity) لما له من أهمية نحو الأمن الغذائي والاستقرار الأمني فهو أساس الحياة البشرية على الأرض وإحدى ركائز التنمية المستدامة ويدعم التنوع الأحيائي سبل معيشة الشعوب والتنمية المستدامة في جميع النشاطات بما في ذلك القطاعات الاقتصادية مثل الزراعة والغابات ومصائد الأسماك والسياحة وغيرها، ويعرف التنوع الأحيائي البحري بأنه الحياة بالبحار والمحيطات ليشمل تنوع في الكائنات البحرية وبيئاتها التي تعيش عليها والجينات التي تشكلها، ويأتي أهمية التنوع البحري إلى كون 70% من الكرة الأرضية عبارة مساحات بحرية ومحيطية حتى أن البعض يطلق على الكرة الأرضية بالكرة المائية. أيضا تقدر نسبة البشر الذين يعيشون قرب السواحل البحرية والمائية إلى أكثر من 50%، كما تعد الثروات البحرية وبيئاتها ملجأ للأمن الغذائي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والروحي.
ويزدهر التنوع البحري في السلطنة بسبب موقعها الجغرافي فهي محاطة بثلاثة بحار رئيسية بحر العرب وبحر عمان والخليج العربي وهي بحار متباينة ومتداخلة فيما بينها من حيث الخصائص البيولوجية والفيزيائية والكيميائية. وأهم ما يميز بحار عمان هو وجود ظاهرة انبثاق المياه القاعية إلى السطح (upwelling) نتيجة الرياح الموسمية الجنوبية الغربية التي تستمر ثلاثة أشهر (يونيو-أغسطس) من كل عام في بحر العرب وتعمل على قلب المياه القاعية ونقلها إلى المياه السطحية والعكس وينتج خلالها انخفاض في درجات الحرارة وازدهار المواد الغذائية الدقيقة التي تعد الحلقة الأولى من السلسلة الغذائية وبالتالي تنتعش الحياة البحرية من حيث نمو الطحالب البحرية وتكاثر معظم الكائنات البحرية خاصة الرخويات، ويعد بحر العرب الأكثر تنوعا من حيث الأنواع والبيئات التي تعيش عليها هذه الأنواع.
وقد تميزت السلطنة بوجود بعض الأنواع البحرية التي قد لا تتواجد في أية دولة في العالم مثل نوع قوقعة أذن البحر والمعروفة محليا بالصفيلح وهو النوع الوحيد على مستوى العالم والمتواجد في السلطنة، وهناك أنواع أخرى من نجوم البحر وقنافذ البحر والرخويات، وقد تم مؤخرا التعرف على أنواع جديدة من أسماك الببغاء وتم تسجيلها عالمياً وكذلك تم اكتشاف وتسجيل أسماك الضفدع بالإضافة إلى تسجيل الوجود الأول لسمكة تنين البحر العميق.
وبناء على الدراسات الحديثة بوزارة الزراعة الثروة السمكية ممثلة بالمديرية العامة للبحوث السمكية تم تسجيل أكثر من 1500 نوع من الأسماك منها 90 نوعا أسماك غضروفية، وأكثر من 1000 نوع من الأسماك القاعية العظمية وحوالي 200 نوع من الأسماك السطحية بالإضافة إلى تسجيل عدد 60 نوعا لأول مرة في السلطنة.
كذلك وبناء على دراسات مسح المحاريات في بحار السلطنة والتي نفذتها المديرية فقد تم تصنيف 252 نوعا من المحاريات وكانت القواقع البحرية هي الأكثر شيوعا وتتواجد بعدد 156 نوعا وهناك 92 نوعا من المحاريات ثنائية الصدفة و4 أنواع من المحاريات متعددة الأصداف، أما القشريات البحرية فقد أظهرت نتائج دراسة مسح سرطانات البحر إلى وجود حوالي 60 نوعا منها 3 أنواع تقع ضمن المصايد السمكية كسرطان الأزرق السابح وسرطان الطين وسرطان البني المنقط.
واستطاع الباحثون بمركز العلوم البحرية والسمكية من تسجيل نوع جديد من الروبيان بمحافظة ظفار يعرف بربيان السيرجيا وقد يتواجد بكميات تجارية، وكذلك تم حديثا تسجيل ولأول مرة نوع جديد من أنواع الشارخة في بحر عمان يعرف بشارخة الأعماق اليابانية ذات القرون المدببة.
ونفذت وزارة الزراعة والثروة السمكية بالتعاون مع جامعة السلطان قابوس دراسة لمسح أنواع خيار البحر وبعض شوكيات الجلد كقنافذ البحر ونجوم البحر في سلطنة عمان وتم تسجيل أكثر من 75 نوعا وعلى النحو التالي عدد 24 نوعا من خيار البحر و20 نوعا من قنافذ البحر و35 نوعا من نجوم البحر ، ومعظم هذه الأنواع قد تم تسجيلها لأول مرة في عمان وقد تم تصنيف معظم الأنواع علميا والتعرف على الأنواع ذات القيمة التجارية منها، ويوجد مصيد لخيار البحر الرملي بمحافظة الوسطى الذي يعد من الأنواع ذات القيمة العالية فالدراسات الحالية مازالت تكشف لنا أنواع جديدة.
أما من حيث التهديدات للتنوع الإحيائي في السلطنة فيمكن تقسيمها إلى قسمين تهديد طبيعي وتهديد آخر بسبب تدخل الإنسان فمنذ عام 2007 واجهت السلطنة تهديدات تتمثل في الأعاصير أدت إلى عمل خلل لبعض البيئات البحرية كالشعاب المرجانية ببحر عمان نتج عنها اختفاء لبعض الشعاب وظهور كائنات بحرية أخرى، إضافة إلى استمرارية حدوث ظاهرة المد الأحمر الطبيعية والتي تؤدي إلى نفوق الكثير من الكائنات البحرية، ومن العوامل التي تهدد التنوع الأحيائي وهي من صنع الإنسان نفسه فالتلوث البحري بجميع أشكاله يأتي في المرتبة الأولى، وكذلك الصيد الجائر وغير القانوني بالإضافة إلى استخدام المعدات غير المشروعة في المصايد.
ومن أجل صون هذه الثروات البحرية وضعت وزارة الزراعة والثروة السمكية لوائح ونظم للصيد تتوافق مع النظم الدولية لتشمل قانون الصيد في أعالي البحار ومدونة السلوك بشأن الصيد الرشيد، بالإضافة إلى وجود بعض الاتفاقيات الإقليمية بين دول الخليج والدول العربية التي تعنى بالمحافظة على الثروات البحرية خاصة المهاجرة منها، وهناك لوائح خاصة لبعض الكائنات البحرية الهامة المستنزفة كالصفيلح والشارخة والروبيان، ووضعت ضوابط لتنظيم وتطوير طرق الصيد التجاري والتقليدي منها حظر الصيد التجاري باستخدام شباك الجرف، وتقوم الوزارة بمراجعات دورية لهذه اللوائح لتتماشى مع التطور الحضاري والنمو السكاني آخذة في الاعتبار صون التنوع الأحيائي البحري بجميع أشكاله.