كبرياء السكوت

د. سالم بن محاد المعشني

للتوَّ عرفت قيمة السكوت، عرفت بلاغته ووقاره، ومرادفته الجليلة “الصمت” ونخالة التجارب الحصيفة بمعية المثل العربي “إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب” وعرفت متى يكون الكلام أخطر جارحة قولية على الإطلاق؛ عندما لايكون خيرا فيهوي بصاحبه سبعين خريفا في النار كما جاء في الحديث الشريف، وجاء أيضا عن أبي هريرة – رضي الله عنه – ” من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت “.
أما في العصر الحديث فقد عرفت الشاعرة العراقية “نازك الملائكة” قيمة السكوت، وسمت به إلى أعلى المراتب والمراقي؛ ووسمته بالكبرياء فعندها – في كثير من الأحوال – يكون الكلام أوالجواب فاضحا ومعيبا للمخبوء من الأسرار ، ولكبرياء السكون. فهل الشاعرة تتناص مع شاعر التراث الحكمي ” زهير بن أبي سلمى ” في قوله :
لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهُ
فلم يبقَ إلاَّ صورةُ اللَّحمِ والدَّمِ

ثم تأتي نازك لتقول:
لو تكلمتُ كيفَ ترتعشُ الأشعارُ/ حزنا وترتمي في عياءِ
لو كشفتُ السِّرَ العميقَ/ فماذا يتبقى مني سوى الأشلاءِ؟

فهل صورة اللحم والدم في بيت زهير هي نفسها صورة الأشلاء عند نازك؟ يبدو كذلك، وإن كانت نازك الملائكة تفلسف السكوت وتمنحه أعلى درجات التقديس؛ فالسكوت عندها في حضرة المواجع والنكبات بمثابة البكارة التي لايجوز فضها، أو بمثابة السر الذي لايجوز البوح به. إن الكلام الذي تدينه الشاعرة هو الكلام الذي طالما صدئت منه أسماعنا دون أن يجترح خطوة واحدة للأمام نحو الفعل، نحو التعبير عن القضايا المؤرقة في حياة المجتمع الذي ما برح ينشد الحرية والسلام، ويرنو إلى التقدم والعدالة الاجتماعية، والمسكوت عنه من الكلام في فلسفة الشاعرة ذلك الكلام الذي في كل لفظة منه قبرٌ للحلم الجميل، وفجرٌ من الجرح المميت!! كلام ترتعش فيه الأشعار من الحزن، وترتمي في عياء، كلام ينكشف فيه السر العميق وعندها تغرس مدية الهلاك الردى في قلب الذات الشاعرة، فتخر صريعة وينفصل الروح عن الجسد ولا تبقى سوى الأشلاء.
لا تسلني لا تجرحَ السِّر َ في نفسي
ولا تمحُ كبرياءَ سكوتي
لو تكلَّمتُ كان في كلِّ لفظٍ
قبرُ حلمٍ وفجرُ جرحٍ ٍ مُمِيتِ
لو تكلَّمتُ كيفَ ترتعشُ الأشعارُ
حزنا وترتمي في عياءِ
لو كشفتُ السِّرَ العميقَ
فماذا يتبقى مني سوى الأشلاءِ؟

على أن الكلام المنهي عنه هنا ليس مطلق الكلام لكنه ذلك الكلام المسيء إلى جلال الصمت والسكون، الكاشف والفاضح للسر العميق، ومتى ينبغي لنا مراعاة أحوال الكلام حتى لا نقع في ذلك المحظور الذي ما إن يفتك بالسر العميق حتى تذهب مادة الحياة “الروح” وعندها ما قيمة الأشلاء ؟.
يبدو أن الشاعر الحق كائن حساس، ومستشعر كبير عن بعد، ولطالما تجاوزت رؤيته النفادة السديم؛ ليرى ما لا يراه الآخرون . من هنا بات لزاما على الشاعر الثوري تبصير الناس بالأخطار المحدقة، عليه أن يضيء للمدلجين السهوب ويرسم للعالقين خارطة الطريق، وسيلته في ذلك الكلمة المعبرة، الدفقة الشعورة الصادقة، ويقف – الشاعر – في ظل العسف والاستبداد بين خيارين أحلاهما مر؛ إما أن يكشف السر العميق ( ما يراه من أهوال الظلم) وعندها يبتني لكل لفظ قبرا، ولكل فجر جرحا مميتا، وإما أن يلوذ بالصمت، ويكتم الكبرياء، وعندها سيسخر كثيرا من أولئك الذين يرغون في الشوارع والطرقات، ومن أولئك الوادعين الذين يسامرون القمر، ويحتفون بأعياد الميلاد، والأنكى منهم أولئك الذين يطبلون للعتاة، ويقيمون المهرجانات لأرباب القصف.
على أن خيار الصمت الذي يتخذه الشاعر ملاذا آمنا سيكون له ثمنٌ غالٍ على المستوى النفسي والشعوري؛ فعلى الشاعر أن يتحمل أعباء الكتمان، ويلجم طوفان عوالمه الداخلية، وفيوضات كائناته الشعرية المزدحمة على صدره، المرهقة لمخيلته، تلك التي تدعوه بين لحظة وأخرى أن تنساح للخارج؛ لتكتب تاريخ ميلادها في سجلات عالم الأحياء، أما وأدها لحظة تشكلها في الداخل من خلال جدار الصمت والسكوت؛ فخطيئة كبرى . يقف إذن كبرياء السكوت كائنا آثر الصمت الجريح دون أن ينطق بالسر الخجول، ولماذا ينكفئ الصمت / السكون إلى سر خجول ؟ هنا تبدو الشاعرة نازك الملائكة غير راضية تماما عن هذا السكوت بدليل أن صمتها جريح، وسرها خجول . الصمت جريح الكبرياء؛ كونه لا يقوى على إدانة الظلم، والسر خجول لإنه كتم البوح . والبوح واجب أخلاقي عند شاعر الالتزام . من هنا تشتد المعاناة، ويحتدم الصراع بين دالتين معنويتي ( الصمت والبوح) الأولى تلجم كائنات الداخل، والثانية تدفعها باتجاه الخارج، والضحية بين طرفي الصراع ( الذات الشاعرة ) . لكن الشاعر من قلب هذه الدراما اختار السكوت، ولاذ بالصمت، آثر أن يحبس البراكين في داخله ويتحمل لظى الإحراق دون أن ينطق بالسر العميق الخجول !! .
لو تكلمتُ رعشةٌ في حياتي
وكَياني تُلحُّ أن أتكّلمْ
وسُكوتي العميق يكتمُ أنفاسي
وقَلبي يكادُ أنْ يَتَحطَّمُ

يبدو أن الشاعرة نازك الملائكة في شوطها الرومانيتكي على مسافة واحدة مع الشاعر الرومانتيكي ( أبي القاسم الشابي ) الذي تنبأ الناقد العربي بقصر عمره نتيجة مثل هذه الحساسية الشعرية الطاغية، والشعور العاطفي الجامح؛ عندما كان يعيش بقلبين: قلبٌ كامدٌ وقلب متموج، أما الكامد فلانرى منه شيئا، إذ يحتفظ به لنفسه وأما المتموج فيعيره لنا؛ حتى لانرى منه إلا ماكان مشرقا . فما أشد معاناة الإنسان بين هكذا قلبين !!
على أن كبرياء نازك الملائكة لها أسرار وألغاز أخرى تتبدى في دمعة حزن تلوح في مقلتين، وتغيب في سكتة خلف انطباقة الشفتين .
ومئات الأسرارِ تكمنُ في دَمْعةِ
حُزْنٍ تلوح في مقلتين ِ
ومئات الألغاز في سكتة
تهتزُّ خلفَ انطباقةِ الشفتين

إن بمقدور الشاعرة أن تقرأ تلك الإشارات الناطقة بلغة فصيحة والمتمثلة في ” دمعة حزن ” وفي ” سكتة وانطباقة الشفتين ” إذن لم يعد ثمة داع للكلام فالصورة بليغة، ولولا أن الشعر وسيلة الشاعرة الأولى لأخذت نازك أحبارها ولوحاتها واستنطقت بلاغة الصورة المرئية من خلال الرسم، ولكنها خلقت للشعر، والشعر وسيلته اللغة، دون أن يعتني بالتفاصيل، فالشعر يلوح ويشير وهو أقرب إلى الصمت منه إلى الكلام الكثير ، والسر الذي تؤثر الشاعرة الموت دون البوح به هو ذلك الإحساس المرهف الذي تقرأه في كل شيء حتى في ماهو في نظرنا قليل القيمة ولا وزن له؛ إنه السر الذي استأثرت به دوننا وهي (الموهبة – الشعر- الإيحاء) وسبحان من أوحى . وما كان وحيا من الله فلاشك أن له قواعد وأخلاقا، وواحدة من هذه القواعد الأخلاقية عند الشاعرة ما اصطلحت عليه ( بالسر الخجول ) وهذا المصطلح قيمي أخلاقي يرتبط بالصدق والمبدأ، ويبقى من ناحية أخرى هو الأقرب إلى طبيعة (الأنثى / الشاعرة ) فبنات الخدور المفطورات على الطهر والعفاف يستملحن من القول ماهو مهموس، ويكسوهن السكوت ثوبا فضفاضا من الوقار والهيبة، وللواتي منهن موهوبات “كنازك ” فلتصبر على مكابدة، وارتدادات ( السر الخجول) إرضاءً (لكبرياء السكوت). إن الضياء الذي يبوح بالأسرار في فلسفة الشاعرة خير منه ظل وظلام لا تستباح فيه حرمة الأسرار .
وعيونٌ وراءَ أهدابها أشباحُ
يَأْسٍ في حَيرةٍ وانكِسارِ
تُؤثِرُ الظلَّ والظلامَ اْرتياعاً
من ضياءٍ يبوحُ بالأَسْرارِ