«الصين».. تميمة ترامب للفوز بالانتخابات الأمريكية

فتحي مصطفى –

من الضروري أن يعيد الرئيس الأمريكي حساباته فيما يتعلق بنيته نحو فرض عقوبات على الصين، لأنها ستأتي بمزيد من الخسائر السياسية والاقتصادية، والخسارة الأكبر إذا ما عادت العلاقات التجارية فيما بينهما إلى نقطة الصفر
فقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أهم المحاور التي كان يستند إليها في معركته الانتخابية للفوز على منافسه جو بايدن بمقعد رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية لفترة ثانية، وهو شعار «اقتصاد أمريكا المزدهر» اعتماداً على ما حققته بلاده من انتعاش اقتصادي، ذلك الحلم الذي ذاب بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً ملحوظا في دعمه داخل أهم الولايات في أمريكا، بسبب الانتقادات الحادة التي وجهت إليه لإخفاقه في إدارة أزمة كورونا، وعدم تقييم الوضع بصورة دقيقة والتأخر في اتخاذ التدابير، ما نتج عنه وفاة الآلاف نتيجة عدم توفر الإمكانات اللازمة لإنقاذهم، وبقاء آخرين بين رجاء الشفاء أو انتظار الموت، بالإضافة إلى الركود الاقتصادي الكبير الذي ضرب المصالح الأمريكية، بعد أن كان منتعشا، وسعى لاستغلاله كوسيلة للدعاية وحشد التأييد.
كل ذلك وضع ترامب في موقف لا يحسد عليه، إذ وجد نفسه في مواجهة الرأي العام الأمريكي متهما بالتقاعس والتقصير في إدارة الأزمة والسيطرة عليها، وكذلك أمام الضغوط التي مارسها خصمه «جو بايدن» منافسه الشرس، في الانتخابات المقبلة، إذ لم يضع الفرصة في هذا المعترك، ووجه إليه اتهامات بأنه ترك أمريكا مكشوفة ومعرضة لهذه الجائحة التي ألحقت خسائر مالية وبشرية كبيرة، وأنه تجاهل تحذيرات خبراء الصحة ووكالات المخابرات، وبدلا من أن يتعامل بصورة تماثل حجم الحدث، وضع ثقته في زعماء الصين، كما اتهمه بأنه أنهى تمويلا كان مخصصا لبرنامج تم إعداده لرصد الأمراض المعدية الطارئة، وتم إنشاؤه في فترة ولاية الرئيس الأمريكي السابق «باراك أوباما» وبايدن، إذ خفض عدد الخبراء في المراكز الأمريكية بواقع الثلثين، وترك مكانا كان مخصصا لأمريكي شاغراً داخل وكالة مكافحة الأمراض بالصين.
لم يجد ترامب أمامه من سبيل إلا توجيه الأنظار نحو الصين محاولة منه لتخفيف حدة الانتقادات، باتهامه لها بأنها السبب في انتشار عدوى الفيروس في العالم بصورة عامة، والولايات المتحدة الأمريكية بصورة خاصة، متهماً إياها بالتقاعس في الإبلاغ بحقيقة الفيروس وسرعة انتشاره وماهية التعامل معه، وكذا وسائل الوقاية منه، وعدم تنفيذ حظر الخروج أو الدخول من وإلى مدينة ووهان الصينية التي كانت مهدًا للوباء، وتحميلها مسؤولية تسرب الفيروس من «مختبر ووهان» برغم عدم وجود أدلة على ذلك حتى الآن غير ما يتلفظ به في لقاءاته وتصريحاته، مستخدما لفظ «الفيروس الصيني» وهي العبارة التي تزعج الجانب الصيني جداً، ويصر على قولها كلما أتيحت له الفرصة، وقد انتشرت عبر المواقع صورة تم التقاطها لمسودة خطابه، قام بتعديل كلمة فيروس «كورونا» إلى «الفيروس الصيني».
وقد يبدو للمتابع أن اتهامات ترامب للصين والتلويح بعقوبات ضدها، وكذلك اتهامه لمنظمة الصحة العالمية بالتواطؤ معها هي وسيلة لكسب عدد أكبر من المؤيدين في الانتخابات المقبلة، خصوصا بعد تصريحه لوكالة رويترز، أن الصين سوف تفعل كل ما في وسعها لكي يخسر انتخابات الرئاسة، واعتقاده أن بكين تتمنى فوز منافسه الديمقراطي جو بايدن، حتى يخفف الضغوط التي فرضها ترامب عليها، فيما يتعلق بالتجارة وقضايا أخرى.
إلا أن هذا الموقف يشي بخلفيات أخرى سواء في العلاقات الأمريكية الصينية وما يشوبها من شد وجذب على مدار سنوات سابقة، وفي عهد رؤساء أمريكيين سابقين، أو في نظرة دونالد ترامب إلى الصين باعتبارها وسيلة فعالة في الفوز بالانتخابات، فالتاريخ لا ينسى الهجوم الذي شنه على الصين خلال حملته الانتخابية الأولى في عام 2016، حيث وصفها وقتها بالـ»قوة الشريرة» خلال حديثه عن «أمريكا أولا»، إذ وعد وقتها بأنه سوف يمارس أقصى ما بوسعه من ضغوط عليها، لتقويض طموحاتها في «الزعامة الدولية وقدراتها على المنافسة»، على حد قوله.
وبدأ ترامب بالفعل في اتخاذ خطواته نحو ما أسماه بالعقوبات على الصين، إذ وجهت إدارته إلى صندوق التقاعد الفيدرالي بإلغاء خطة لضخ ما يزيد على أربعة مليارات دولار كان مقرراً ضخها في استثمارات صينية. وهناك عدة عقوبات أخرى يمكن لترامب فرضها على الجانب الصيني، وفق خبراء، منها عقوبات اقتصادية، وكذلك جذب الاتحاد الأوروبي إليها، إذ تحتاج واشنطن إلى الاتحاد الأوروبي لدفن مشروع الصين المسمى بـ»الحزام الاقتصادي لطريق الحرير»، كما يمكن للجانب الأمريكي شطب جزء من ديونه لدى الصين، والأخطر طبعاً هو عودة المفاوضات بين البلدين فيما يتعلق بالعمليات التجارية إلى نقطة الصفر، وقد تعاني الشركات الصينية التي ستدرج ضمن عقوبات الولايات المتحدة، وقد لا يتم السماح للمستثمرين في أمريكا بضخ أموالهم واستثمارها داخل هذه الشركات.
وبالاحتكام إلى المنطق، فإن من الضروري أن يعيد الرئيس الأمريكي حساباته فيما يتعلق بنيته نحو فرض عقوبات على الصين، لأنها ستأتي بمزيد من الخسائر السياسية والاقتصادية، والخسارة الأكبر إذا ما عادت العلاقات التجارية فيما بينهما إلى نقطة الصفر، فهل يتساوى الفوز بالمقعد الرئاسي لفترة ثانية، مع تدمير علاقات تجارية وعسكرية عميقة بين بلدين عملاقين مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين؟
هذا ما سوف نعرفه خلال الأشهر المقبلة وبعد ظهور نتيجة الانتخابات، إذا تم عقدها في موعدها المقرر نوفمبر نهاية العام، ولم يتم تأجيلها بسبب تطورات «كورونا».