التحديات التي تعرضت لها السلطنة في العقود السابقة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

تطرح اليوم الكثير من التساؤلات فيما يتعلق بالفيروس التاجي كوفيد 19، في الوقت الذي يزداد فيه عدد المصابين والوفيات في بعض المناطق في العالم كدول المنطقة ومنها السلطنة، فيما تتهيأ دول أخرى بفتح مزيد من أعمالها وأنشطتها التجارية والاقتصادية والصناعية. وهذا الأمر يؤكد بأن الجميع يعيش اليوم في تحد كبير ربما لم يمر عليه خلال العقود التسعة أو العشرة الماضية منذ الكساد العالمي عام 1929. هذه القضايا وغيرها كانت موضع طرح من قبل المستشار ماات منشل المستشار الخاص في مجالات البنية الأساسية، وعضو الجمعية البريطانية العمانية ومجلس الأعمال البريطاني العماني في مجلس الخنجي مؤخرا بحضور عدد من رجال الأعمال والمهتمين والأكاديميين.
المستشار ركز في حديثة على عدد من النقاط التي تهم الأزمة التي يمر بها العالم، والتي أحدثت الكثير من اللغط سواء من قبل العاملين في المجالات الصحية أو السياسية أو الإعلامية، ومدى اليقين أوالتنبؤ بوضع فيروس كوفيد 19 في المرحلة المقبلة، وكيف يمكننا مواجهته في الوقت الحالي. وتناول أيضا استعداداتنا وما يمكننا أن نفعله الآن لزيادة قدرتنا ومرونتنا على التكيف مع المرض، بالإضافة إلى التحديات التي تواجه هذا الجيل من القادة وهم يسعون إلى مستقبل آمن ومزدهر لمنظماتهم ومؤسساتهم.
إن فيروس كوفيد 19 يمثّل أزمة فعلية تواجهها الدول الإقليمية والعالم أجمع، حيث يترك وراءه العديد من التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية السلبية حتى اليوم. فهذا المرض لم يعط الفرصة للأفراد والدول بأن تكون بعيدة عنها، وهي أسوأ من الأزمات الاقتصادية التي تعرّض لها العالم في عام 1929، فيما يمر العالم حاليا بفترة من عدم اليقين التي يمكن لها أن تستمر لفترات طويلة.
لقد قامت السلطنة بجهود كبيرة – وفق رأي المستشار- في هذا الصدد تمثلت في القيادة والحكومة والشعب والمشرفين عموما على هذه الأزمة، باعتبار أن السلطنة من الدول القلائل التي تواجه مثل هذه الأزمات. فالأمم المتحدة وضعت السلطنة في مصاف الدول التي تعمل من أجل نشر السلام العالمي، وهي من الدول المسالمة مع جيرانها وشعوب العالم أجمع. وإذا كانت هناك بعض الأزمات التي تعرضت لها السلطنة في العقود الماضية في رأي المستشار، فإن عمان واجهت في نهاية السبعينيات من القرن الماضي أزمة الحرب على ظفار التي انتهت باستسلام المناوئين الذين أصبحوا جزءا من الحكومة التي شكلها المرحوم جلالة السلطان قابوس- طيب الله ثراه-، فيما واجهت السلطنة في عام 2007 أزمة الإعصار المداري «جونو» بسبب الأنواء المناخية، والتي أثبتت للعالم من خلالها بأن الحكومة والشعب دائما جسد واحد في مثل هذه الأزمات الطارئة وغيرها. وها هي اليوم تمر بأزمة جديدة تتمثل في هذا المرض الذي يعمّ العالم ويخلّف وراءه الكثير من الإصابات والوفيات، ففي السابق تمكنت السلطنة بالخروج من تلكما الأزمتين بسلام، وتتهيأ الآن بالخروج من الأزمة الحالية باذن الله.
إن هذه الجهود الملموسة تجعل بعض المؤسسات الدولية في العالم تبدي اهتمامها بالقضايا العمانية ومن بينها مؤسسة (سيتي فورم) التي تأسست على 1990، والتي تعمل ضمن برامجها الترويج للسياسات العمانية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وتضع في حسبانها كل ما يتعلق بالتطورات التي تشهدها السلطنة في تلك المجالات.
ففي صدد الأزمة الحالية الناجمة عن كوفيد 19، يرى المستشار أن العالم يعيش في صراعات منذ عدة عقود خاصة فيما يتعلق بالشأن الاقتصادي بين الكتل السياسية والاقتصادية، ومن بينها الصراع التجاري بين أمريكا والصين، وعلاقة هاتين الدولتين في السنوات الأخيرة مع بعضهما البعض من جهة، ومع العالم وخاصة مع منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى. فالدولتان (الصين وأمريكا) عضوان في كل من منظمة G7 و G20، ولهما العديد من الممارسات في هاتين المجموعتين، وتعرضتا مثل بقية دول العالم لأزمة كوفيد 19، التي ألزمتهما بإقفال وتوقف الأنشطة الاقتصادية والتجارية بسبب تفشي هذا الفيروس. فما يخلفه هذا الفيروس من تأثيرات سلبية تمثّل وكأننا في حرب عالمية جديدة. فالأزمة لها تأثيرات يومية على الأفراد والتجارة والأنشطة والخدمات الأخرى. والسؤال المطروح يكمن في غياب القيادة الأمريكية عن هذه الأزمة بالصورة المطلوبة، حيث إن ذلك يؤثر على المشهد العالمي وعلى الكثير من القضايا الأخرى، باعتبار أن لغياب أمريكا على المسرح العالمي تجاه هذه الأزمة مخاطر عديدة في المستقبل، وتزيد عمّا أحدثته أزمة 2008 وأزمات مرضية أخرى مثل أزمة سارس وأيبولا وغيرها من الأزمات التي تعرض لها العالم.
إن العالم بعد الحرب العالمية الثانية يعيش في أجواء اقتصادية حرة، وأهمية الاقتصادات الحرة تكمن في عمل وتعاون المؤسسات العامة والخاصة معاً، مثلما يحدث مثلا في بريطانيا على سبيل المثال، فالحكومة البريطانية عملت من خلال أربعة أسس في هذا المجال من بينها حماية المجتمعات في مثل هذه الأزمات، ونشرالحريات والمرونة وغيرها. فيما نجد أن السلطنة حكومة ومؤسسات تعمل أيضا من خلال المؤسسات القائمة في القطاعين العام والخاص لحل جميع القضايا التي تواجه البلاد، ومن بينها الأزمة الحالية «كورونا»، ومواجهة الآثار الاقتصادية التي تخلّفها الأزمة في هذا الصدد، خاصة وأن السلطنة معروفة بتعاونها وتوجهاتها السياسية والاقتصادية في المنطقة وخارجها. فهذا الأمر لا يتعلق فقط بإنقاذ الأرواح، وإنما يتعلق بالأرواح والاقتصاد كما يؤكد عليها المهتمون في العالم. أي أن هناك أهمية لهذين العنصرين معا.
هناك اليوم العديد من الأسئلة التي تطرح في هذا الصدد. وفيما يتعلق بالأزمة الحالية، فهل يمكننا أن نتنبأ أمراً جديداً خلال المرحلة المقبلة؟ الجواب يكمن في أنه علينا أن نتعلم كيف نحمي أنفسنا من استخدام التقنيات الحديثة لمواجهة هذه الظروف الاستثنائية، والعمل بها بكل كفاءة، بالإضافة إلى ضرورة تلاحم الحكومة والقطاع الخاص مثلما حصل في الأزمات الماضية، وعدم اليأس من ذلك. فهذه الأزمة تتطلب منا أن نتعلم من أخطاء الماضي وتطبيق الحلول الناجعة على الأزمات الآنية، والنظر إلى كيفية حمايتنا من الانهيار في أية أزمة، خاصة وهناك اليوم قراصنه يحاولون تعكير صفو الناس والمجتمعات، حيث علينا مواجهة تلك الخروقات التي تحصل من قبل هؤلاء القراصنة، إضافة الى النظر إلى المستقبل بكل تفاؤل والاستعداد لمواجهة جميع التطورات المقبلة.