الرفع التدريجي لإجراءات العزل .. كيف يتحدد؟!

د. عبدالحميد الموافي –

إذا كانت مصلحة المجتمع والاقتصاد الوطني تظل الهدف الذي ينبغي العمل لتحقيقه تحت كل الظروف، فإن تقييم الأوضاع وتحديد نقطة التوازن بين الحفاظ على صحة المواطنين وبين ضرورة البدء في إعادة تشغيل الاقتصاد وتخفيف الإجراءات.

في الوقت الذي يواصل فيه فيروس كورونا العبث ليس فقط بصحة الكثير من الشعوب وبأنظمتها الصحية، بغض النظر عن التفاوت فيما بينها، ولكن أيضا باقتصادها وتطلعاتها وتنميتها وحاضرها الممتد بالضرورة إلى سنوات قادمة، فإنه من الواضح أن عددًا يتزايد من الدول والشعوب، سواء في المنطقة أو على امتداد العالم، بدأ في الاتجاه البطيء والمحسوب أيضًا إلى التخفيف من إجراءات العزل، وإتاحة فرصة، مشروطة بأن تكون تحت المراقبة والاختبار وإعادة التقييم، للعودة إلى الحياة الطبيعية على خطوات ومراحل تمتد إلى أسابيع إن لم تكن أشهرًا، دون الإفصاح عن ذلك، حفاظا على الأمل وتخفيفًا لحالات الضجر التي بدأت بعض مظاهرها في التعبير عن نفسها بشكل أو بآخر في بعض المجتمعات، المتقدمة وغيرها.
وبالتوازي مع أحاديث البحث عن لقاح، أو أسلوب موثوق للتعامل مع فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19» والبحث عن علاج موثوق، فإن الجدل أخذ يتسع في الواقع خلال الأيام الأخيرة حول أهمية وضرورة التخفيف التدريجي من الإجراءات الخاصة بالعزل ووقف النشاط الاقتصادي، التي مضى عليها اكثر من شهرين في كثير من الدول، وأكثر من ثلاثة أشهر في بعضها.
وقد تبلور الجدل بين جانبين أو فريقين، يرى أحدهما أهمية وضرورة الاستمرار في إجراءات العزل، بل وتشديدها خلال مدة محددة، أقلها أسبوعان آخران كمدة حضانة أخرى، حتى يمكن قطع الطريق على مزيد من انتشار الفيروس والحفاظ على صحة أعداد أكبر من المواطنين والناس في المجتمع، وحجة هذا الفريق أن المجتمعات اعتادت على إجراءات العزل في الأسابيع الماضية، وأن تشديدها لفترة وجيزة أخرى سيكون مفيدًا في النهاية، صحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
أما الفريق الآخر فإنه يرى الأمر من زاوية أخرى، أكثر عملية ومباشرة وربما قلقًا على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، إذ أنه ينطلق من فرضية باتت رائجة وهي أن الفيروس لن ينتهي قريبا من العالم، وأنه لا مفر من التعايش معه لأشهر قد تمتد إلى نحو عام على الأقل، خاصة أن منظمة الصحة العالمية لا تزال تقول إن الجائحة لم تصل إلى ذروتها عالميًا، رغم إصابة أكثر من أربعة ملايين شخص على امتداد العالم بالفيروس. كما يستند هذا الفريق في دعوته إلى البدء في تخفيف إجراءات العزل تدريجيًا إلى حقائق باتت صادمة على الأرض على مستويات عديدة، سواء فيما يتصل بوقف العديد من الأنشطة الاقتصادية، إنتاجية وخدمية وإدارية، وأثر ذلك على اقتصاد وحياة وتنمية الكثير من المجتمعات، وما ترتب عليها من إجراءات لا مناص لسلطات الدول من تحمل أعبائها ماليًا للتخفيف من أضرارها الاجتماعية والاقتصادية على القطاعات الأكثر تضررًا في مجتمعاتها، والأرقام والتقديرات في هذا المجال تقدر بعشرات المليارات، ووصولًا إلى ما تجاوز 2500 مليار دولار في الولايات المتحدة التي تجاوزت أرقام الوفيات فيها بالفيروس 80 ألفًا.
يضاف إلى ذلك أن جاذبية العودة إلى التشغيل التدريجي للاقتصاد مع الالتزام بالإجراءات الوقائية والاحترازية تجتذب كثيرًا من المؤيدين، خاصة الذين يهتمون بالأبعاد الاجتماعية، ويريدون احتواء أرقام البطالة المتزايدة، وأرقام المشروعات الصغيرة والمتوسطة المتضررة، والقطاعات التي تدفع ثمنًا أكثر مثل قطاعات السياحة والخدمات والنقل الجوي وسلاسل الإمداد بفعل الإغلاق الذي تم في الفترة الماضية.
وعادة تتم الإشارة والمراهنة على وعي المجتمع وإدراك أعداد متزايدة لحقيقة خطورة الفيروس وسرعة انتشاره وأنه لا مجال للإهمال أو التهاون في الإجراءات الاحترازية لحماية الشخص ذاته ومحبيه من مصير يراه الجميع. وذلك من منطلق أن مسؤولية مكافحة فيروس كورونا لا تقع على عاتق الحكومات وحدها، ولكنها تتطلب المشاركة المجتمعية والالتزام بالإجراءات الاحترازية إلى أقصى درجة ممكنة.
وبغض النظر عن حالة التنافس الشديد بين الجانبين والتي اتخذت مظاهر عديدة في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، فإن الواقع هو أن عددًا غير قليل من الدول بدأت بالفعل في اتخاذ إجراءات للتخفيف من العزل، بدءًا بفتح بعض دور العبادة أو السماح بصلاة الجمعة وإقامة القداسات في بعض دول المنطقة، وحتى فتح المراكز التجارية والمقاهي والحدائق في دول أوروبية كألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وإعادة تشغيل بعض المصانع جزئيًا في الصين وألمانيا، وفتح المدارس في بعض دول شمال أوروبا كالدنمارك وبلجيكا، كما أعلنت روسيا عن البدء في إجراءات التخفيف اعتبارًا من هذا الأسبوع، وهذا على سبيل المثال، وجميعها تقريبًا تؤكد على أنه ستتم إعادة تقييم تلك الخطوات وتقرير الاستمرار فيها أم العودة عنها وفق أوضاع وأعداد الإصابات والوفيات والمتعافين، خاصة أن الفيروس عاد إلى الظهور مرة أخرى في ووهان الصينية، وفي بعض الدول التي سجلت وقفًا لظهور الإصابات فيها لبعض الأيام. واضطر بعضها إلى تشديد الإجراءات مرة أخرى. وفي ظل هذا الوضع، وبالنظر إلى أن الفيروس يستغرق بعض الوقت حتى تستقر أعداد الإصابات وتبدأ في الانخفاض، بعد تجاوز نقطة الذروة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه يدور حول النقطة التي يمكن عندها تقرير البدء في اتخاذ الخطوات والترتيبات التدريجية لتخفيف إجراءات العزل، والجهة أو الجهات التي تتحمل مسؤولية مثل هذا القرار شديد الأهمية على كل المستويات اقتصاديًا واجتماعيًا وحتى سياسيًا في الحاضر والمستقبل. وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة إلى عدد من الجوانب لعل من أهمها ما يلي:
أولا: المؤكد أنه لا توجد قاعدة، أو معيار واحد، يمكن الاستناد إليه من جانب الجميع، لتقرير البدء في تخفيف إجراءات العزل المطبقة، وليس أدل على ذلك من التباين والاختلاف الشديد بين الدول التي بدأت في اتخاذ تلك الإجراءات بشكل أو بآخر، وحالة التردد والتريث الأمريكية واليابانية من ناحية، والتجاسر من جانب دول عانت كثيرًا ولا تزال تعاني من الفيروس من ناحية ثانية، وبالتالي فالمسألة ليست مرهونة أو مرتبطة بالوضع الاقتصادي للدولة فقط، ولا ما إذا كانت نامية أو متقدمة، فهناك دول إفريفية بدأت في تخفيف الإجراءات، مثل غانا وجنوب إفريقيا. ومع التأكيد على حقيقة أن قرار تخفيف الإجراءات، أو تشديد تطبيقها، لا يخضع لمقترحات أو دعوات بعض المواطنين أو الأفراد، كما أنه لا يتأثر بمحاكاة دولة أو دول أخرى، سارت في هذا الاتجاه أو ذاك، بسبب أوضاعها وظروفها المختلفة والمتباينة، فإن القرار هو في الواقع قرار السلطات المسؤولة في الدولة المعنية، والتي تدرس قراراتها وتتوفر لها المعلومات الكافية والضرورية والمتكاملة حول أوضاع القطاعات المختلفة، ومدى تضررها وأفضل السبل للتعامل معها، وبالطبع تحمل مسؤولية هذه القرارات ذات المساس بأوضاع المجتمع والاقتصاد الوطني في مثل هذه الفترة الصعبة، وهنا تتضاءل في الواقع أهمية المقترحات الفردية أو الاجتهادات التي يطرحها البعض حول ما ينبغي اتخاذه من قرارات لصالح المجتمع في حاضره ومستقبله.
وإذا كانت مصلحة المجتمع والاقتصاد الوطني تظل الهدف الذي ينبغي العمل لتحقيقه تحت كل الظروف، فإن تقييم الأوضاع وتحديد نقطة التوازن بين الحفاظ على صحة المواطنين وبين ضرورة البدء في إعادة تشغيل الاقتصاد وتخفيف الإجراءات، يتطلب تعاون ومشاركة المسؤولين ليس فقط في مجال الصحة ولكن أيضًا في المجال المالي والاقتصادي والاجتماعي وغيرها من الجهات المعنية، ولعل هذا هو ما جعل من الضروري توسيع عضوية اللجان الوطنية العليا المعنية بذلك في الدول المختلفة، والتي تتحمل عبئًا ومسؤولية ضخمة في الواقع، ومنها اللجنة العليا ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا، برئاسة معالي السيد حمود بن فيصل البوسعيدي وزير الداخلية.
ثانيا: إنه مع إدراك أن كل مجتمع له طبيعته وظروفه الخاصة ومشكلاته وأولوياته التي عليه التعامل معها، فإن منظمة الصحة العالمية أكدت على أهمية وضرورة الاستمرار في الإجراءات الاحترازية وإجراءات العزل، باعتبارها «أنجع الوسائل حتى الآن على الأقل لمكافحة الفيروس» والحد من انتشاره، مع تأكيد المدير العام للمنظمة «تيدروس ادهانوم جيبريسيوس» على أن عملية تخفيف إجراءات العزل «تتسم بالتعقيد والصعوبة وأنها ينبغي أن تكون بطيئة» كما أنه حذر من التسرع في تخفيف الإجراءات وأكد على أنه ينبغي النظر إلى هذه الإجراءات على أنها «ليست نهاية الوباء في أي بلد ولكنها مجرد بداية للمرحلة التالية».
وإذا كانت هذه هي وجهة نظر منظمة الصحة العالمية التي تتحمل مسؤولية متابعة الفيروس على المستوى العالمي وإرشاد الدول والمجتمعات المختلفة لأنسب السبل للتعامل معه، فإنه من المهم والضروري أخذ ذلك في الاعتبار عند تحديد ما يحقق مصلحة المجتمع، ومما يبعث على الاطمئنان أن اللجنة العليا لمتابعة التطورات المتعلقة بفيروس كورونا تحرص على التنسيق والتعاون مع منظمة الصحة العالمية.