الكذب صنعة

غادة الأحمد

تضيق بالمرء سبل الحياة وتتسع، ويتوسل عيشه بوسائل قد تكون مشروعة وقد تكون خارجة على القانون العرفي، الذي نصبه الناس كشاهد على الضمير الحي، ومن طرائف الأقدار ومن شرّ البلية أن يكذب على لسانك أحد، أو يتقوّل على لسانك أقوالًا ما أنزل الله بها من سلطان، بل يذهب به الأمر أمتارًا بعيدة، يستطيل لسانه إليها، وقد تعجبه الحكاية ويستمر فيها، ظنًا منه أن السّرّ الذي أفشاه لاثنين لا يمكن أن تدنو منه أذن ثالثة أو رابعة، وأنه إذا تقوّل على لسانك، فإن لسانه لن يطال أذنك، وأن الغرف السرية، ودهاليز النميمة موصدة ناسيًا المثل المعروف الذي يقول (الحيطان لها آذان) ومثلما هو امتهن الكذب، فإن غيره امتهن (النقل) ولا يوجد أخيار في هذه الصنعة.
ومصيبة المصائب إذا خلت الوشاية من الحقيقة، والطامة الكبرى إذا اكتشفت أن من يتقوّل على لسانك لا يعرفك، ولم يرك في حياته، ولم يسمع منك أشجان حديث، ولكل من امتهن الكذب أسوق ما ساقه ابن الجوزي في كتابه (القصاص والمذكرين):
(صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبدالرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من قال: لا إله إلا الله، خلق الله تعالى له من كل كلمة منها طائرًا منقاره من ذهب وريشه من مرجان. وأخذ في قصه نحو من عشرين ورقة. فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين ويحيى ينظر إلى أحمد بن حنبل فقال: أنت حدثته بهذا؟ فقال: والله ما سمعت بهذا إلا هذه الساعة قال/ فسكتنا جميعًا حتى فرغ من قصصه. وأخذ القطيعات ثم قعد ينتظر بقيتها فقال له يحيى بن معين بيده: تعال فجاء متوهمًا لنوال يجيزه. فقال له: من حدّثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله، فإن كان لا بدَّ والكذب فعلى غيرنا فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما تحققته إلا الساعة. فقال له يحيى بن معين: كيف علمت أني أحمق؟ قال: كأن ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما. قد كتبت في سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فوضع أحمد كمه على وجهه وقال: دعه يقوم فقال كالمستهزئ بهما!).
فإذا كان هناك من امتهن الكذب على لسان رسول الله ولم تردّه رادّة فإنني أهمس في أذن من اتخذ الكذب صنعة يتوسل فيها رزقه، ويتسلق فيه مراتب على رقاب العباد أن يتذكر دائمًا وهو يقصّ على الناس أحابيل الكذب أن هناك أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في كل مجلس.