حلب الشهباء.. مدينة القساطل وعاصمة الدولة الحمدانية

سلسلة حلقات يكتبها – عماد البليك

يشار إلى مدينة حلب السورية كواحدة من أقدم مدن العالم حيث يرجح أن تاريخ نشأتها يعود إلى حوالي عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، وحيث عاصرت الكثير من مدن العالم القديم مثل روما وبابل وأريحا وجارتها دمشق وغيرها، وثمة من يرى أنها أقدم مدينة في العالم.
وإذا كانت حلب مأهولة بالسكان منذ القدم إلا أن المؤرخين يشيرون إلى الملك الأشوري وأحد ملوك نينوى “بلوكوش الموصلي” بوصفه باني المدينة في عصور مبكرة جدًا، وقد كانت عاصمة للدولة العمورية “يمحاض” التي كانت ما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قبل الميلاد، وتوجد بها اليوم اكتشافات أثرية تعود إلى 11 ألف سنة قبل الميلاد.
وهي منذ القدم مدينة تجارية تربط العديد من الطرق في العالم القديم، شأنها كدمشق، وقد كانت من أهم المدن التجارية في العالم القديم، كما أنها وعبر التاريخ استوطنها مختلف الأقوام.
ويرى المؤرخون بأنها قد تعرضت للخراب على فترات تاريخية، ثم كان يعاد بناؤها وقد كان آخر من جدد بناءها قبل الميلاد هو سلوقس اليوناني في عام 312 قبل الميلاد، وإليه ينسب بناء القلعة الشهيرة بها “قلعة حلب”.
كشأن أغلب المدن القديمة فقد اختلف في معنى مسماها، فكلمة حلب مرة يتم إرجاعها إلى اللغة السريانية وتعنى هنا البيضاء، وهناك من يرى أنها لفظة آرامية وأحيانا آشورية الخ.. ويقال بأن المصريين القدامى أطلقوا عليها حلبو، فيما يرى المؤرخ خير الدين الأسدي أن الاسم مأخوذ من مقطعين هما “حَلْ رب” التي تنطق “حل لب” وتعني موضع التجمع.
وقد اشتهرت بلقب “حلب الشهباء” التي يرى البعض أنها من الشهب أي البياض الذي يتخلله السواد لاسيما أن اسم حلب كما سبقت الإشارة يعني الأبيض في السريانية، ويعود ذلك لتربة المنطقة البيضاء التي تترامى فيها الحجارة السوداء. وهناك رواية في المرويات التراثية بأن شهباء هي بقرة النبي إبراهيم وهو طرح لم يوافق عليه كثيرون.
في العهد الإسلامي فقد فتحت حلب على يد القائدين أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد عام 637 ميلادية، حيث شكلت جزءًا من دولة الأمويين ومن ثم العباسيين، غير أنها اكتسبت وضعها الملموس كمدينة إسلامية لها إسهام في التمدن الإسلامي في عصر الدولة الحمدانية حيث أصبحت عاصمة لهم، لاسيما في عصر سيف الدولة الحمداني الشهير الذي كان قد صحبه الشاعر أبو الطيب المتنبي وأتى على ذكره في أشعاره.
وقد ساهمت حلب في الحراك الأدبي والثقافي في العصور الإسلامية كمركز للشعر والعلم، وقد برز فيها شعراء كالمتنبي وأبو فراس الحمداني، كذلك كان لها دور كمركز للحملات العسكرية ضد الروم.
بخصوص الدولة الحمدانية فهي قد حكمت مدينتي حلب والموصل، وشملت نفوذا واسعا في بلاد الشام والفرات، وذلك في الفترة من 890 م إلى 1400م، وقد نشأت على إثر النزاع بين الأتراك والعباسيين فاستغل الحمدانيون ذلك الوضع وأسسوا لدولتهم في الموصل وحلب.
وقد لعبت مدينة حلب في عصر الدولة الحمدانية دورا مهما بوصفها ثغرة حامية للدولة الإسلامية من الناحية الشمالية على تخوم البيزنطيين، حيث صدت المدّ البيزنطي غير أنها تعرضت للاحتلال لفترة قصيرة ما بين عامي 974م و987م أثناء الصراع البيزنطي السلجوقي.
كذلك نجد أن المدينة حوصرت في زمن الحروب الصليبية عامي 1089م و1124م، لكن لم يتم احتلالها فقد ظلت تقاوم بفعل مناعة تحصينها، غير انها خضعت لاحقا لحكم البيزنطيين ومن ثم الدولة العثمانية في عام 1516م إلى 1918م حيث خضعت للانتداب الفرنسي إلى نيل الاستقلال عام 1942م.
وقد عرفت حلب كمدينة سياحية، إذ تقدم لزائرها ملامح من مختلف العصور التاريخية التي مرت بها منذ القدم إلى الراهن، ففيها القلعة الشهيرة والأسواق والمساجد والمزارات والحمامات الخ.. وقد أشير لذلك بوضوح في كتاب “أحياء حلب وأسواقها”، لمؤلفه: خير الدين الأسدي، الذي يتضمن معلومات شيقة عن المدينة.
أيضا اشتهرت حلب بالقساطل أو المناهل العامة التي عمرت بها أحياء المدينة، وهي سبلان عرفت في المدن الإسلامية بشكل عام لتوفير مياه الشرب العذبة للناس، وتعتبر من عناصر الرحمة التي تميز المدينة العربية والاسلامية.
كما أن حلب وعبر تاريخها اشتهرت بالعديد من الصناعات والحرف التقليدية العريقة ومنها صناعة النسيج وحلج القطن والملابس وصناعة الصابون والصناعات المتعلقة بالغذاء وزيت الزيتون، وغيرها.
بالنسبة للعمران الإسلامي في مدينة حلب، نجد أن أول مسجد بها بعد الفتح الإسلامي يسمى مسجد “شعيب” الذي يقع في مدخل باب أنطاكية، وفي العصر الأموي توسعت الأحياء ونما عمرانها وبنى سليمان بن عبد الملك قصرًا له فيها يُدعى بـ “الحاضر السليماني”.
وقد توسع عمرانها في العهد العباسي حيث أصبحت فيها الخانات التجارية الضخمة والحمامات والأسواق والقساطل الخ.. من ملامح المدن الإسلامية، وبلغ عدد مساجدها 110 مساجد.
بالنسبة لقلعة حلب فهي معلم تاريخي ورئيسي في قلب المدينة يعود إلى العصور الوسطى، عبارة عن قصر محصن وهي من أقدم وأكبر القلاع في العالم، البعض يرجح أن التلة المقامة عليها تعود إلى الألف الثالثة قبل الميلاد، أما البناء الحالي فيها فيعود أغلبه إلى الفترة الأيوبية.
يشار إلى أن حلب تعرضت لزلزال مدمر في 9 أغسطس 1138م، ويعتبر الزلزال الخامس من بين الزلازل التاريخية الأشد دماراً في العصور القديمة.