الإنتاج والتصنيع المحلي مسار لا رجعت فيه

يوسف بن حمد البلوشي
yousufh@omaninvestgateway.com
www.omaninvestgateway.com

لا خير في أمة تأكل ما لا تزرع وتلبس ما لا تنسج وتستفيد من خدمات لا تقدمها، هذه هي المقولة التي كنت أفتتح بها حلقة الإعداد لرؤية عمان 2040 في زيارات المحافظات في كل ربوع هذا الوطن. حيث إنني شديد الإيمان بأن مسار ما يمكن أن يزرع ويصنع في السلطنة يجب أن يزرع ويصنع فيها ويجب عدم الحياد عن هذا المسار وذلك لتحقيق جملة من الأهداف؛ أهمها إيجاد فرص عمل، وتوسيع القاعدة الإنتاجية ورفد الموازنة العامة للدولة وتعميق دورة الأنشطة التجارية والأهم من ذلك تحقيق التحول الضروري والحتمي للاقتصاد العماني والذي فرضته التغيرات المتسارعة وتدهور أسعار النفط و تمكنه الجاهزية في مختلف الأصعدة لضمان وسلاسة التحول في النموذج التنموي العماني من نموذج معتمد على استيراد السلع والخدمات لتلبية الطلب المحلي إلى نموذج قوامه الاستثمار والإنتاج والتصنيع المحلي ليس لتلبية الطلب المحلي فحسب وإنما لغرض التصدير وتعظيم القيمة المضافة المحلية، وتلبية الطلب الخارجي الذي لا بديل عنه إذا ما أردنا توسيع وتنويع القاعدة الإنتاجية.
وهذا أمر ممكن تحقيقه إذا آمنا واقتنعنا بذلك وأخذنا بالأسباب، ليتسنى ذلك، لابد من دراسة وتحليل ميزان المدفوعات الذي يرصد حجم ونوعية المعاملات بين السلطنة والعالم وخاصة هيكل ومكونات الميزان التجاري للسلع والخدمات بما يمكننا من معرفة السلع والخدمات التي يتم استيرادها بشكل مستمر من قبل مختلف القطاعات وخاصة القطاع الصناعي (قطع الغيار ومدخلات الإنتاج) والقطاع الاستهلاكي للسلع والخدمات ودراسة مدى قابليتها للإنتاج والتصنيع محليا سواء من قبل شركات محلية أو بالشراكة مع مستثمر أجنبي تتوافر فيه معايير معينة وامتلاكه للقدرات المالية والفنية والمعرفية الضرورية للنجاح.
لا يخفى أن الاقتصاد العماني يتأثر من أسعار النفط نظر لكون دورة الأنشطة التجارية تسير في اتجاه واحد نسبيا هو تحصيل الدخول من تصدير النفط والغاز وخروجها لتلبية الأغلبية العظمى من الطلب المحلي المتولد من هذه الدخول بما ينعكس في الاختلالات الهيكلية الحالية وضعف المضاعف الاستثماري وعدم القدرة على توليد فرص عمل وضيق القاعدة الإنتاجية ويكمن العلاج في تقويم دورة الأنشطة التجارية المحلية من خلال العمل على مسارين متوازيين الأول زيادة الدخول المتولدة للاقتصاد العماني من خلال عدد من القنوات أبرزها جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وزيادة الصادرات بمختلف أنواعها وخاصة تلك التي تحمل زيادة في المكونات والقيمة المحلية المضافة، والمسار الآخر يكمن في الحد من خروج الأموال من الاقتصاد العماني كتحويلات العاملين والشركات والتحويلات مقابل استيراد السلع والخدمات. والجدير بالإشارة، أن تصويب دورة الأنشطة التجارية المحلية وحسن إدارتها في المدى القصير له تداعيات مباشرة على تصويب وحسن إدارة الدورة الاقتصادية المحلية في الأجل المتوسط والطويل. الأمر الذي لن يتأتى بدون حزمة مدروسة من السياسات والتدخلات والمبادرات التي تساهم في إعادة هندسة الاقتصاد العماني ولا يمكن تحقيق ذلك بدون حمل شعار استثمر وانتج و اصنع في عمان (صنع في عمان). إضافة إلى تحقيق الأهداف التي تتبناها رؤية عمان 2040 والقائمة على الاستثمار والإنتاج والتصدير وتحقيقا للاستراتيجيات القطاعية المختلفة والأهداف الاقتصادية الكبرى المتمثلة في توفير فرص عمل توسيع القاعدة الإنتاجية وترسيخ ثقافة ريادة الأعمال والتنويع والمساهمة في تحقيق الاستدامة المالية وإفساح المجال للقطاع الخاص والقطاعات الإنتاجية للانطلاق.
ولا شك أن الظروف الراهنة جراء جائحة فيروس كورونا وتدهور أسعار النفط تدفع بالسلطنة لاتخاذ تدابير خاصة يتفهمها المجتمع المحلي والعالمي، ومن جهة نظري أن الأرضية متاحة لتسريع وتيرة الإنجاز والبدء تدريجيا باستهداف 500 منتج من السلع والخدمات في المرحلة الأولى. وتوفر مبادرة أستثمر وأنتج وأصنع في عمان الأرضية المناسبة لزيادة وتيرة الاستثمار والإنتاج المحلي وتعزيز القدرة على التصدير والدخول في شراكات اقتصادية استراتيجية مع دول وشركات دولية، بما يعظّم حجم الاقتصاد، ويوسّع قاعدته الإنتاجية، ويخلق منظومة يعمل بها الجميع بتكامل وانسجام.
ولتسريع الخطى وبدء مرحلة جديدة من الإنجاز، فإن المرحلة القادمة تتطلب تغيرات جوهرية في إدارة الملف الاقتصادي أكثر إيمانا بأننا نستطيع أن نستثمر وننتج ونصنع ونصدر من عمان إلى العالم وإلا ما فائدة استثماراتنا لمدة خمسة عقود في بنية تحتية بأعلى المواصفات وشباب متعلم قادر على تحمل المسؤولية وعلاقات مميزة تفتح لنا أسواق العالم.
وللنجاح في مسار الإنتاج والتصنيع المحلي لا مناص من أن تتشارك وتتفاعل في تحقيقه العديد من محركات النمو المتاحة وتشمل: أفراد المجتمع، والحكومة، والقطاع الخاص والشركات المملوكة للدولة، والجمعيات المهنية والموانئ البرية والبحرية، والمناطق الحرة، والشركات المجتمعية، والجامعات، والاستثمار الأجنبي، والسفارات، والموقع الجغرافي مع إعطاء الأولوية للقطاع الخاص ليكون قاطرة للنمو والتنمية المستدامة وتكون فيه القوى العاملة الوطنية في الصدارة.
وللنجاح في هذا المسار، وتطبيقه ومتابعته بمشاركة الكفاءات الوطنية والشابة، من خلال أربعة فرق عمل قوية هي: المجهزون: وهو الفريق المعني بتجهيز قائمة السلع والخدمات المستهدفة من واقع دراسة ميزان المدفوعات وهيكل الميزان التجاري وتجهز تلك المنتجات كفرص استثمارية في إطار جاذب ومتكامل للمستثمرين (المحليين والدوليين). المسوقون: وهو الفريق المعني بإدارة عملية تسويق وجذب الفرص الاستثمارية المحلية والإقليمية والعالمية وذلك وفق استراتيجية تسويق متغيرة وفلسفة جديدة في الترويج لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، ولهذا الفريق تحديدا مواصفات خاصة تتمثل في الإلمام بالخصوصية والبيئة والفجوات المحلية، والقدرة على فهم التغيرات الجيوسياسية، وتمتعه بمهارات استثنائية خاصة في مجال إبرام الصفقات الاستثمارية العالمية وفهم جذورها، بما يضمن تحقيق الأهداف المتقاطعة للمستثمرين الدوليين، وأهداف التنمية الاقتصادية الوطنية. المنفذون: وهو الفريق المعني بإدارة العلاقة مع المستثمرين المحليين والأجانب، ورعايتهم، إلى أن ينطلق نشاطهم ويبدأ الإنتاج ويستقر. المتابعون: وهو الفريق المعني بتمكين الشركات المستثمرة في تلك المنتجات من توسيع استثماراتها، وإعادة استثمار عوائدها، وجذب شركائها الدوليين والانطلاق إلى التصدير.
ويجب أن تحظى برعاية خاصة وتتخذ لضمان نجاحها تدابير معينة وتتطلب حسن التنظيم والإدارة. وهناك ضرورة لحماية المنتجات من السلع والخدمات المتضمنة في هذا المسار وتعزيز تنافسيتها أمام السلع والخدمات المشابه المستوردة. وهذا أمر مشروع في الممارسات التجارية وهناك العديد من الوسائل والسياسات الضريبية وغير الضريبية القادرة على تحقيق هذا الهدف. الإسراع في تأهيل الشركات المحلية وخاصة الصغيرة والمتوسطة فنيا وإداريا وتقنيا وتعزيز قدرتها على محاكات المواصفات والمقاييس العالمية وتعزيز قدرتها في هذا الشأن. وقد يحتاج الأمر إلى توقيع عقود شراء للمنتجات من السلع والخدمات مع كبار المستهلكين. ولا يجب أن نغفل أهمية إقرار حزم للتحفيز والتنشيط الاقتصادي تحمل في طياتها تصميم برنامج واضح لدعم الصادرات ورفع المحتوى التكنولوجي للصادرات الوطنية بهدف توسعة القاعدة التصديرية، جنبا إلى جنب، مع الصادرات التقليدية، وذلك من خلال تقديم حوافز مادية للشركات التي تزيد من الصادرات، وتلك الشركات التي تقوم بزيادة القيمة المضافة، وحوافز ضريبية أو جمركية بالإعفاء الجزئي من ضريبة الاستيراد للشركات التي تقوم بإعادة التصدير لما له من أثر كبير على زيادة النشاط الاقتصادي للقطاع اللوجستي. إضافة إلى تقديم حوافز مادية للشركات التي تقوم بتوظيف العمانيين وإحلالهم محل القوى العاملة الوافدة. في الجانب التمويلي أهمية توجيه الائتمان المحلي لهذا المسار خاصة والعملية الإنتاجية والقطاع الخاص بشكل عام.
إن الاستسلام لسيناريو الرمال المتحركة التي تحيط بنا من كل جانب حيث تتكالب التحديات وتتفشى الأمراض وتهوي الأسعار هو خيار العاجز الذي لم يقرأ تاريخ عمان، إنما خيارنا يتطلب ثباتا وجسارة وشغفا وابتكارا وساعات عمل طويلة وحبا عظيم لتراب هذا الوطن وتعاضدا بين أفراد المجتمع ومؤسسات الأعمال والحكومة. وإنزال خرائط الملف الاقتصادي من الأرفف والبدء في العمل بدماء جديدة تملك روح الشباب ومستندة على معرفة عميقة لترابط المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية. وبدء عملية تغيير شاملة تمس جميع مفاصل العملية التنموية، في أدوات وأسلوب وآليات التنمية. تركز على قيم الإنتاج والادخار والاستثمار وريادة الأعمال.