الأنبار أو الهاشمية.. عاصمة العباسيين الأولى التي غيبها التاريخ!

سلسلة حلقات يكتبها – عماد البليك

تعتبر مدينة الأنبار العاصمة الأولى للدولة العباسية حيث اتخذها الحاكم العباسي الأول أبو العباس مستقرًا له عام 134هجرية الموافق 751م إذ قدم إليها من الكوفة، حيث كانت بدايات الحراك هناك، وقد استمرت عاصمة في عهد أخيه أبو جعفر المنصور إلى أن بنى بغداد عام 762م وانتقل إليها بعد أن استقر لفترة بالكوفة.
رغم عمرها الوجيز كعاصمة إلا أن الأنبار ظلت محافظة على دورها طوال الفترة الأولى من حكم العباسيين وربما لفترة من الزمن غير واضحة أو محددة جيدا، وبعدها خفت ذكر هذه المدينة في كتب التاريخ حتى لو كان لها من دور ملموس قبلها.
تقع مدينة الأنبار في الضفة الشرقية لنهر الفرات وهي اليوم محافظة كبيرة بهذا الاسم، في حين تلاشت المدينة القديمة التي أصبحت مهجورة بالكامل، ليس فيها سوى أنقاض تحكي عن الأمس العتيق، وظل جزء كبير من تاريخها مشوبا بالغموض يتطلب المزيد من البحث والتقصي.
في سيرة المنطقة عامة عبر التاريخ، تشير المصادر إلى أنها تعرضت لهجرات قديمة من الجزيرة العربية، واستقر المهاجرون فيها وشيدوا القصور والمعابد.
لكن الحديث عن التاريخ الأوضح لنشأة المدينة نفسها يأتي بعد الميلاد، حيث نشأت في عام 350 ميلادية على يد الإمبراطور الساساني شابور الثاني ملك فارس، وتعرضت للحرق عام 363م خلال غزو على الإمبراطورية الساسانية، وقد كانت تسمى بالفارسية «فيروز شابور» أي «شابور المنتصر» نسبة إلى هذا الحاكم.
أما اسم الأنبار في الأساس فقد اختلف فيه فثمة من يرى أنه يعود لأصل فارسي ويقال عربي، ويعني في كل الأحوال: المخزن، حيث اختلف في ذلك، فثمة من يرى أن من أسماها هم الفرس الذين حكموها لردح من الزمن، ومن يرى أن المناذرة هم من أطلقوا عليها هذا الاسم في البدء عندما استقروا بالمنطقة.
وهناك روايات تفيد بأن الأنبار كانت معروفة لليونانيين والرومان الذين اسموها «بيرسابورا»، وأنها على مدار تاريخها شكلت ملجأ لقوميات مختلفة من العرب إلى اليهود والمسيحيين وسائر أتباع الديانات وإلى اليوم سنجد الآثار الكنسية والمسيحية بها.
في عهد الخلافة وبعد أن فتح المسلمون مدينة الحيرة التاريخية في جنوب وسط العراق، في عهد الخليفة أبوبكر الصديق عام 11هجرية، فقد انتظروا إلى جاء لهم الأذن من الصديق بغزو الأنبار، حيث تقدم لها جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد.
وقد قام أهل المدينة بعد أن وصلهم النبأ بحفر خندق حولها متحصنين به وبأسوار الأنبار، وجرت معركة بين الطرفين في العام الثاني عشر من الهجرة الموافق 633م ولم ينتصر فيها طرف ما قاد إلى الصلح بينهما.
وقد عرفت الأنبار قبل ذلك كمخزن للعدة الحربية والحنطة والشعير وغيرها من المواد الغذائية منذ أيام الفرس، وهذا الدور جعلها ذات طابع عسكري توفر الحماية للمدن الأخرى إذا تقوم بدور صد الهجمات المعادية من الروم، كما أنها منذ البدايات قامت أيضا بدور الاستراحة على الطريق أو «الخان» لذلك المسار الممتد من فارس إلى بلاد الروم.
يرجع اختيار هذا الموضع كعاصمة للعباسيين، للابتعاد عن المناوشات مع الأمويين، حيث كانت الخلافات لا تزال محتدمة بين الطرفين، وكان أي موقع قريب من الشام يسهل على بني أمية الهجوم على بني العباس. لهذا اختارها العباسيون ونزل بها خليفتهم الأول، حيث بنى المدينة على ضفاف شاطئ الفرات التي سوف تعرف بهاشمية الأنبار، وفي عهده كان عصرها الذهبي، غير أنه بمرور الزمن اختفى ذكر الأنبار المدينة.
أقام أبو العباس بعض القصور والبنايات بالمدينة، وكان الموقع الذي اتخذه قريبا من الصقلاوية- الحالية-، وقد عرفت دار الخلافة التي بناها في الأنبار باسم «الهاشمية» نسبة إلى هاشم جد العباسيين، ويقال إن قبره موجود بين أطلال هذا الموقع، حيث إنه عاش إلى مات فيها ودفن في الأنبار القديمة.
وقد ذكر اليعقوبي في تاريخه: «وانتقل أبو العباس من الحيرة فنزل الأنبار واتخذ بها مدينة سماها الهاشمية سنة 134هـ واستشرى من الناس أشرية كثيرة بنى فيها واقطعها أهل بيته».
ولم يحكم أبو العباس الذي كان يلقب بـ«السفاح» كثيرًا، حيث بقي في الخلافة أربع سنوات وقد توفي في الأنبار سنة 136هجرية، ليعهد بالحكم إلى أخيه أبي جعفر المنصور.
بمرور الزمن بدت الهاشمية أو الأنبار، كما لو أنها أحجوة في التاريخ، حيث اختفى أثرها كمركز مهم منذ عصر الساسانيين إلى الفترة الإسلامية، ولم يعد لها من أهمية جلية، حيث هي اليوم مهجورة كليا ليس فيها إلا أكوام التراب والخرائب.
لكن يمكن الإشارة إلى أنه ورد في بعض السير أنها كانت مأهولة وتؤدي نشاطها في بقية العصر العباسي، فقد ذكر أنه في عصر هارون الرشيد كان قد نزل بها وهو عائد من إحدى رحلات الحج وأنه أقام ببيت أو قصر أبو العباس لمدة شهر، وكان ذلك سنة 180 هجرية الموافق 796م، كما زارها سنة 185هـ الموافق 801م وأيضا كانت إقامته لشهر.
لكن ومن خلال الكتب والمصادر المتفاوتة هناك دلائل إلى أن الأنبار كانت مدينة مزدهرة بالعلم والفكر وخرجت العديد من العلماء، كما ثمة إشارات إلى التنقيبات الأثرية حول آثار ماضي المدينة، ويمكن الإشارة إلى كتاب «الهاشمية عاصمة العباسيين»، في هذا الإطار، من تأليف قيس حسين رشيد، الذي يحاول فيه تقصي تاريخ هذه المدينة.